لدورات متعددة كانت القمة العربية تعقد في حالات الطوارىء, وبقي مفهوم القمة الطارئة هو الحالة الطبيعية التي لازمت معظم دورات الجامعة العربية, ولعلنا هذه الأيام وبانعقاد القمة العربية العادية، فإننا نستبشر بشكل أولي الخير من طبيعية هذه القمة رغم أن التحديات التي تواجهها الأمة العربية باتت تشكل محاور متنوعة ولم تعد تخص ملفا بذاته أو دولة بحدودها الجغرافية بقدر ما هي حالة جماعية تؤثر على الوطن العربي من محيطة الى خليجه, وهذه التحديات وإن كانت محصورة بمحاور ثلاثة وهي القضية الفلسطينية والحصار على الشعب العراقي والتكامل الاقتصادي العربي, إلا ان هذه المحاور تشكل في حقيقتها محوراً واحداً لأن جميع الدول العربية متأثرة بها, فلا يمكن فصل أي جزء منها عن الآخر كونها تشكل من وجهة النظر العربية عقداً واحداً رغم ظاهرية التباين الذي قد يراه البعض. التحدي الأكبر لا يمكن فصل محاور القمة العربية كما أسلفنا ولكن ما هو التحدي الأكبر الذي تمر به الأمة العربية, وكيف يمكن للقادة العرب المجتمعين في عمّان الوقوف ضده؟ لعل الأمر الذي لا يختلف عليه أي عربي أن اسرائيل تبدو اليوم أكثر شراسة من أي وقت مضى, وهي لا تحاول بوصول المتطرف اليميني أرييل شارون الى رئاسة الوزراء ان تقمع الانتفاضة الفلسطينية فقط بل لعلها تنذر بحرب ضد كل العرب فما يحصل الآن من قمع للانتفاضة المباركة لا يقتصر على الضحايا الفلسطينيين فحسب, بل انه يؤثر بشكل مباشر على كل الدول العربية, فالسلوك العدواني الذي تمارسه اسرائيل في قمع انتفاضة الأقصى هو مقدمة لممارسات شرسة طويلة ستمارسها على الدول العربية إذا ما نجح شارون في قمع الانتفاضة, وهذا في الحالة الطبيعية للمخطط الصهيوني القديم الذي يرى في القوة سبيلاً الى تحقيقه. وليس العرب اليوم معرضون لخطر السلاح فقط, بل أن شكل حكومة شارون هو خطر بذاته, فما يسمى بحكومة (الوحدة الوطنية) في اسرائيل هو من منظور المخطط الصهيوني حكومة مواجهة لأن اجتماع شارون وشيمون بيريز في حكومة واحدة له دلالة بعيدة, فإذا نظرنا الى الخلف قليلاً وأثناء فترة الانتخابات الاسرائيلية نجد أن رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق أصرّ على البقاء مرشحاً لحزب العمل رغم علم ايهود باراك بخسارته مسبقاً وهو ما لم يتنازل عن ترشيح نفسه لإفساح المجال لشيمون بيريز مثلاً أو لغيره من الأحزاب اليسارية, وبالمقابل لم نجد أي ضغط من حزب العمل على باراك وكأن هذا الحزب يرغب ان يفوز شارون والدليل على ذلك المساهمة الكبيرة لحزب العمل في الحكومة الاسرائيلية الجديدة مما يضمن استمراريتها بقيادة السفاح شارون, وهذا يعطي انطباع التحدي المرير للأمة العربية, فشكل الحكومة الاسرائيلية الحالية هو شكل يساعدهم عالمياً على تخطي الحواجز من خلال تنوع الرؤية في أيديولوجيات الصهيونية التي تصب في اتجاه واحد وهو ضد أي مشروع عربي. إذن هذه المقدمة للحكومة الإسرائيلية الجديدة لا يمكن فصلها عن الواقع العربي كونها مشكلة ضد العرب اساسا وليس ضد الفلسطينيين وحدهم, بل وكأني أرى في هذه الحكومة رداً سريعاً على الأجواء العربية التي بدت متوافقة بشكل كبير في مؤتمر القمة الطارىء في القاهرة حيث رأينا تقارباً عربياً اشتقنا إليه منذ زمن بعيد, بل لعلنا رأينا تقارباً عربياً شعبياً لم يشهده الوطن العربي منذ زمن آخر خاصة في الوقوف الشعبي مع انتفاضة الأقصى وتلاحم الجماهير العربية والشارع العربي بمختلف فئاته مع الانتفاضة مما جعل المشروع الصهيوني يعيد النظر في خصوصيته التي بقيت ساكنة لفترة من الزمن, فالصهيونية لا يمكن ان تقف مكتوفة الأيدي حيال أي تقارب عربي كهذا التقارب الذي نراه بشكليه الأول: في دعم الانتفاضة الشعبية والثاني: في التحرك العربي لفك الحصار عن العراق. رغم أن أشكال هذين التقاربين لم تكن بالمستوى المطلوب عربياً في قمة القاهرة الطارئة. إحياء المقاطعة لعل مشروع المقاطعة العربية لإسرائيل قد غاب كثيراً عن دورات القمم السابقة, ولكن العرب اليوم مطالبون في قمتهم بإحياء مشروع المقاطعة لأنه بات سلاحاً ذا وجهين الأول: يخدم العرب والثاني: يقف في وجه المشروع الصهيوني الذي أراه يتجدد مع جديد الحكومة الاسرائيلية وتركيبتها, ومشروع المقاطعة يخدم في النهاية المحاور الثلاثة لقمة عمان من خلال دعم الانتفاضة الفلسطينية ورفع العقوبات عن العراق والعمل الاقتصادي العربي المشترك. والواقع أن إحياء مشروع المقاطعة هو رد حقيقي على كل المشاريع الصهيونية التي نراها اليوم متلونة بأكثر من لون, فنحن أمام أرييل شارون مجرم الحرب ومؤسس المجازر ضد العرب ومنفذها أيضاً, وهو لا يعترف بالسلام وإن كان لا يغيب عن لسانه. وبالمقابل فنحن أيضاً أمام شيمون بيريز الذي يدعي بأنه رجل السلام, ولكنه في الواقع هو رجل المشروع الصهيوني الجديد الذي ينظر له قبل مؤتمر مدريد وما زال يحمل لواءه حتى الآن بصيغة الشرق أوسطية, وكلا المشروعين البيريزي والشاروني موجهان ضد الأمة العربية ولا يمكن الوقوف بوجهيهما إلا بالمشروع المضاد وهو مشروع عربي مشترك وضعته قمة عمان في جدول أعمالها من خلال محاورها حتى في محور العراق الذي يظن البعض أنه بعيد عن مواجهة المشروع الصهيوني كون مشكلته الرئيسية بين دولتين عربيتين بالأساس, ولكن الواقع أن هذه القضية أصبحت تتداخل مع مجمل ملفات الوطن العربي فالمصالحة العربية هي جزء رئيسي من المقاطعة, أضف الى انها ستعيد العراق الى الوطن العربي وتعيد فاعلية هذا البلد الكبير والمؤثر اقتصادياً. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق