تنعقد القمة العربية الدورية الأولى في العاصمة الأردنية عمان في توقيت بالغ الحرج تحدق فيه الأخطار بالعرب, وتهدد نظامهم الاقليمي في الصميم, فيهتز وجودهم بشدة في الخريطة السياسية لعالمنا المعاصر, وتتآمر قوى عظمى وكبرى واقليمية لتهميش المكانة الجيواستراتيجية للدول العربية على الرغم من موقعها الجغرافي الفريد في قلب العالم, وثرواتها الطبيعية وقدراتها الاقتصادية والبشرية, الفعالة الكامنة, ودورها التاريخي في بناء الحضارة الانسانية وتطورها. ويواجه النظام الاقليمي العربي المتمثل في جامعة الدول العربية مخططا متكاملا لضربة في اطار التسويات السياسية للصراع العربي الإسرائيلي بهدف اقامة نظام شرق أوسطي بديل يضم الدول العربية وإسرائيل وتركيا, وتهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية, وتتعدد مؤسساته في المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية, وفي مقدمتها نظام الامن الاقليمي التعاوني الذي يبدأ بإسرائيل ودول الطوق العربية المحيطة بها لتحقيق أهداف استراتيجية وحماية مصالح أمنية محددة, ثم يمتد المحيط بها لتحقيق أهداف استراتيجية وحماية مصالح أمنية محددة, ثم يمتد من المحيط الأطلسي الى الخليج العربي في المدى المتوسط (15 ــ 20 سنة), ليتوارى كل شكل من أشكال الأمن الجماعي في اطار جامعة الدول العربية, وتنتهي آمال احياء معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي المبرمة بين دولها منذ نصف قرن بالتمام والكمال ومع اننا نعيش عصر التكتلات الاقتصادية الكبرى, فإن السوق العربية المشتركة لا تزال حلما جميلا يرواد المفكرين والساسة العرب في الليالي القمرية, ويظل حجم تجارة العرب متواضعا, فهو لا يتجاوز ثلاثمائة مليار دولار بنسبة 7.2% فقط من حجم التجارة العالمية الذي بلغ ( 11) تريليون دولار, وبذلك يماثل العالم العربي في تجارته حجم التبادل التجاري لسنغافورة وحدها, مع ملاحظة ان ثلثي صادرات العرب من المنتجات البترولية!!! وتزداد خطورة الأمر إذا عرفنا أن حجم التجارة البينية العربية يبلغ 5.8% فقط لا غير من تجارتهم الخارجية. ومن المؤلم أن اسهام العرب, وهم الآن زهاء (285) مليون نسمة, في الناتج العالمي قد انخفض من (5.3%) عام 1992 الى (5.2%) فقط عام ,2000 كما قفزت الفجوة الغذائية العربية في نفس العام الى (4.12) مليار دولار, وبذلك نستورد السلاح والغذاء معا!! ومع أن حجم الودائع والاستثمارات العربية في خارج الوطن العربي الكبير قد ناهز أربعة آلاف مليار دولار بنهاية عام ,2000 ومنها (850) مليار دولار في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا, فلم يتجاوز اجمالي الاستثمارات العربية في دولة عربية كبيرة كمصر خمسة مليارات من الدولارات حتى الآن, ولا تزال نسبة البطالة في العالم العربي نحو (11%), فلدينا عشرة ملايين عاطل, ونحن ننفرد بأعلى نسبة لبطالة المتعلمين في الدول النامية. وعندما فكر العرب في مشروع مشترك لاستصلاح 2 مليون فدان من أراضي الجزيرة في السودان في الثمانينيات وزراعتها بالقمح كخطوة عملية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح للعرب, ضغط الأمريكان بكل قوة لوقف المشروع, وهرب الممولون, وزادت صادرت القمح الأمريكي إلينا. ويكاد التخلف التكنولوجي يصبغ الواقع العربي الحالي بلون قاتم فعلا, فلا يزال العرب عاجزين عن مواكبة ثورة المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا, والقاعدة الصناعية في الدول العربية محدودة القدرات, فنحن حتى الآن لا نصنع المحركات ولا ننتج آلات المصانع, ولا نطور البرمجيات, ولا نصمم المشروعات الهندسية والالكترونية, ولا نهتم بتحديث تقنيات الانتاج الصناعي!!! ولم نقترب بعد من تكنولوجيا محطات القوى النووية لتوليد الكهرباء وتحلية مياه البحر و سائر التطبيقات السلمية الكبرى للطاقة الذرية. واكتفينا بمجرد المطالبة بانضمام إسرائيل الى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية, والدعوة الى تخليها عن الرادع النووي الاستراتيجي والتكتيكي الذي تهدد به سرا وعلانية دول الطوق والعمق العربية وايران, ويحرمنا من نجدة الشعب الفلسطيني في انتفاضة الأقصى بالصورة التي تتناسب والكتلة الحيوية العربية الضخمة بسكانها وامتداد أراضيها وتراثها وتاريخها وقيمها العلا!! ونحن العرب لم نصل في مجال الاستخدامات العسكرية السلمية للفضاء الى المستوى الذي حققته إسرائيل ودول أخرى في العالم الثالث مثل الهند وباكستان!! في ظل الواقع العربي الخطير الذي يصعب فيه على العرب تحويل قدراتهم الشاملة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا الى قوة مؤثرة فاعلة في الصراعات الاقليمية والدولية تواجه دول الجامعة العربية مخاطر أمنية كبرى في الحاضر وعلى المدى القريب, ولكنها تختلف في تقدير أبعادها, وأولوياتها وأسبقيات التصدي لها. فغالبية الدول العربية ترى أن العراق لم يعد يمثل تهديدا لاستقرار المنطقة العربية أو الأمن الاقليمي, ولكن الولايات المتحدة وبريطانيا ودول عربية ترى أن التهديد العراقي والخطر الايراني يهددان أمن الشرق الأوسط بوجه عام, والخليج العربي بصفة خاصة, وأن من الضروري مرحليا التعاون مع واشنطن في سياسة الاحتواء المزدوج لايران والعراق. وبينما تتشدد واشنطن وتضرب العراق, وتستمر في تجويع وترويع شعبه, فإنها تصمت عن الارهاب الإسرائيلي في فلسطين, وانقلاب شارون على مسيرة التسويات السياسية, بل وتشجيعه على التحلل من التزامات الاتفاقيات الانتقالية, وتؤيد اغتصاب القدس كعاصمة موحدة لإسرائيل. تتداخل اذن وتتنوع المصالح الامنية الأمريكية في المنطقة, وفي البؤرة الفلسطينية, بل وفي القرن الافريقي, وتتعدد الضغوط الأمريكية على العرب لحماية هذه المصالح, فواشنطن تهدف بوضوح الى اعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة العربية كلها, وتحويل المشرق العربي كله الى منطقة نفوذ أمريكي صرف, والانفراد بالعراق واحتلال اجزاء من شماله واستخدامها في العقد الحالي لتوطين مليون لاجئ فلسطيني بها طبقا لتفاهم أمريكي ــ عراقي قديم على هذه المسألة يعود الى السبعينيات من القرن الماضي. ولما كانت القمة الدورية العربية الأولى هي قمة القدس التي تتعرض لخطر التهويد الماحق فإن فلسطين وهي موضوعها الرئيسي, ومن المنتظر أن تشمل قراراتها الضغط على إسرائيل لاستئناف مفاوضات التسوية السياسية ووقف حصار الشعب الفلسطيني في (كانتونات) منعزلة في أراضيه المحتلة, ودعم صمود هذا الشعب الذي تريد إسرائيل الهيمنة على حاضره ومستقبله وتحويل مصيره الى قضية إسرائيلية داخلية, وتجريدها من البعدين العربي والاسلامي, وأتصور أن القمة العربية ستصر على ضرورة ايجاد قوة مراقبة دولية في فلسطين المحتلة, وستقوم بتفعيل درجة أعلى من المقاطعة العربية لإسرائيل, وتسقط من حساباتها أي انعقاد جديد للمؤتمر الاقتصادي لدول الشرق الأوسط وشمال افريقيا في العام الحالي 2001. إن الدعوة لاحياء المقاطعة العربية الاقتصادية لإسرائيل استجابة لتوصيات قمة القاهرة الطارئة في أكتوبر الماضي لا ينبغي أن تظل مجرد نداء ومناشدة لم تتحقق عمليا بعد, ولا يزال البترول العربي يصل الى إسرائيل, وبالتالي فإن قمة عمان تتحمل مسئولية خاصة في عزل إسرائيل اقتصاديا عن محيطها الاقليمي. وأتوقع أن تحث قمة عمان الدول العربية على سرعة تسديد حصصها في صندوق الانتفاضة والأقصى وأن تضمن سهولة تدفق الدعم المالي والاقتصادي العربي الى الشعب الفلسطيني, وأن تحث السلطة الفلسطينية على الضرب بيد من حديد على من يثبت فساده المالي وانحرافه من بين رجالاتها للحفاظ على استقامة الهدف من المساعدات العربية للشعب الصامد ضد ارهاب الصهاينة. وأتصور أن القمة العربية سوف تدعو الى تلازم وتزامن مسارات التفاوض العربي والإسرائيلي, والتصدي للعدوان الإسرائيلي المحتمل على جنوب لبنان وسهل البقاع, والى تفعيل صندوق دعم لبنان لاعادة اعمار المناطق المحررة, وازالة الألغام من أراضيها. وفي المسألة العراقية, آن الآوان لدور بناء وعملي لجامعة الدول العربية للوصل بين العراق وكل من السعودية والكويت, وللتفكير في رفع جزئي من جانب العرب للعقوبات على الشعب في أرض الرافدين أسوة باليابان وفرنسا, وفي اعادة النظر في أسلوب توزيع عائدات برنامج النفط مقابل الغذاء فليس عادلا أو منطقيا أن تحظى الأمم المتحدة بثلث هذه العائدات لتمويل عملياتها في العراق ولدعم التمرد الكردي في شماله. وفي الوقت ذاته ينبغي أن يعلن العراق بكل وضوح احترامه لسيادة الكويت, ولأمن جيرانه العرب, وانضمامه العملي الى الصف العربي لمواجهة تهديدات الأمن الخارجية وبخاصة في فلسطين. ويبدو منطقيا أن تدعو القمة العربية الى تطوير نظام التفتيش على تسليح العراق, واقامة نظام مراقبة بديل له مع الاصرار على تطبيق الفقرة 14 من قرار مجلس الأمن رقم , 687 الخاص بنزع أسلحة الدمار الشامل من الشرق الأوسط, على إسرائيل التي تستخدم الردع النووي لإرهاب جيرانها العرب وخدمة مخططاتها في تهويد الجزء الأكبر من فلسطين والهيمنة الاقليمية على المشرق العربي. ولابد لقمة عمان من تنشيط آليات العمل العربي المشترك, وبخاصة في المجال الاقتصادي بالدعوة للاسراع بخطى المناطق الحرة, والربط الكهربائي, وتنشيط مجلس الوحدة الاقتصادية العربية, ودوره في التكامل بين المشروعات الصناعية, وسد الفجوة الغذائية, وتلبية احتياجات أسواق العمل العربية, وفي هذا المجال نأمل أن توفر قمة عمان الظروف الملائمة لانجاح المؤتمر الاقتصادي العربي لتطوير السوق المشتركة ومناطق التجارة الحرة الكبرى والمزمع انعقاده في القاهرة في نوفمبر من العام الحالي كدلالة عملية على الحرص الحقيقي على توثيق عرى التضامن العربي. أما قضايا تعديل ميثاق الجامعة العربية, ومحكمة العدل العربية, وآلية فض النزاعات فأظنها قضايا مؤجلة في الوقت الراهن الذي ينبغي أن يكون الجهد الرئيسي خلاله هو مواجهة التحدي الحالي لبقاء الأمة العربية ككيان جيواستراتيجي ولوجود كيان فلسطيني, ووحدة العراق, وتكامل أراضي السودان, وأعتقد أن ارادة العرب اذا اجتمعت كلمتهم قد اثبتت صلابتها عبر عصور التاريخ, والبرهان قريب الى الذاكرة حين صنعوا معا نصر حرب رمضان المجيدة. * الأستاذ الزائر بأكاديمية ناصر العسكرية العليا