كلما انعقدت قمة عربية يتجدد السؤال.. كيف يكون الطريق الى تجديد وتفعيل المشروع القومي العربي؟ فعلى الرغم من أن العرب مازالوا أفرادا ومجتمعات ونظما يسكنون هذه الرقعة الجغرافية التاريخية، في قارتي آسيا وافريقيا, الممتدة من المحيط الى الخليج, فإن العروبة باتت تعاني الغربة الموحشة والحصار العولمي الكاسح, تطاردها آليات السلطات القطرية المتناحرة من جانب, والتحالف الصهيوني الاستعماري من جانب آخر, ولعله في هذا التناقض القائم اليوم, بين حياة العرب بالمعنى المكاني والاجتماعي القطري, وبين العروبة بالمعنى القومي الحضاري, يكمن جوهر المأزق العربي الراهن . فإذا كان الأمر كذلك, فإن المخرج من هذا المأزق, يكون في رد غربة العروبة الى الرقعة الجغرافية التاريخية, أفرادا ومجتمعات ونظما, وبذلك يتحول عرب القرن الواحد والعشرين في عصر الكتل الدولية الكبيرة, من مجرد (كم) مشتت عاجز, الى (كيف) موحد فاعل, كما تتحول الرقعة الجغرافية التاريخية ذات الأهمية الاستراتيجية, من سوق مفتوحة لكل من هب ودب للاستغلال ونزح الموارد والنهب الاستعماري والتوسع الصهيوني, الى وطن حر منتج وموقع حصين للإنسان العربي وثرواته المعنوية والمادية, لمواصلة رسالة الحضارة العربية بتراثها متعدد المنابع, في عالم يتأهب, مع ثورة العلم والتكنولوجيا, لاقتحام الألفية الجديدة. ولا شك أن أول ما يحتاجه العرب في بحثهم عن آفاق المستقبل, والأسلحة اللازمة لهذا التحدي الكبير, هو اعادة الثقة في قيمة العروبة وفي استمرارية الانتماء العربي ذاته. وليس يعني ذلك العودة مرة أخرى الى التغني بأمجاد الماضي والتيه بالتاريخ, وانما المقصود هو تحرير الذات العربية المعاصرة من عقد الاحساس بانقطاع التاريخ أو توقفه عند حضارة الماضي, وشحذ همم الأجيال المعاصرة لاستكشاف مايملكه العرب اليوم, وماقد يملكونه مستقبلا من قدرات وأدوار وثروات, والعلم بشروط هذا الامتلاك وطرق توظيفه بفاعلية في عالم الغد. المطلوب اذن تحقيق نهضة عربية شاملة, أي هبة مجتمعية تسعى لإكساب الحضارة القومية قدرتها على انتاج المعارف والمهارات في تعامل متكافئ مع الحضارات الأخرى, لأن الحضارة الحية لا تبنى على الرفض أن النفي, ولكن تبنى على الابداع والنهوض. ولعله قد آن الآوان أن نبدأ بالانسان العربي. وأن نعمل على مايسترد هذا الانسان العربي انسانيته, وان يكتسب القدرة على التعليم والتقدم حتى يتمكن المجتمع كله من النهوض من حالة السبات التي تكاثرت فيها الكوابيس. وفي بلاد كبلادنا العربية, حيث العهد لا يزال بعد قريبا بالأساليب الديمقراطية والتمثيل الشعبي السليم والفعال, وحيث تنخفض درجة الوعي على المستوى الشعبي بمفهوم التخطيط والسلوكيات الاجتماعية المرتبطة به, فإن الدعوة إلى تنشيط دور هذا المستفيد الشرعي من الخطط القومية وتأهيله للتعامل في مفهوم التخطيط والنظرة بعيدة المدى, تصبح من أسبق الواجبات اللازمة لضمان التجاوب الشعبي الحقيقي مع خطط الأنماء القومية, ولا ينبغي أن ينصرف هذا التنشيط وهذا التأهيل الى مجرد اقامة الندوات لنشر الوعي المستقبلي بين الناس, وانما المقصود أيضا هو تنشيط الدور المباشر للتجمعات الشعبية في وضع خطط وحداتها المحلية المعيشية والانتاجية تمهيدا لمشاركة أوسع في وضع الخطط القومية في صياغة ومتابعة نتائجها. وهكذا يتأكد لدينا أن في مقدمة الأهداف المنشودة للعمل العربي المشترك تحقيق طفرة نوعية في الاقتصادات العربية, ونقلها الى اقتصادات قائمة على المعرفة والعلوم والتقنيات المتطورة, وتوجيهها نحو الطابع الانتاجي القابل للتصدير, بما يكفل سد احتياجات الغذاء والاحتياجات المعيشية الأخرى لثلاثمئة مليون نسمة, هو حجم المتوقع للوطن العربي عام 2020. ولا مفر من مواجهة الواقع واشاعة الاقتناع بأن القوة والأمن والاستقلال في هذا العصر, هي التنمية الاقتصادية الشاملة والمطردة وفي قلب منها التصنيع السريع على اساس أن تكون هذه التنمية القومية الشاملة مصحوبة بممارسة ديمقراطية صادقة, وعدالة اجتماعية أصبحت في عالم اليوم شرطا لاضطراد التنمية وليست مجرد تعبير من مشاعر انسانية نبيلة. والى جانب هذه المهمة المركزية في كل المستقبل العربي, فقد بدأت تلوح في أفق القرن الحادي والعشرين مشكلات اختلال جوهرية, مثل تنسيق السياسات السكانية والتركيبية الديموجرافية ومايقترن بذلك من مشكلات في تدبير الغذاء الكافي والرعاية الصحية والتعليمية, والصراعات المحتملة على موارد المياه المحدودة, ومشكلات الاقليات واهتزاز أنظمة الحكم المختلفة والنعرات الطائفية والشعوبية الأخرى, والأمراض, وانماط الجريمة الجديدة التي دخلت البيوت العربية, كما ستواجه الهوية الثقافية العربية تحديات من نوع جديد بسبب الانفتاح قسرا على الثقافات العالمية, تحت تأثير الاقمار الصناعية والسماوات المفتوحة. فاذا أضيف ذلك كله الى احتمالات استمرار - وربما تفاقم بعض المشاكل الجوهرية الراهنة كتفشي الأمية وانفصال النخب الحاكمة, وغياب المشاركة السياسية الكافية, وعسكرة الحياة المدنية, وتخلف الادارة الحكومية, وسوء توزيع الثروة, واهدار حقوق الإنسان, لظهرت بوضوح الحاجة الى وقفة عربية عاجلة وجريئة وغير تقليدية, لمراجعة الذات والتأهل للمستقبل بمنطلق جديد وفلسفة جديدة وأدوات جديدة أيضا. كما تشمل الأهداف الجديدة للعمل العربي الجماعي, وتنسيق السياسات الخاصة بالهجرة السكانية وانتقال الأفراد عبر الحدود, وحماية الثروة العلمية العربية من ظواهر الاستنزاف والنزوح الى الخارج, وتنظيم الاستفادة العربية الجماعية من التواجد العربي في المهجر في مختلف بلدان العالم. ومعالجة مشكلات التجمعات الحضارية الضخمة داخل البلدان العربية, وكفالة التوازن السكاني واحتياجاته على جوانب الحدود المشتركة بين البلدان العربية من ناحية, وفيما بينهما وبين البلدان غير العربية المجاورة من ناحية أخرى ومعالجة مشكلات اللجوء الاضطراري والنزوح الجماعي. ولأن العالم في مشارف القرن الحادي والعشرين تتحكم فيه بالدرجة الأولى, قوى المعلومات وقدرات الاتصال الواسع السريع, سوف يكون ضمن الأهداف السياسات الواجبة في اطار العمل العربي المشترك, وتوسيع شبكات المعلومات القائمة حاليا, وانشاء شبكات وقنوات اتصال جديدة, بما في ذلك الربط الالكتروني بالشبكات العالمية, مع ضرورة الانتقال بنوعية المدخلات الى المستويات والمواصفات المتعارف عليها عالميا, حتى تتوافر القدرة على المقارنة والقياس والتبادل المتكافئ في المعلومات وفي السلع والخدمات, وتحسبا لاحتمالات التآكل النسبي في احتياطي البترول العربي, فإن العالم العربي مطالب بأن يبدأ في صياغة استراتيجيات وسياسات طويلة المدى بهدف استبقاء علاقات التحالف القائمة بينه وبين بعض الأطراف الأخرى في افريقيا واسيا والعالم الاسلامي, وكفالة امتداد هذه العلاقة حتى بعد انتهاء العنصر البترولي الذي يمثل أحد أكبر دعاماتها في الوقت الحاضر. ولابد أن يتضمن الأمن العربي في مفهومه الجديد صياغة استراتيجية شاملة لكافة دول الأقليم والأطراف المحيطة, بما تكفل خلو المنطقة من أسلحة الدمار الشامل, ومنع الانتشار النووي. وسوف يدخل في اطار المفهوم الجديد للأمن العربي الجماعي, أهداف عامة وسياسات واجراءات تفصيلية تعالج المفارقات القائمة في مستويات النمو والرفاهية بين الوحدات العربية, كما تعالج المفارقات بين برامج التسلح واعداد الجيوش من ناحية, وطموحات التنمية الاقتصادية والاجتماعية من ناحية أخرى. كما سوف يدخل أيضا وبكل تأكيد في اطار المفهوم الجديد للأمن العربي الجماعي الالتزام مسبقا بآليات محددة متفق عليها, لتسوية ماقد يطرأ من خلافات أو نزاعات بينية, بما في ذلك تفعيل وتحديث وابتكار آليات للتحكيم والقضاء العربي, وربما انشاء قوة عربية مشتركة للتدخل في المجالات التي تستلزم ذلك, بما يكفل تكريس مفهوم الأمن القومي العربي الشامل باعتباره وسيلة الحفاظ على الأمن وضمان نماء الأمة ومصالحها ومستقبلها وحريتها ووحدة أراضيها والذي لا يتعزز الا بتحقيق الأمن الوطني لكل دولة عربية فهو وحدة لا تتجزأ. ولعل المطلوب اليوم, وبعد أن مر على تأسيس جامعة الدول العربية أكثر من نصف قرن أن يتحقق لها انتقال فكري جوهري من صورة المنظمة الاقليمية, الى صورة المؤسسة القومية التي تحكم تشكيلاتها وبرامج عملها لنموذج التعاون والتكامل والتوحيد, والتي تقيم كل ما ترى أو تعلن أو تفعل بقدر مايخدم هذا المفهوم الكلي. كما يجب أن ينشط كل انصار التوحد العربي, وكل المشتغلين بالعمل العربي المشترك والعاملين في المؤسسات العربية, في الدعوة التي تبني التغيير المنشود في أساس كل عمل عربي. وفي ضوء كل المتغيرات والتحديات والأخطار الداهمة, السابق استعراضها, فإن تجديد المشروع القومي العربي وتحديثه وتفعيله, على أسس وأهداف ووسائل جديدة, يغدو ضرورة حياة, ان لم يكن الشرط الوحيد للبقاء الفاعل الآن, بعد أن كان هذا المشروع العربي في المراحل السابقة أشبه بشعار عاطفي تحكمه نوازع أدبية واعتبارات وجدانية. إن الخطوة الأولى للافلات الفكري والعملي من قبضة هذا المأزق العربي الراهن, لا يمكن أن تتم الا من الداخل وفي الداخل, وبفعل الفاعليات الفكرية والسياسية في الوطن, وذلك عن طريق احداث تفاعل عروبي صحي وخلاق, يجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل, في العقل والوجدان, في الفرد والمجتمع, في السلطة والنظام, في الخاص الوطني والعام القومي على السواء. بتعبير آخر أن يعيش العرب مكانهم وحياتهم بحس تاريخي ونظرة واقعية وأمل بالمستقبل, يواجهون مشكلاتهم وتحدياتهم عربا موحدين في حركتهم العامة, رغم تعدد الاجتهادات وتعدد الخصوصيات القطرية. في هذا الزمن البور الذي نعيشه, تترسخ العقبات وتزداد عفونتها في الجسم العربي مع مرور الأيام, وليس هناك من أحد غيرنا, نحن العرب من سوف يتطوع, أو له القدرة والرغبة على ازالة هذه العقبات نيابة عنا. فالذي لا يساعد نفسه لا يساعده الآخرين, ولو كان أقرب الحلفاء. واذا لم نفعل فقدنا مبرر وجودنا. ولا شئ جامد في الحياة, ولا معجزات, أو بكاء على اطلال الماضي, وعقبات الحاضر, ولكن كل شيء يمكن تحريكه وتغييره واستثماره لصالح الأمة العربية, بالرؤية الثاقبة الواقعية, والحركة الجسورة, والعمل الجماعي المخطط, والنفس الطويل, وقبل ذلك وبعده الاستعداد لتحمل التضحيات ودفع الثمن. * كاتب سياسي مصري