كشف تقرير صدر مؤخرا في اسرائيل ان جروح حرب اكتوبر لم تندمل بعد ولاتزال اثارها باقية داخل المجتمع الاسرائيلي فقد اعترفت اسرائيل في هذا التقرير بان مئات من جنودها اصيبوا بصدمات، عصبية خلال حرب اكتوبر وان المسئولين لم يجدوا سوى اتباع اساليب غير تقليدية لعلاجهم وهي الطرق التي لم تجد او تسفر عن اية نتائج ايجابية ناهيك عن شعور الجنود بالمهانة من التعامل معهم على انهم فئران تجارب. أي ان الفشل الاسرائيلي في حرب اكتوبر لا يزال مستمرا حتى الان. تبدأ تفاصيل الفضيحة بتصريح عدد من جنود الجيش الذين شاركوا في حرب اكتوبر لجريدة يديعوت احرونوت بانهم تعرضوا بعد انتهاء الحرب وانضمامهم لقوات الاحتياط لعلاج خطير للانهيار العصبي الذي اصابهم خلال الحرب فقد كانوا يطلبون منهم العودة مرة اخرى لاجواء الحرب مع ادخال كل خمسة جنود معا في غرفة وحقنهم بمادة كيميائية في الوريد تجعلهم لا يرون شيئا فقط يسمعون الصراخ ويتخيلون وجود اشلاء من حولهم وطائرات مصرية وسورية تهاجمهم وفي النهاية وقوعهم في الاسر . القائمون على العلاج كانوا يستعينون ايضا بشرائط كاسيت مسجل عليها اصوات الحرب الامر الذي كان يتسبب في انهيار كامل للجنود مع شعور بالاختناق, ومع هذا كان يصر الاطباء النفسيون على توجيه اسئلة على غرار اين كنت, كيف اطلقت الرصاص, من قتلته خلال الحرب. الاطباء كانوا يطالبون باقصى درجات التركيز والادلاء بتفاصيل دقيقة ومسهبة. حقن الحقيقة التحقيق الصحفي حول الفضيحة كشف ان الجيش الاسرائيلي تعامل مع من اصابهم انهيار عصبي خلال معارك حرب اكتوبر باسلوب علاج لا يستخدم الا مع الاسرى حيث كان يتم حقنهم بمادة (بنتوتل) او (حقن الحقيقة) حسب الاسم الشائع لها, بل واقتنعوا بانه كلما تمت اعادة الجندي للموقف الذي عانى منه اكثر واكثر كلما توفرت له فرصة العلاج الكامل,بينما تسببت في الواقع في انهيار جديد ورغبة في الانتحار . الغريب انه على ما يبدو فان الاطباء انفسهم يحتاجون لعلاج نفسي فحتى الان يؤكد الدكتور (لسلي كاربل) :ما فعلناه نوع من الفن الراقي وكل ما نأسف عليه هو اننا لم ننشر نتائج اسلوب العلاج هذا ولو فعلنا لفزنا بجائزة نوبل. اما الدكتور (ميخال بنيامين) فقد قال :اسلوب العلاج هذا هو افضل ما فعلته في حياتي . ووفقا لمجموعة من كبار الباحثين الاسرائيليين فقد تجاهل الجيش الاسرائيلي حتى حرب اكتوبر المصابين بصدمات عصبية من جراء المشاركة في القتال والذين تتملكهم مخاوف وهواجس مرعبة, بل واخفى الجيش عبر الرقابة العسكرية اية معلومات كان من شأ نها ان تساعد على علاج الصدمة النفسية . . . بعد حرب اكتوبر لم يعد يمكن انكار اصابة مئات الجنود الاسرائيليين به, وضرورة توفير الجيش العلاج لهم . وبقى السؤال :كيف؟ المشكلة الاولى التي واجهت المحاولات الفاشلة لعلاج المصابين مع بداية الحرب هي القصور الشديد في عدد الاطباء النفسيين (خمس اطباء فقط في جميع فروع الجيش), لكن مع بداية يوم 11 اكتوبر 1973 بدأت اسرائيل تجند الاطباء النفسيين وتوجههم نحو المستشفيات والمراكز العلاجية . المشكلة الاكبر تمثلت في عدم وجود تخطيط مدروس للعلاج, حيث كان كل طبيب يمارس الطريقة التي يرى انها مناسبة ولذلك تحول المرضى لفئران في معمل تجارب حسبما اكد عدد من الاطباء الذين عارضوا طريقة العلاج تلك والتي تعرف باسم abreaction خاصة وان عدد من المصابين مات من جراء هذه الطريقة في العلاج!! الاسلوب الخاطىء في العلاج كان هو السائد عقب الحرب بسبب وجود الد كتور (لسلي كربل) على رأس طاقم من الاطباء النفسيين وكان ولا يزال يؤمن بهذا الاسلوب في العلاج. ووفقا لـ(كربل) نفسه فقد كان هو الذي لاحظ تزايد اعداد المصابين بصدمات عصبية بين الجنود الاسرائيليين وطلب تشكيل طاقم علاجي برئاسته وفي وقت لاحق طلب منه رئيس الاركان انشاء مستشفى بطاقة 200 سرير يكون مخصصا فقط لعلاج الذين انهاروا عصبيا بسبب القتال. المثير للسخرية ان الاطباء انقسموا في وقت لاحق لطريقتين في العلاج الاولى تقوم على اعادة المريض لساحة القتال مجددا بالاستعانة بالحقن الكيماوية, والثانية تقوم على اجراء محادثات مع المرضى تحاول دمجهم مجددا مع الحياة الطبيعية وكان توجيه هذا المريض او ذاك لاحدى الطريقتين لا يقوم على أي اساس علمي او من خلال اجراء فحص طبي لحالته, فقد كان هذا يعتمد فقط على موقعه داخل الصف والطبيب الذي يكشف عليه, بل وكان هناك من يعالج بهذه الطريقة مرة وبالطريقة الثانية مرة اخرى, بناء على ان الطريقتين كانتا لا تزالان تحت طور التجربة . تبادل المرضى الغريب ايضا ان رئيس طاقم العلاج النفسي كان يجمع في البداية الجنود المصابين بصدمات عصبية من الشوراع بعد ان يعرض عليهم توصيلهم لمنازلهم بسيارته,لكن سرعان ما رأى ان حوالي ثلث الجنود الاسرائيليين مصابون بامراض نفسية من جراء الحرب وكان هذا يتضح على الفور من مشاهدة حفل تظهر فيه تجمعات من جنود الجيش وبالطبع لم تكن هناك امكانية لعلاج كل المصابين . . الاغرب ان الاطباء كانوا يتبادلون الجنود المرضى وفقا لاهوائهم وتجاربهم فقط كانوا يقولون لزميلهم :اريد هذا الجندي عندي . ويتم الاستجابة لطلبهم على الفور. احد الاطباء اوضح انه لم تكن هناك اية رقابة على الاساليب العلاجية المتبعة مع المرضى ولكون الكثيرين من الاطباء لا يعرفون اسلوب علاج مفيد فقد كانوا يجربون على المرضى, ولأنهم كانوا يعرفون خطورة تلك التجارب كان يتم استدعاء طبيب للقلب للتواجد بالقرب من مكان الجلسات خوفا من مداهمة ازمة قلبية للمريض. . خاصة وان الجلسات تتم في غرف متجاورة مما يزيد من حدة تأثير الصراخ . يذكر ان خلال مراحل العلاج بهذا الاسلوب لقى احد المعالجين مصرعه بازمة قلبية بعد جلسات عصبية ومجهدة, بينما اصيب طبيب اخر بصدمة عصبية وبدأ يتصرف بشكل غريب . ووفقا لاعتراف احد افراد الطاقم :كلنا كنا نتأثر بتلك الجلسات, لكن بعض افراد الطاقم كان يصاب بامراض نتيجة للجلسات . وفي واقعة ثالثة قرر طبيب اعتزال مهنته وهاجر من اسرائيل. طريقة العلاج نفسها لم تكن تتم والمريض على فراش, بل كانت تقوم على استلقاء المريض على ارضية المكان ودفعه للزحف باستمرار بعد حقنه بمادة سريعه المفعول تجعله بين النوم واليقظة ويتحدث ويرد على الاسئلة . كمية المادة الكيمائية التي كان يتم حقن المريض بها لم تكن محددة بل كانت تتم بقدر مغاير في كل مرة ومع كل مريض!! الجلسة العلاجية لا تزيد في بعض الاحيان عن عشر دقائق, وفي احيان اخرى تمتد لاكثر من ساعتين . لا يتذكر عنها المريض بعد افاقته أي شيء مما حدث بها . وطالما استطاع المريض النوم ولو بشكل متقطع ليلا والتصرف بهدوء في الاماكن العامة فقد كان يتم وقف الجلسات العلاجية لكن سرعان ما كان يعود لهم مجددا بعد مداهمة المرض له ثانية . وهو الامر الذي لم يثر أي ندم او رغبة في اعادة تقييم الطريقة لدى الاطباء, حيث كان رئيس الطاقم المعالج يقول :لو مات مريض بالسرطان من جراء المرض لا يجب لوم الطبيب, والانهيار العصبي خلال القتال هو سرطان الامراض النفسية. احد المرضى الذين اصيبوا بالصدمة في يوم 12 اكتوبر 73 بعد انفجار عربة محملة بالالغام بالقرب من موقعه في سيناء بدأ في تلقى العلاج بهذه الطريقة الكيميائية وهو لا يزال قرب فايد على قناة السويس واستمر العلاج بعد ذلك لسنوات داخل اسرائيل حاول خلالها الانتحار اكثر من مرة حتى ذهب لطبيب خاص اوضح له خطورة الادوية الكيميائية واسلوب العلاج الذي تلقاه من الجيش لسنوات طويلة . سرية تامة يذكر ان الجيش قرر فرض سرية تامة على التقارير النهائية التي كتبت على بعض الحالات. مئة حالة التي تم معالجتها بهذا الاسلوب, ومع هذا عثر على بعض منها بعد ذلك بالمصادفة في دورة مياه احدى المستشفيات (!!) ولم يستطع الطاقم المعالج انكار قيامهم بتجارب على مرضاهم مما تسبب في عدم استطاعتهم النوم سوى ثلاث ساعات يوميا والخوف من الظلام ومن الزحام ومن الضجيج ومن هاجس الموت الذي يطاردهم باستمرار, بالاضافة لتفاقم المرض بعد تلقى العلاج الكيميائي. اسر المرضى لم تجد ما تفعله سوى المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق تمهيدا للحصول على تعويضات حيث صرحت (برحاه جولدشتين) رئيسة رابطة المصابين بانهيار عصبي خلال القتال بقولها :لقد جمعت الرابطة شهادات وادلة خطيرة من المرضى والاطباء,لكننا لا نزال لا نعرف الابعاد الحقيقية للفضيحة التي يزيد حجمها كل يوم ولا يمكن تجاهلها بعد الآن . ومن جانبنا لن نهدأ حتى يتلقى كل من اصيب بصدمة عصبية وتعرض لاذى من جراء العلاج الخاطىء تعويضات مناسبة لقدر الضرر. فمن المؤسف للغاية ان هؤلاء الجنود المرضى تم التعامل معهم على انهم فئران تجارب.