(... وفي يقيني إنه لا تنمية بشرية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية من دون المجتمع المدني) هذه العبارة أطلقها الأمير طلال بن عبدالعزيز رئيس برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة ، خلال المنتدى الإقليمي لمنظمات المجتمع المدني في الرباط, وهي تشكل محطة مضيئة في السجال المشتعل حالياً, في العالم العربي وفي الغرب, بين المجتمع المدني وخصومه في السلطة, ولعل المحطة المقابلة في مسيرة هذا السجال ما أعلنه وزير الإعلام السوري السفير المثقف عدنان عمران في 29 يناير الماضي, عندما قال: إن المجتمع المدني تعبير أمريكي ليس موجوداً في أي مكان سوى هناك. المصطلح ليس سيئاً ولكنه حمل تعبيرات إضافية. وربط الوزير ضمناً بين (مؤسسات المجتمع المدني التي تأخرت في الظهور في دول العالم الثالث, لكنها انتشرت بطريقة عنكبوتية) وبين (الاستعمار الجديد الذي لم يعد في حاجة إلى جيوش). واختار نموذجاً لذلك قضية الدكتور سعد الدين إبراهيم الذي يحاكم حالياً في مصر. وهذا السجال الساخن غالباً لا يقتصر على العالم العربي وحده, بل يشمل الديمقراطيات الغربية أيضاً, وإن من منظور مختلف, ولعل أبرز محطات هذا السجال ما يدور في بريطانيا حالياً حول اتهام جهاز الاستخبارات (إم.آي.فايف) بالتجسس على قادة جمعية حماية الطيور (!). على خطوط التماس وعودة إلى هذا السجال بين الأمير والوزير, علماً أن كلمة الأمير جاءت بعد حوالي (16) يوماً من حديث الوزير, كي نسلّط الضوء على وجهتي نظر في المجتمع المدني. يقول الأمير طلال بن عبدالعزيز: (إنني أعرف بطبيعة الحال أن معظم الحكومات العربية تحمل شكوكاً بهذا القدر أو ذاك في المجتمع المدني أو على الأقل قد ينتابها عدم ثقة فيه على نحو يؤدي إلى اغفالها الدور الأساسي الذي يستطيع هذا المجتمع أن يؤديه في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية, وأرجو ألا يمر وقت طويل قبل أن تدرك الدول العربية جميعها أن المجتمع المدني ليس في تناقض مع الحكومات, فهذا المجتمع ينتهي حيث يبدأ النطاق السياسي وهذا المجتمع ليس معنياً بسلطة الدولة والتنافس عليها والصراع من أجلها وإذا فعل أي قطاع ذلك فهو يفقد نفسه ويصبح جزءاً من المجموعة السياسية). ويقف الأمير طلال على خطوط التماس بين ما هو سياسي وما هو مدني, فيضيف: لا اقصد بذلك عدم وجود تداخل في بعض الاحيان, ولكنه تداخل محمود يعبر عن تكامل دور كل من الحكومة والمجتمع المدني, كما لا أنفي حدوث نزاعات غير محمودة أحياناً, وخصوصاً في حالة منظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق الانسان نتيجة للصلة الوثيقة بين هذه الحقوق والديمقراطية, وهذه حالة محدودة حجماً ونوعاً. عورات التنظيمات الفوقية ويرى الأمير طلال أن هناك شراكة لا بد ان تقوم بين المجمتع المدني والحكومات, فيقول: (إن المجتمع المدني هو الذراع اليمنى للحكومات, ليس فقط في عملية التنمية ولكن أيضاً في السعي إلى اشراك مختلف فئات المجتمع في هذه العملية وعدم ترك أحد خارجها نهباً للعوز والحرمان, بما يسهم به من دور فاعل بالمجتمع في مختلف ميادين العمل الخيري والثقافي والبيني والاجتماعي والتعليمي ومحو الأمية, فيقينا أنه لا تنمية بشرية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية من دون المجتمع المدني, ولا قيام لهذه التنمية إلا على أسس ديمقراطية سليمة نستقي مبادئها من شريعتنا الإسلامية السمحاء). وهذه المشاركة التي يقترحها الأمير طلال تكشف عن عورات التنظيمات الفوقية السياسية والمدنية, سواء كانت أحزاباً أو نقابات أو جميعات ومنظمات مهنية أو دينية, وقد كرستها الحكومات العربية واعتمدتها باعتبارها قواعد شعبية, ولكن مع اقتراب اللحظة التاريخية للتغيير فإن هذه التنظيمات تكشف عن بنائها الكرتوني والاستخباراتي, ولعلّ ما حصل بعد رحيل القائد الكبير جمال عبدالناصر يحمل أكثر من دليل على انقطاع الصلة بين هذه التنظيمات وبين المجتمع المدني الذي يفترض ان تمثله. تمويل من الداخل والخارج ولكن ماذا عن مشكلة التمويل التي يحاكم الدكتور سعد الدين إبراهيم بسببها في مصر التي ما زالت تثير جدلاً واسعاً في سوريا والأردن وصولاً إلى تونس والمغرب؟ يرد الأمير طلال بن عبدالعزيز فيقول: (لا يفوتني في هذا المقام, أن أتحدث عن مشكلة التمويل الذي تحصل عليه منظمات وجمعيات المجتمع المدني من الداخل والخارج, فهذا التمويل ضروري ولا غنى عنه, وينبغي أن تدرك الحكومات ذلك, مثلما يتوجب على المجتمع المدني أن يدرك ضرورة خضوع هذا التمويل للرقابة والمحاسبة للتأكد من انتفاء أي شبهة حوله). أقرب إلى الخيانة العظمى يقابل هذه النظرة الدولية لدور منظمات المجتمع المدني على الضفة الأخرى وجهة نظر رسمية عربية وغربية, مع انهما نادراً ما تلتقيان, يعبر عن الجناح العربي فيها الوزير والسفير السوري عدنان عمران, فهو يعتبر أولاً ان شعار المجتمع المدني في سوريا (اختزل وحصر بشيء لا علاقة له بالحياة المدنية بل بأحزاب ومجموعات تريد أن تكون أحزاباً) ثم يلفت الوزير إلى تدخل السفارات الأجنبية في دعم نشاطات هذه المجموعات مقابل تقديم (مكاسب مالية وامتيازات ومصالح) للناشطين في المجتمع المدني. ومن دون أن يذكر اسم الدكتور سعد الدين ابراهيم يقول: (في مصر هناك محاكمة. المجتمع المدني في مواجهة الدولة, الذي يحاكم هو مسئول في مؤسسات المجتمع المدني وهو متهم بتسلّم فلوس من دول أجنبية ومهمات أمنية مكلف بها من جهات أجنبية). وينقل الوزير عمران عن (المتهم) قوله في بيروت العام الماضي: (إن المجتمع المدني وقيامه ووجوده من مسئوليات الدول المتحضرة. ينبغي على هذه الدول ان تتدخل عسكرياً لحماية هذا المجتمع أو ذاك). إذن فإن نظرة الوزير السوري إلى جماعات المجتمع المدني تقوم على أن هذه الجماعات تعمل بالسياسة, وأنها تتقاضى أموالاً من دول أجنبية لتقوم بمهمات أمنية خدمة لتلك الدول, وأنها تحرض على التدخل عسكرياً ضد دولها ذاتها وأنها في نهاية المطاف جزء من استعمار جديد, وكل واحدة من هذه التهم تقترب من (الخيانة العظمى). اتحاد الفلاحين: اختلاس وسرقة إلى أي حد يصح هذا التشخيص الرسمي على مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني التي انتشرت كما شبكات العنكبوت على حد قول الوزير؟ نقتطف من صحيفة (الرأي العام) الصادرة في الكويت عبارات من تقرير كتبه مراسلها في سوريا عن انتخابات اتحاد الفلاحين في سوريا, والاتحاد كما يفترض, هو واحد من تنظيمات المجتمع المدني, وربما كان أقواها, باعتبار ان سوريا بلد زراعي, وجاء في التقرير الذي نشر يوم 18 مارس الجاري ان الاتحاد أنهى تشكيلات مكتبه بتغييرات واسعة في رأس هرم الاتحاد فتم تعيين 52 عضواً, بينهم 50 بعثياً, وواحد من حزب الاتحاد الاشتراكي وآخر من حركة الوحدويين الاشتراكيين, كما تم انتخاب خمسة أعضاء من المستقلين ليصل عدد أعضاء المجلس إلى 57 عضواً. ويقول التقرير: إن التغيير الذي طال أعضاء المكتب التنفيذي هو الأول من نوعه منذ سنوات طويلة فرئيس الاتحاد السابق مصطفى العايد شغل منصبه منذ العام 1974 وبقية زملائه لم يكونوا أقل منه شأناً.. ويضيف: وكان رئيس مجلس الشعب عبدالقادر قدورة وافق في ديسمبر الماضي على طلب تقدمت به محكمة الأمن الاقتصادي للمباشرة بالتحقيق مع ثلاثة نواب بتهم الاعتداء على المال العام والاختلاس وهم: رئيس الاتحاد مصطفى العايد (بعثي) وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد الفلاحين رفيق درويش (بعثي) ومحمد مهيوب (بعثي). إن الاعتداء على المال العام والاختلاس هما سمة التنظيمات الفرقية التي تقودها الحكومات في العالم الثالث, ولن تستعيد هذه التنظيمات قواعدها الشعبية بالتأكيد إذا ضمنت ان أي تغيير لن يحدث إلا بعد ربع قرن (!). جمعية حماية الطيور سياسية وعملية أما في الغرب, فقد كشفت صحيفة (الصانداي تايمز) البريطانية عن فضيحة موجزها أن جهاز الاستخبارات (ام.آي.اس) قام في شهر سبتمبر العام الماضي بعملية تجسس شملت أبرز قيادات الجمعية الملكية لحماية الطيور, وفي طليعة هؤلاء جوليان بيتيجر الصحافي الحائز على جائزة (بي.بي.سي) التلفزيونية والجمعية هي ثاني أكبر الجمعيات الأهلية في بريطانيا ويصل عدد أعضائها المتطوعين إلى مليون عضو. أسباب عملية التجسس هو أن رئيس الجمعية الصحافي جوليان أنتج برعاية من الجمعية فيلماً عرضته الــ (بي.بي.سي). في يناير الماضي كشف فيه وبالوثائق أن سمك السالمون المزروع في البحيرات الصناعية يحوي قدراً كبيراً من الملوثات السامة. إثر عرض الفيلم انخفضت أسعار السمك الفاخر إلى الحضيض. وبما أن زراعة السالمون هي من نوع الصناعة الثقيلة في بريطانيا وتستثمر فيها عشرات الملايين من الجنيهات الاسترلينية, فقد تحركت شركة (تاسكو) وهي أبرز عميل لتسويق هذه الاسماك في داخل بريطانيا وخارجها, وطلبت من جهاز الاستخبارات التحقيق في نشاطات جمعية حماية الطيور باعتبار أنها تقود حملة سياسية تهدد الاقتصاد الوطني للشركات البريطانية وأنها مدعومة من (عملاء أجانب). وهو ما استجاب له جهاز الاستخبارات.. والفضيحة ما زالت تتفاعل في بريطانيا. ولكن هذا التحالف بين الشركة والدولة على إلصاق تهمة العمل بالسياسة وتلقي الدعم من عملاء أجانب ضد إحدى منظمات المجتمع المدني تبقى في الديمقراطية الغربية هي الاستثناء, بينما في العالم العربي تكاد تتحول إلى قاعدة.