تتفاقم مشكلات البيئة في القارة الأفريقية عاما بعد آخر بسبب الحروب والصراعات الأهلية وتزايد أعداد اللاجئين والمشردين التي نتج عنها حرق مساحات شاسعة من الغابات والحقول والمحاصيل وتسميم الآبار وتصحر الأراضي، وتدهور التربة وانهيار البنية الأساسية ونقص الخدمات العامة خاصة في المجالات التعليمية والصحية وتلوث الهواء والمياه. وتشير الدراسات الى اختفاء 40% من الغابات الرطبة و42% من الغابات الجافة و41% من حشائش السافانا من القارة الافريقية وتمثل الهجرة من الريف الى المدن ظاهرة خطيرة بالنسبة لآثارها البيئية حيث تؤدي الى انتشار المناطق العشوائية والضغط على الموارد والخدمات فعلى سبيل المثال قفز سكان المدن في مصر من 35% الى 60% من مجموع السكان في خلال الفترة من 1960 وحتى1990. ومن ناحية آخرى أدت إزالة النظم البيئية في المناطق الساحلية في أفريقيا الى آثار سلبية على التنوع البيولوجي والزراعة وأدى الى تلوث الشواطئ والتجارة والهواء والتربة. تشير الدكتورة عزيزة محمد بدر الاستاذ بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية الى أن الصراعات والحروب الأهلية أدت الى تدهور البيئات المحلية والاقليمية من خلال حرق الغابات وزيادة مظاهر التصحر وتدهور وتلوث موارد المياه ونقص كمياتها وإنتشار الأمراض وإنتشار الألغام الأرضية التي تؤدي الى هجر مناطق شاسعة وإهمالها ويؤدي انفجارها الى تدمير البيئة وتدهورها بالاضافة الى دور الأسلحة الأخرى المختلفة في تلويث عناصر البيئة المائية والهوائية وإختلال التنوع البيولوجي . وتوضح أن فرار اللاجئين الى المناطق الحضرية أدى الى تزايد الضغط على الخدمات الناقصة والمتدهورة في الأصل وإنتشار مستعمرات وضع اليد غير المحكومة ومناطق الإسكان غير الرسمي المتدني حول المدن, مشيرة الى أن ذلك أدى الى تدهور أحوال المدن وبنيتها الأساسية والاجتماعية والسكنية وتفاقمت مشكلات البيئة وأدت عمليات تشريد السكان الى تغيرات بيئية واسعة النطاق بالمناطق الريفية ومناطق الغابات والحشائش وخير مثال لذلك مخيم كيبيهيو للنازحين داخليا في رواندا. التحركات السكانية وتوضح أن تحركات السكان الكبيرة والمفاجئة وتدفق اللاجئين على بلدان الجوار أدت مخاطر بيئية كبيرة بالاضافة الى المخاطر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتدهور الأنشطة التجارية والسياحية والعلاقات الدبلوماسية وتزايد إنتاج وتجارة المخدرات والأنشطة غير المشروعة. وتؤكد أن الوجود طويل الأجل للاجئين في مناطق تعاني من ندرة الموارد له تأثير شديد الضرر على البيئة الطبيعية خاصة في المناطق التي ينتقل فيها اللاجئون بأعداد كبيرة, مشيرة الى أن هذه المناطق تتعرض لإزالة الغابات وتدهور الحياة النباتية بصفة عامة وتدهور التربة بالإضافة الى تدهور وانقراض الفصائل الحيوانية وتدهور كمية ونوعية إمدادات المياه مع انعدام أو نقص الصرف الآمن للمياه والمخلفات . وما يرتبط بذلك من انتشار الأمراض بشكل وبائي وتدهور نوعية الحياة ونقص الغذاء وتفشي الأمراض في الملاجئ ومناطق النزوح ومناطق الصراعات. لكن قد يكون هناك آثار إيجابية للاجئين على البيئة وتشير الدكتورة عزيزة إلى ما حدث للأوغنديين في جنوب السودان واللاجئين من موزمبيق في زامبيا والصوماليين في شرقي إفريقيا . فقد أدخلوا محاصيل جديدة وزاد الإنتاج الزراعي في المناطق التي استقروا فيها وجذبوا المعونات الدولية لمناطق أهملتها جهود التنمية المحلية الوطنية . وروجوا الأنشطة التجارية بجانب التنوع الثقافي والفكري. وتضيف أن بعض اللاجئين الذين عادوا الى بلادهم لكنهم وجدوا الأرض قد أجدبت بسبب الصراع المسلح وتعرضت فيها غالبية المساكن والمتاجر والمخازن لعمليات نهب وتعرضت الأراضي الزراعية وشبكات الري وغيرها من عناصر البنية الأساسية للإهمال بسبب عدم الاستخدام والتدمير بسبب الحروب بالاضافة الى التهريب واستخراج الخشب والمعادن بطرق غير مشروعة هي الطريق السهل لجمع المال. تباين معدلات النمو وتؤكد الدكتورة هيام الببلاوي الاستاذة بمعهد البحوث والدراسات الافريقية بجامعة القاهرة أن الصراعات والحروب الأهلية في افريقيا تؤثر على معدلات نمو السكان السريعة وتزايد الكثافة السكانية وزيادة الطلب على الموارد الطبيعية المحدودة, مشيرة الى أن ذلك يؤدي الى الندرة البيئية وندرة الموارد من الغذاء والمياه العذبة والمياه العذبة والغابات و مصائد الأسماك مما يؤدي الى اشتعال الصراعات بين السكان على هذه الموارد المحدودة وحدوث ضغوط نفسية وتوليد العنف. وتوضح أن التباين في حجم ومعدلات نمو الجماعات العرقية داخل الدولة الواحدة أدى الى حدوث صراعات بين هذه الجماعات خاصة الجماعات التي تؤمن بأن زيادة حجمها وسرعة نموها يمكن أن يكون وسيلة لتحقيق القوة وبسط النفوذ . وهذا يؤدي الى سوء توزيع الثروة والسلطة بين هذه الجماعات . وتضرب مثالا بأن استمرار الصراع وتفجره بين الأقلية الغنية والمتعلمة من التوتسى والأغلبية الفقيرة من الهوتو في رواندا وبورندي يرجع الى أن هذه الجماعات العرقية المتباينة في خصائصها كانت تسعي لتأكيد مكانتها وسيطرتها من خلال زيادة أعدادها عن طريق الانجاب أو ما يطلق عليه السباق السكاني أو عن طريق فرض الهيمنة والسيطرة بالقوة المسلحة وعزل الآخرين أو التخلص منهم بالطرد أو النفي أو الإبادة, وترى الدكتورة هيام الببيلاوي أن ندرة الموارد الطبيعية وتدني نوعيتها وسوء توزيعها مع النمو السكاني السريع وضعف مكانة الدولة أدى الى حدوث الكثير من الانقلابات العسكرية والاضطرابات الداخلية نتيجة الحرمان. وتشير الى أن الحروب الأهلية أدت الى إرتفاع أعداد القتلى والوفيات نتيجة للقتال والمجاعات التي تحدث بسبب هذه الحروب حيث يتم حرق المحاصيل والأراضي كما تتعرض الأصول الخاصة بالجماعات الريفية أو الرعوية للنهب والسلب . من ذلك على سبيل المثال سرقة الماشية والمحاصيل في السودان ونهب المساعدات الغذائية بواسطة المحاربين وحرمان المدنيين من الحصول عليها بالاضافة الى تزايد معدلات الوفيات من الأطفال دون سن الخامسة بسبب نقص الغذاء والدواء وعدم توافر خدمات الأمومة والطفولة وسائر الأغراض المنزلية والمدنية ووسائل الصرف الصحي وسلامة البيئة العامة . وتدهور نصيب الفرد من الغذاء . وكذلك تدهور قدرة الدولة على إمداد الخدمات العامة الأساسية والاجتماعية كالخدمات الصحية والتعليمية وتوفير مياه الشرب والصرف الصحي والبنية الأساسية من شبكات مياه وصرف وطرق ونظم الاتصالات والسكك الحديدية وإمدادات الطاقة . وحالت الحروب والصراعات الأهلية دون العمل على تحسين هذه الخدمات الأساسية .. ففرصة الحصول على المياه في موزمبيق على سبيل المثال لا تزيد عن 10 % في الحضر وفرصة الحصول على الصرف الصحي لا تزيد عن 3% وكذلك الحال بالنسبة للخدمات الأخرى وهذا ينطبق على أنجولا والسودان والصومال . وتؤكد أن تأثير الحروب والصراعات كبير جدا على البشر والبيئة وعمليات التنمية الاقتصادية والبشرية ومن أهم المخاطر المترتبة على الحروب الألغام التي تزرعها الفصائل المتصارعة وإنتشار الأسلحة الخفيفة التي تهدد الأمن وتسميم آبار المياه وحرق الغابات وإفساد الحقول وغير ذلك مما يؤدي الى تدهور البيئة وتراجع عمليات التنمية. انتشار الجهل والفقر ويشير الدكتور محمد عبد الغني سعودي العميد الأسبق لمعهد البحوث والدراسات الافريقية الى أن تقارير التنمية البشرية تؤكد أن معظم الأفارقة يعيشون تحت خط الفقر ويعانون بصفة عامة من انخفاض الدخول ونقص الخدمات والاحتياجات الأساسية , وإنتشار الجهل والفقر والمرض. ويؤكد الى أنه مع تزايد سكان القارة الافريقية من مئة مليون في منتصف القرن العشرين الى ما يقرب من ثمانمئة مليون في الوقت الحاضر بدأت دول القارة العديد من مشروعات التنمية لكن هذه المشروعات لا تراعي في الغالب الأبعاد البيئية موضحا أنه في ظل غياب خطط تضع البيئة على قمة الأولويات فإن التنمية سوف تتدهور ويصبح الإنسان عبدا ذليلا للتنمية . ويرى أن إزالة الغابات في مناطق شاسعة من افريقيا سواء كان ذلك بهدف الزراعة أوتربية الماشية أدى الى مشكلات بيئية خطيرة وإرتفاع أسعار الوقود خاصة الحطب الذي تستخدمه الشعوب الافريقية كوقود لدرجة أن العامل ينفق ما يقرب من ثلث دخله اليومي على شراء الوقود . مشيرا الى أن 40% من الغابات الرطبة و42% من الغابات الجافة و41% من حشائش السافانا اختفت من افريقيا. ويضيف هناك مشكلة أخرى تؤثر على البيئة تتمثل في ارتفاع معدل نمو المدن في افريقيا الى أكثر من 50 في الألف وهذا معناة أن نصف سكان الريف يتجهون الى المدن بسبب الجفاف والتصحر وعدم وجود تنمية في الريف فعلي سبيل المثال قفز سكان المدن في مصر من 35% من مجموع السكان الى 60% في الفترة بين عامي 1960 / 1990 دون أن تكون المدن مستعدة لاستقبال هذه الأعداد الضخمة وهذا تسبب في مشكلات كثيرة مثل إنتشار العشوائيات خاصة في مدينة القاهرة ففي منطقة الامام الشافعي العشوائية يعيش أكثر من نصف مليون نسمة وكذلك في المناطق العشوائية الأخرى مثل الدويقة ومنشية ناصر والسيدة نفسية والسيدة عائشة بل وهناك عدد كبير يسكنون المقابر وهذه العشوائيات تعد مراكز للجريمة والانحراف والتطرف. ويوضح أن تزايد أعداد سكان المدن لم تصاحبه زيادة في الخدمات العامة مما أدى الى تلوث البيئة وإنتشار الأمراض , والصراع بين السكان للحصول على مسكن أو خدمة أو سلعة . بجانب نقص الخدمات الصحية والتعليمية وهذا أدى الى تزايد نسبة الأمية حيث أصبح حوالي 80% من سكان القارة أميون لا يقرأون ولا يكتبون. وابتعاد الريف الأفريقي عن التطورات الحديثة. ويشير الى أن البدو والريفيين عندما يهاجرون من الريف في المدن تتجه نسبة كبيرة منهم الى التسول والسرقة والاجرام لأنهم لا يجيدون مهنة معينة وبالتالي يلحقون أضرارا بالغة بالبيئة. النظم البيئية ويؤكد الدكتور كمال الدين البتانوني الأستاذ بكلية العلوم بجامعة القاهرة أن الكثير من النظم البيئية تعرضت للإزالة خاصة في دول شمال افريقيا رغم أهمية هذه النظم لما تحتويه من موارد طبيعية نتيجة للتحضر الزائد وغير المقنن, مشيرا الى أن ذلك أصبح ظاهرة في الدول الافريقية خاصة في المناطق الساحلية حيث ترصع هذه الدول سواحلها بالفنادق والمنتجعات والشاليهات وقد ساعد على ذلك الظروف المناخية المعتدلة في هذه المناطق وإطلالها على البحر المتوسط لذلك أصبحت هدفا جيدا للاستثمار السياحي وغير السياحي بجانب تزايد السكان ومتطلباتهم . ويشير الى أن منطقة الساحل الشمالي الغربي في مصر والمطل على البحر المتوسط خير مثال لهذه الظاهرة فقد أدي ضغط الأنشطة البشرية في هذه المناطق الى الإزالة الكاملة لاصقاع طبيعية مثل الكثبان الرملية الساحلية والسلاسل الصخرية وإزالة الكساء الخضري الطبيعي مما أدي الى تدهور التنوع البيولوجي وفقد بعض الأنواع المتوطنة للأبد . وتغير النمط الزراعي حيث استبدلت الأشجار بالأحجار ونقلت مزارع التين الى الجنوب . واختفت بعض أنواع الحيوانات البرية . ودخلت بعض الأنواع الأخرى الى المنطقة ونتج عن ذلك تغير غير مرغوب فيه في التنوع البيولوجي بالاضافة الى التأثير في الطيور المهاجرة العابرة للمنطقة واعدادها كبيرة وأنواعها كثيرة بجانب إنتشار الكلاب الضالة بعد رحيل المصطافين وهذه تمثل ظاهرة مقلقة للبدو. ويرى أن إزالة النظم البيئية أدى أيضا الى حدوث تلوث في الشواطئ والبحار والتربة والهواء وهذا يؤثر على الإنسان والحيوان والنبات كما أن إنتشار أكياس البلاستيك في هذه المناطق يؤدي الى عواقب بيئية وخيمة بجانب التأثير الواضح في الموارد المائية في النظم البيئية المختلفة والتغيرات غير المدروس في الظروف الاجتماعية والاقتصادية بين البدو فقد نشأت طبقة غنية بينما مازال البدو في جنوب المنطقة على وضعهم المادي في معظم الأحوال .