شهد الأسبوع الماضي احتجاجات عديدة في العواصم الغربية ضد العولمة تم اخمادها بواسطة قوات الشرطة. وفي بعض المدن والعواصم اتخذت التظاهرات منحى تخريبياً عنيفاً, ففي نابولي بإيطاليا ، مثلاً قام الراديكاليون أعداء العولمة بقذف قطع الأحجار والخشب والقنابل الحارقة على مقر مؤتمر حول العولمة يضم نحو أربعة آلاف شخص, وقد خلّفت تلك التظاهرة العنيفة نحو 120 جريحاً من المتظاهرين أنفسهم ومن رجال الشرطة والصحفيين الذين وفدوا لتغطية أنباء المؤتمر, فوجدوا أنفسهم على هامشه يغطون أنباء الاحتجاجات والتظاهرات! اللاتينيون ضد العولمة أما في باريس, فقد اختار المتظاهرون تحطيم مطاعم ماكدونالد الشهيرة باعتبارها أحد أبرز رموز العولمة والهيمنة الحضارية الأمريكية التي تثير حمية الفرنسيين وتستثير مشاعر السخط لديهم, والراديكاليون الفرنسيون بخاصة, والانتلجنسيا السياسية الفرنسية بعامة معروفة بتحفظاتها على اتجاهات العولمة من قديم, لأنها في تحليلهم لا تعني عولمة بحق, ولا تعني سيادة غربية على العالم, وانما تعني سيادة الشق الحضاري الانجلو سكسوني, على حساب الشق اللاتيني الذي تتزعمه فرنسا. وقد كان للمثقفين الفرنسيين وعلى رأسهم ديجول وأندريه مالرو, وأندريه جيد دور كبير في إحباط دعوات سابقة للعولمة اعتبروها محاولات إخضاع وتتبيع فرنسا, لبريطانيا وأمريكا, وهو الأمر الذي حدا بفرنسا للانسحاب حتى من حلف الناتو. إن الفرنسيين بعامة يجترون مشاعر المرارة تجاه تكرار دعوات العولمة, وترى الجمهور الفرنسي مع أنه شعب دولة كبرى, يبدو هنا وكأنه شعب دولة نامية مقهورة من دول أفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية, أما المثقفون الفرنسيون فيبدون في عمومهم وكأنهم راديكاليون مثلهم مثل راديكاليي أمريكا اللاتينية. والسبب هو أنهم يدركون سراً خطيراً من أسرار (العولمة) ذلك السر الذي ينبغي أن يكون مُشاعاً حقاً بين الناس, وهو أن العولمة هي ظاهرة تمييزية بعكس ما يقضي اسمها الذي يشير إلى التعمم والعموم بل العالمية نفسها. وليس بدعاً أن تندلع معظم التظاهرات الأخيرة بإيطاليا وفرنسا وشيلي وأقطار أخرى تتبع للعرق اللاتيني الذي يتميز غيظاً من محاولات الأنجلو ــ ساكسونيين فرض ثقافتهم وسيطرتهم السياسية والاقتصادية عليهم وعلى العالم أجمع. اختلاف تسميات فقط إن العولمة أو الغزو الفكري أو الاستعمار الحديث أو الاستعمار القديم أو الامبريالية أو الحروب الصليبية أو حروب السيطرة... الخ, انما كلها تسميات لمسميات متطابقة أو متشابهة... وكلما قدم العهد على تسمية منها هجرها الكتّاب وتخلوا عنها الى تسمية أحلى, لها حلاوة اسم العولمة شائع الاستعمال الآن! إن عبارة حروب السيطرة تشير الى وسائلها العنيفة, كما تشير الى أهدافها الصريحة القبيحة, ولذا أعطيت في وقت لاحق أغلفة دينية بهية, وسميت بالحروب الدينية أو الصليبية. وعندما فقد الدين بريقه وتأثيره في الغرب, وطفق الناس يعيدون مفهوم (الدولة) بتأثير من (هيجل) وأسلافه, فقد اضيفت كلمة مجلجلة الى ممارسات النهب والسيطرة فنسبت الى الامبراطورية التي كانت تعمل كل امة على ان تعلي من شأنها وتمد في رقعتها, فسميت ظاهرة النهب العالمي بــ (الامبريالية) وهي تسمية تم تعديلها من بعد ارضاء للشعوب المقهورة, بعد ان تم ارضاء الشعوب القاهرة, فقيل (الاستعمار), وكم في تلك التسمية من خبث وخروج عن القصد حيث يُسمى احتلال اراضي الغير واستنزافها (إعماراً) لها, وقيل عن اخضاع الشعوب الآسيوية والأفريقية واللاتينية الأمريكية انه تم بغرض تشذيبها وتهذيبها وإلحاقها ــ ولو عنوة ــ بروح العصر الحديث! ولما انجلى الاستعمار شاعت تسمية ملطفة له هي تسمية الاستعمار الحديث, فكأنه كان استعماراً بصيغة حضارية مهذبة لا تتبنى اعمال العنف أو القمع أو الوحشية السافرة. ولكن من يتأمل ظاهرة السيطرة الغربية (الحديثة) يدرك تماماً أن الأثر التخريبي لتلك الظاهرة يفوق بكثير ما خلّفته وسائل الاستعمار القديم, ويكفي هنا فقط تأمل وسائل الدول الغربية في الاستنزاف الاقتصادي المنهك, والتدبيرات الخفية لإشعال النزاعات والشجارات والحروب بين دول العالم الثالث. أما عبارة (الغزو الفكري) فهي عبارة ابتسارية, اطلقت لوصف وسائل السيطرة العقلية والتعليمية والاعلامية والترفيهية ومحاولات تعميم الأنماط السلوكية والحياتية الغربية وسط الشرقيين, وذلك من أجل تأكيد تبعيتهم والتمهيد للسيطرة عليهم من النواحي الأهم وهي النواحي السياسية والاقتصادية.. وأخيرا انبثق المرادف الجديد وهو لفظ (العولمة) وبدا لفظا مستعذباً رغم انه يدل على ذات المعاني السالفة, بل يؤكد ان الأمر اصبح قدراً حتمياً وتياراً غير مرتد أبداً الى الوراء. فــ (العولمة) اصبحت حركة الطبيعة البشرية التي تأتي ميكانيكياً أو عفوياً, وإلا أتت حتمياً مع انتشار وسائل الاتصالات والمواصلات التي تنقل البشر والأفكار والعلوم والبضائع, وكل شيء, وتخلط الحابل بالنابل إن لم ينتبه الناس لضرورة التمييز. تيار غير مرتد إن حركة (العولمة) إذا كانت نتاجاً طبيعياً لتقدم التكنولوجيا وتحرير الاقتصاد, لكانت خيراً عميماً على العالم كله, ولكانت حركة مباركة لا يعترض على ارادتها احد. لكن في كل ذلك شك كبير, لا سيما في المبالغات التي تطلق في وصف تلك الحركة بأنها حركة ابدية لا تتوقف ولا تركن ولا تنحسر ولا ترتد. لقد شهد التاريخ الحديث مراراً مثل تلك البشريات والحتميات التي سرعان ما انهارت تحت ضغط وقائع وعقابيل لم ينتبه لها الدعاة المتحمسون وآخر تلك البشريات انتشرت في العشرينيات, مع انتشار التكنولوجيا التي كانت مذهلة في حينها, كالكهرباء والراديو والتلفونات فظن البعض أنها ستكون أداة فتح العالم للثقافة والتجارة والسيطرة السياسية الغربية الى الأبد, ولكن سرعان ما انتج ذلك الانفتاح العالمي, الكساد الرهيب الذي ضرب العالم من أواخر العشرينيات الى أوساط الثلاثينيات, وكان أحد الأسباب التي أدت الى قيام حكومات عدة بفرض اجراءات الحماية الاقتصادية التي تصاعدت خاصة في روسيا وألمانيا وإيطاليا, وقد أبطلت تلك الاجراءات بشريات (العولمة), بل تراكمت مع عوامل أخرى أدت الى تفجير الحرب العالمية الثانية والاستقطاب الذي ساد بعدها. ومن الطريف أن حكومة الولايات المتحدة التي تقود حركة العولمة حالياً كانت إذ ذاك ضد أي اتجاه للعولمة لا سيما في وجهها الاقتصادي والسياسي, وطفقت تصدر بين كل حين وآخر قوانين جديدة من الكونجرس تزيد معدلات الرسوم الجمركية للبضائع الواردة إليها, كما أصدر الكونجرس قوانين عديدة حدّ بها من ظاهرة الهجرة الى أمريكا.. والآن لا تزال أمريكا تقف موقفاً مناوئاً لوكالة اليونسكو وتكاد تجمد حركتها وذلك مع أن اليونسكو يفترض أن تكون أحد أهم آليات العولمة فمهمتها التي أنيطت بها هي تنسيق ودفع عمليات التعاون بين الدول في مجالات التعليم والعلوم والثقافة عبر التوصيات التي تصدرها أو الأعمال المباشرة التي تقوم بها. أما سر المناوأة الأمريكية لها فقد تأتى من قيام عدد من المفكرين السياسيين من أبناء العالم الثالث بتمرير مشروع لنظام عالمي جديد للمعلومات والاتصالات مستقل عن سيطرة أنظمة المعلومات والاتصالات الأمريكية, لذا ثارت أمريكا وانسحبت من اليونسكو, بعد أن كانت تدفع معظم ميزانيتها, ثم لحقت بها بريطانيا بعد حين, ومن يومها أصبحت اليونسكو أكثر وكالات الأمم المتحدة الست عشرة المتخصصة, تعرضاً للنقد من الإعلام الأمريكي.. إن تلك هي أبلغ دلالة على أن العولمة تعني سيطرة دولة ما, أو سيطرة تجمع دولي بعينه, وليس المقصود هو تنسيق ودفع مجالات التداخل والتعاون الدولي, فقد كانت تلك هي رسالة وكالة اليونسكو. من يقاوم؟ إن الراديكاليين لا يستطيعون بالقطع أن يوقفوا أو يعدلوا تيار العلومة, إنما تستطيع ذلك النخب الحاكمة في الدول المستضعفة. وقد حاول بعضهم فأصاب نجاحاً ما, على الأقل في حدود بلاده, كما فعل ذلك بجدارة واقتدار الزعيم الماليزي مهاتير محمد, حيث جنّب بلاده كارثة الانهيار الاقتصادي التي أصابت الأقطار الأخرى حول ماليزيا.. وها هو المضارب العالمي جورج سورس نفسه يعود فيعترف بصوابية اجراءات مهاتير محمد بعد أن كان يستنكرها عليه يوم قام النزاع بينهما, ويومها كان المضارب اليهودي قد أثار الصحافة الغربية كلها ضد مهاتير بسبب زلة لسان من مهاتير ذكر بها الانتماء الديني لسورس. إن تيار العولمة يهدد سلطات الحكومات في الدول النامية ويبدد سيطرتها على اقتصاد بلادها, والسيطرة على الاقتصاد هي أكبر ملامح قوى النخب الحاكمة. ولذا فإن مكافحة العولمة يتوقف جدولها ويتوقف نجاحها كثيراً على مواقف تلك الحكومات, وقد أحسنت حكومات كل من مصر وباكستان وبنجلاديش وإيران واندونيسيا وماليزيا ونيجيريا وتركيا, بعقد المؤتمر الأخير الذي انتقدوا فيه نقداً لاذعاً ظاهرة التمييز ضد بضائع الدول الإسلامية وكان الرئيس مبارك هو أحد أبرز نقاد تلك الممارسة التمييزية وأعلاهم صوتاً. إن وقوف حكومات تلك الأقطار التي تضم مجتمعة أكثر من ثمانمئة مليون نسمة, لدليل قوي على أن سر العولمة أضحى ينكشف يوماً بعد يوم. وبعد اليوم فلن تنحصر حركة مقاومتها على الشعوب اللاتينية وحدها, وانما ستنضم الشعوب الإسلامية لذلك الركب.