كان من نتائج قمة القاهرة على انعقاد دوري للقمة العربية في شهر مارس من كل عام, باعتبار شهر مارس هو شهر ميلاد الجامعة العربية سنة 1945.. ويأتي هذا الانعقاد الأول للقمة بعد الاتفاق في ظرف غير عادي تعيش فيه ، المجموعة العربية تحديات صعبة سياسياً, وأمنيا واقتصادياً, خاصة مع مجيء شارون وجورج وولكر بوش, مع السياسة المتطرفة للأول, والمتجاهلة للأولويات العربية للثاني.. وفي الوقت الذي تعمل فيه الجبهة العربية على توحيد رؤاها وجهودها لمواجهة تحديات قضيتها المركزية, تخرج الادارة الأمريكية باصطناع بؤر احداث جديدة لصرف نظر الشارع العربي عما يهمه حقا.. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح, هو: هل سيتركز برنامج القمة المقبلة التي ستنعقد بعمّان (الأردن) في 27 مارس الجاري على استهداف الداخل أم تجاوزه لمناقشة أسلوب المواجهة والتعامل مع الآخر (الخارج)؟ ورغم ان البعض قد لا يرى أهمية لمثل هذا السؤال إلا أنه يمثل المفصل في (أجندة) أو جدول أعمال القمة المرتقبة. الداخل أم الخارج تتحدث مصادر سياسية وإعلامية عربية وأجنبية ان القمة ستبحث بشكل أساسي اعادة ترتيب البيت العربي, وفي مقدمة ذلك المصالحة العراقية ــ الكويتية, مع العلم أن في البيت العربي قضايا اخرى تحتاج الى انهاء نزاع. ولا أكون مبالغاً إذا قلت ان قضية ربط القضية الفلسطينية بحل المشاكل البينية العربية معناه اجهاضها, ذلك لأن الأولى في مثل هذا الوضع هو تجاوز الحزازات وعدم الاشارة اليها فضلاً عن مناقشتها وفتح ملفاتها, اذ من المعلوم ان القضية العراقية ــ الكويتية, والكل يذكر شكلت امتحانا مريراً للصف العربي, وهو الامتحان الذي دفعت فيه الأمة العربية الكثير والكثير, لذلك يكون من شأن فتح هذا الملف تكريس التأزيم والشقاق, وهو الأمر الذي سيؤثر على التموقع الموحد والإيجابي ازاء القضية المصيرية الأولى, قضية الانتفاضة. إن وضع قضيتين مختلفتين احداهما مزقت الموقف العربي وهي قضية (حرب الخليج الثانية) والأخرى وحدته ولو تحت ضغط الشارع العربي وهي (الانتفاضة) معناه القفز في المجهول, اذ ان قضية فلسطين تعد قضية اجماع, لا ينتظر من المجتمعين سوى دعمها على اختلافهم, أما القضية العراقية ــ الكويتية فهي قضية شائكة وحساسة, وقد تلقي بظلالها على الموقف الواجب اتخاذه في وجه السياسة المتطرفة لرئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد ارييل شارون.. لذلك يكون من الحزم ان تقتصر نقاط الاجتماع على المجمع عليه من المسائل, وفي مقدمة ذلك (الانتفاضة المباركة), على ان تأخذ قضية الحصار المضروب على الشعب العراقي مثلاً نصيبها في البيان الختامي أو بصيغة عملية جادة على هامش اشغال القمة. ان استهداف الواقع الداخلي العربي وتحريكه بما فيه من المآسي من شأنه ان يعيد الاجواء الى ما قبل بداية الانتفاضة, وبذلك يلغي الرصيد التقريبي والتوحيدي الكبير الذي احرزته الانتفاضة عربياً, لذلك يكون الأمثل هو تجاوز هذا الواقع الداخلي البيني نحو مناقشة تموقع موحد ومصيري في مواجهة العدو المشترك (اسرائيل). المطلوب بين الواقعية والحلم منذ عام 1964 وإلى غاية أكتوبر 2000 بلغ عدد مؤتمرات القمة ,24 منها 12 عادياً و12 غير عادي أو طارىء, ومع بداية كل مؤتمر من هذه المؤتمرات كانت الصحافة العربية تتحدث عن المعجزات التي يمكن ان تطلع بين المؤتمرين, وطوال كل هذه العقود بقي المسار العام للأحداث هو التكريس المستمر للواقع, حتى وصل المراقب العربي الى قناعة البيان الذي لا تُسفر القمم عن غيره. غير أنه من الواجب ان نقول إن القمة لا يمكن ان تعيد رسم سياسة الاداء العربي من الصفر بما يرضي اصحاب النيات الحسنة.. كما لا يمكنها ان تزيل التراكمات الواقعية لعقود التمزق.. لكن رغم ذلك فإن المطلوب هو ان تخرج القمة بشيء عملي يتجاوز الكلام بغض النظر عن كون هذا الكلام شديد اللهجة أو ضعيفها, اذ الكلام يبقى كلاماً مهما وكيفما كان. إن الخوف يكمن اليوم في كون قرار الاتفاق حول عقد دوري للقمة قد يكون قراراً صنعته الظروف الصعبة التي يمر بها العرب, وفي حال الارتخاء الذي قد يحصل بعد زوال هذا التشنج الذي صنعته الانتفاضة يعود الأمر الى ما كان عليه ويصبح عقد القمة في موعدها مجرد (بروتوكول) أكبر ما يقدم فيه هو الحضور, لكن رغم ذلك فإن قمة عمان تعد قمة متميزة للظروف الاستثنائية التي تعقد في أجوائها. لكن المشكلة تكمن في كيفية طرح السؤال: فهل نقول: ماذا ينتظر الشارع العربي من القمة؟ أم نقول: ماذا ينتظر الشارع الفلسطيني من القمة؟ إن الذي يطلبه الشارع العربي كثير, لكن صعوبة المرحلة تعيد تركيز الصراع في مفصله الرئيسي, أي نقطة التماس المشتعلة بين الخريطة الواقعية العربية والإسرائيلية, وآنذاك فما الذي يطلبه الفلسطينيون؟! عقب اجتماع وزراء الخارجية العرب صرح أمين عام الجامعة العربية الدكتور عصمت عبدالمجيد أن الدول العربية ستقدم للسلطة الفلسطينية 04 مليون دولار شهرياً خلال 6 أشهر مقبلة للتخفيف من الأزمة. لكن التدقيق أكثر في المطلوب الفلسطيني المادي من القمة يستدعي تحديداً أكثر, ذلك لأن تحديد الجهة المستفيدة من الدعم يبرز وجهة التعامل مع الآخر, فمثلاً دعم الانتفاضة بإفرازاتها (الجهادية) ليس مثل دعم السلطة, ودعم السلطة ليس كدعم عائلات الجرحى والشهداء. إن دعم الانتفاضة يستدعي دعم المواجهة التي قد تأخذ بعض أشكالها عمليات كتلك التي تقوم بها الجماعات الجهادية لضرب العمق الاسرائيلي, ونقل الخوف الى الطرف الآخر (العدو), وبذلك تفعل الانتفاضة وتستمر, أما دعم السلطة فإنه لا يعني بالضرورة مثل ما سبق, لأن السلطة لا تعني المواجهة بقدر ما تعني الاستجابة للمتطلبات السياسية للمرحلة, وآنذاك فقد يكون الدعم مقابل وقف الانتفاضة والعودة الى طاولة المفاوضات, اما دعم الشعب في مسألة رزقه والتكفل بمتطلباته, فذلك شأن انساني مطلوب لكنه لا يرسم سياسة الدول العربية نحو العدو في المرحلة المقبلة.. لذلك يبقى السؤال الملح هو: الدعم للانتفاضة؟ أم الدعم للتفاوض؟ ويأتي هذا السؤال الخطير في الوقت الذي أوفد فيه شارون عدداً من مبعوثيه الى عدد من الدول العربية منها مصر والأردن والمغرب, منهم مستشاره (الدرزي) مجلي وهبة, ويأتي هذا التحرك ولا شك لإجهاض الموقف العربي الموحد وما قد ينجز عنه من قرارات لعزل اسرائيل أو دعم الانتفاضة ضدها. إن الحد الأدنى الذي يجب أن تخرج به القمة هو المحافظة على الموقف الموحّد المنسجم للدول العربية الذي كانت دخلت به (قاعة المؤتمرات), وقد يكون ذلك صعباً إذا ما تطرّق المؤتمرون كما أسلفنا الى قضايا شائكة وحسّاسة, كما أن المطلوب مع ذلك هو إزالة انسداد قنوات الدعم للانتفاضة, ليس كواجب انساني, بل كمشروع مواجهة للعدو. الملف الاقتصادي العربي المشترك في اجتماع الدورة السابعة والستين للمجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي المنعقد في القاهرة بتاريخ 14/2/, 2001 اعترف وزراء المالية والاقتصاد العرب ان التبادل التجاري العربي البيني يمثل 9% من التجارة العربية مع بقية دول العالم.. وتعد هذه النسبة الضئيلة دافعاً لمطلب ملح بوجوب تفعيل العمل الاقتصادي العربي المشترك والذي أعطاه الواقع وعنصر الزمن بعده الحقيقي بعيداً عن الشعارات والأحلام, إذ يذكر ان القرار العربي كان قد أجمع سنة 1957 على اتفاقية للوحدة الاقتصادية العربية, ثم نضجت الفكرة أكثر لتأخذ مداها الواقعي سنة 1964 في اتفاقية السوق العربية المشتركة, وأمام واقع الاقتصاد العربي وما يشوبه من العراقيل أمام تجسيد هذه السوق في المرحلة الراهنة, ظهرت عام 1997 اتفاقية اقامة منطقة التجارة العربية الحرة. إن الانعاش الاقتصادي الجمعي بالنسبة للدول العربية عبر ايجاد منطقة للتجارة الحرة يعد أولوية ملحة. مع العلم أن التجارة العربية البينية ضئيلة كما أسلفنا وهي لم تتجاوز 29 مليار دولار عام 1997. والمطلوب اليوم ليس هو إنعاش الأطر الميتة مثل المنظمة العربية للتنمية الزراعية التي أنشئت عام 1970 والصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي وغيرها من أطر التعاون, المطلوب اليوم هو ضرورة فهم وجوب تجاوز المشاكل السياسية لتحقيق قفزة اقتصادية أصبحت أكثر من ضرورية في ظل هجمة العولمة, ومنظمة التجارة العالمية, إذ تعاني منطقة المغرب العربي مثلاً من قضايا سياسية كقضية الصحراء الغربية أثرت على تجسيد أي صيغة اقتصادية تكتلية, لذلك يكون المطلوب تجاوز الواقع السياسي ومخلفاته: زمن (وحدة الشعارات) الى واقع وحدة اقتصادية حتى وإن كانت مصلحية. ذلك لأن الملاحظ أن ضعف الأداء الاقتصادي العربي قد أثر على الأداء السياسي وعلى (الصراع) مع العدو, إذ التحقت بعض الدول العربية مثل تونس بالقطب الأوروبي, كما استطاعت إسرائيل أن تدخل من هذا الجانب الاقتصادي لاستقطاب واحتواء دول كموريتانيا, وهو الأمر الذي سيعزل مثل هذه الدول التي ستقع في المصيدة الاسرائيلية عن قضية الصراع.. لذلك الواجب تحرير القرار العربي بتحرير الاقتصادات العربية, وذلك لا يكون إلا بإيجاد منظومة اقتصادية متكاملة تفضي الى واقع اقتصادي متكامل. * باحث جزائري