تعلق الأوساط العربية على اختلاف مستوياتها أهمية كبيرة على القمة العربية العادية التي ستعقد في عمان أواخر الشهر الجاري وذلك بسبب خطورة الأوضاع التي تمر بها المنطقة الآن الأمر، الذي أصبحت معه مسألة الأمن القومي مهددة في العمق, ويشكل استمرار الانتفاضة الفلسطينية الباسلة في الضفة الغربية وقطاع غزة عامل ضغط على القمة من أجل ان تتخذ قرارات فعالة وحاسمة تسهم في دعم الانتفاضة وصمود الشعب الفلسطيني في مواجهة العدوان الاسرائيلي, والتطرف الذي يمثله شارون وحكومته الجديدة, وثمة اجماع لدى المراقبين والمحللين بأن أهمية قمة عمان تكمن في انها تنعقد وسط هذه الظروف بالغة الخطورة والدقة التي تمر بها المنطقة, الأمر الذي يزيد من حجم الأعباء والمسئوليات المترتبة على القادة العرب, ويضاعف من طبيعة القرارات التي يفترض ان تصدر عنهم سواء لجهة دعم ومساندة الانتفاضة وتقديم المزيد من المساعدات المادية والاقتصادية المباشرة إلى الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لأبشع حصار يمكن ان يتعرض له شعب من الشعوب في هذا العصر أو لجهة احداث انطلاقة جديدة للتضامن العربي وتجاوز حالة الخلافات والانقسامات في الموقف العربي وبما يؤدي إلى التأكيد الواقعي بأن العرب يشكلون أمة حية وقادرة على مواجهة أصعب التحديات وأخطرها وفي كل الأوقات والمراحل. ولا حاجة للتأكيد انه ومن خلال قراءة جدول الأعمال المدرج أمام القمة العربية المقبلة في عمان يمكن اكتشاف علاقة أو معادلة هامة جدا بين السلام والانتفاضة من جهة وبين الموقف العربي ومسارات التضامن من جهة أخرى, وموجز ذلك يوضح بجلاء ان اسرائيل وتحديدا حكومة شارون, بات هدفها الأساسي والمعلن هو انهاء الانتفاضة بأي شكل من الأشكال والقضاء عليها وليس العودة إلى مفاوضات السلام, وهو ما عبر عنه الارهابي شارون رئيس الحكومة الاسرائيلية الذي أكد انه لن يلتقي عرفات رئيس السلطة الفلسطينية ولن يستأنف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني إلا بعد ان تتوقف الانتفاضة ويأمر عرفات الفلسطينيين بالقاء الحجارة وأسلحة مواجهة اسرائيل, ومثل هذا التحدي يفترض فيه ان يكون ماثلاً وحاضراً بقوة وديناميكية أمام القمة العربية في عمان, لأن ورقة الانتفاضة يفترض فيها ان تكون الورقة الرابحة بيد القمة, تستطيع من خلالها ان توجه رسالة قوية وواضحة إلى كل من اسرائيل والولايات المتحدة مفادها انه مقابل وقف الانتفاضة فإنه لابد ان يحصل الفلسطينيون على معظم حقوقهم الوطنية المشروعة, ولا سيما الحق في اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس, فليس معقولا ان تسقط القمة العربية ورقة الانتفاضة أو ان تقدمها على شكل هدية مجانية إلى شارون وهو الذي يمثل أقصى درجات التطرف والعدوانية في اسرائيل. وكلما دامت حركة الانتفاضة وتفاعلت كلما أجبر ذلك اسرائيل على الرضوخ لإرادة الشعب الفلسطيني وتقديم ما يسميه شارون بالتنازلات الموجعة, وهذا معناه ان قرار تحديد مصير الانتفاضة بات بيد القادة والرؤساء العرب الذين باتوا مطالبين ان يترجموا دعمهم لنضال الشعب الفلسطيني إلى مواقف وممارسات عملية في هذا العصر لأن القرارات التي تقدر على الورق تظل قاصرة وعاجزة إذا لم تتم ترجمتها إلى أفعال على أرض الواقع. وبطبيعة الحال, فإن قضية التضامن العربي تظل محورية سواء بالنسبة لقمة عمان أو أية قمة عربية سواء كانت عادية أم استثنائية, ذلك ان مستقبل التضامن والعمل العربي المشترك يشكل بالفعل التحدي الأبرز والهاجس القومي الذي يواجه العرب في كل مكان, والسبب يعود إلى طبيعة هذا العصر الذي يشهد كل يوم ولادة التكتلات السياسية والاقتصادية واندماج الشركات العملاقة مع بعضها بعضا لتشكل ما يسمى بالشركات المتعددة الجنسيات والتي أصبحت تسيطر بالفعل على مقدرات العالم وثرواته المادية والاقتصادية, فمثل هذا التحدي لابد ان يفرض نفسه بقوة وشمولية على القمة العربية في عمان التي يفترض فيها ان تدرس بجدية وسائل تفعيل إقامة التكامل الاقتصادي العربي وتطوير عمل السوق العربية المشتركة وتسريع خطوات ومراحل اقامة منطقة التجارة الحرة وتوسيع دائرة مشاريع البنى التحتية المشتركة في قمة الأفكار العربية, أي باختصار ارساء وتوفير القاعدة المادية الاقتصادية للتضامن العربي, لأن أي تضامن بالمعنى السياسي يبقى هشا إذا لم يرتكز إلى مصالح اقتصادية متبادلة وقاعدة من المشاريع والأطر والبنى التي تعترض حضورها على الحكومات والشعوب, وتدفع بالجميع إلى الدفاع عن مثل هذه الخطوات والمشاريع, لأنها في هذه الحالة تدافع عن مصالحها وعن وجودها وهذا مافعلته الدول والشعوب الأوروبية وعلى الدول والشعوب العربية ان تستفيد من هذه التجربة وان تسعى إلى الربط بين المصالح الاقتصادية والفعل السياسي في الوطن العربي. * صحفي سوري