(مستقبل الجامعة العربية.. وآفاق العمل العربي المشترك) هو عنوان الحلقة النقاشية التى عقدها مكتب (البيان) بالقاهرة, وحضرها عدد من المفكرين والدبلوماسيين العرب, تحاوروا خلالها في الواقع المحزن الذى مر به العمل العربي المشترك خلال السنوات الطويلة الماضية, وانعكس بالضرورة على (الجامعة) كمؤسسة يفترض انها الاساس الذى ينبنى عليه هذا العمل. شخص المتحاورون العلل والأمراض, وبحثوا في سبل العلاج والتعافي التى يتحقق معها أمل وطموحات الشعوب العربية. شارك في الحلقة النقاشية كل من: الدكتور (يحيى الجمل) المفكر وأستاذ القانون والوزير المصرى السابق, والسفير الدكتور (محمد زكريا اسماعيل) الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية للشئون السياسية والدولية, و السفير (محمد وفاء حجازي) مساعد وزير الخارجية المصرى سابقا, والسفير (صالح عبده صالح) نائب المندوب الدائم للسودان في الجامعة العربية, و(جاسم علوان) الضابط السابق في القوات المسلحة السورية.. وأحد القيادات الفاعلة في تأسيس (دولة الوحدة) بين مصر وسوريا. ومن مكتب (البيان) بالقاهرة شارك كل من: (جلال عارف) نائب رئيس تحرير صحيفة (أخبار اليوم) المصرية, الذي أدار الحوار, وكارم محمود وأحمد رجب. وفي البداية, رحب جلال عارف بالمشاركين, وقال إن هذه الندوة تعقد وسط أحداث جسام تمر بها المنطقة, بينما العمل العربي المشترك يواجه تحديات ضخمة, وتنعقد عليه الآمال لبدء مرحلة جديدة تبعث في جسد الأمة بعض العافية. وأضاف انه باستعراض الواقع العربي الراهن, نجد أمامنا عجزا واضحا, وتداعيات تقف بالمنطقة على أبواب الانفجار, ولا سبيل لمواجهتها الا بأن يعود العمل العربي المشترك من غيبوبة طالت سنوات طويلة. وأوضح (عارف) ان من بين تلك التحديات يبرز تغيران هامان على الساحة العربية, الأول: اننا ازاء قمة عربية تنعقد, لأول مرة, بعد أن تغير نظام الجامعة العربية واصبح انعقاد القمة دوريا. والثانى: هو اننا على وشك تغير شخص الأمين العام للجامعة, وسط موجة من التفاؤل والأمل في أن يتعافى العمل العربي المشترك مما هو فيه من وهن وعجز. ولخص محاور الحلقة النقاشية في محورين أساسيين: تقويم مسيرة الجامعة خلال أكثر من نصف قرن, ثم نظرة على المستقبل. وطرح على المشاركين مجموعة من الأسئلة, كبداية واساس للحوار, منها: كيف وصل العمل العربي الى هذه الحالة من الركود الطويل, حيث لم نستطع ان ننجز عبر (50) عاما من العمل من خلال المنظمة الرسمية العربية أيا من الأهداف والآمال المعقودة عليها؟ وهل كان الخطأ في نظام الجامعة, أم في الأنظمة العربية نفسها, أم كان يكمن في أن الدول العربية لم تكن مهيأة لأن تتخطى مرحلة التجزئة الى مرحلة العمل الوحدوى؟! وأضاف: أين كان الخطأ, ولماذا لم تستطع الجامعة العربية أن تقدم ماهو مأمول منها.. ثم هل هناك أمل في مستقبل أفضل للجامعة, يوازي حجم الطموحات والاحلام المعقودة عليها من الشعوب العربية؟ غياب فكرة المؤسسة الدكتور يحيى الجمل: أعتقد أن كل تلك المسائل تتكاتف كلها لكى تؤدي الى النتيجة والحالة التى عليها الجامعة العربية الآن. لكن عندي فكرة أطرحها وأرددها دائما, وهى أن فكرة (المؤسسة) غائبة عن العقل العربي, وغائبة عن النظام العربي, سواء في أقطاره.. أو في المنظمة القائمة (جامعة الدول العربية). وغياب فكرة المؤسسة يؤدى الى غياب سياسة مستقرة واضحة في العمل العربي المشترك, وتبقى هناك (أمزجة) أو آراء أو توجهات أفراد, ولذلك فإنه مهما تكن نيات هؤلاء الأفراد مخلصة فإنها لا تؤدي الى عمل جماعي حقيقى, ويظل الأمر محصورا في اطار (مزاج الفرد).. والعمل العام لا يمكن ان يتم ويستقيم على اساس الأمزجة الفردية. وفى السياسة الدولية السليمة, وفى أوروبا مثلا, لو (اختلف) شيراك مع تونى بلير.. ماتغير أي شيء في العلاقة بين فرنسا وانجلترا, لأن هناك مصالح ومؤسسات في كل من البلدين هي التي تحكم العلاقات والعمل المشترك. لكن في النظام العربي تجرى الرياح بكل الخير والمودة بين أى دولتين عربيين, طالما أن هذا الحاكم أو ذاك (متصالحان) وعلاقتهما الشخصية طيبة.. ثم فجأة ينقلب الحال, اذا اختلفا, تقطع الاتصالات, ويطرد عمال تلك الدولة من اراضى الدولة الأخرى, وتشن الاذاعات وأجهزة الاعلام حروبا شرسة فيما بينها, وتتطاير الاتهامات بالخيانة والعمالة!. لماذا يجرى كل ذلك؟.. لأن فكرة المؤسسة غائبة, رغم أن العالم تخطى الآن مقولة (أنا الدولة), التى كان يتبناها (لويس الرابع), منذ أكثر من (250) عاما.. واصبحت الدولة (مؤسسة) لا ترتبط بشخص, واصبح الشخص يقوم بوظيفة داخل المؤسسة, حتى ولو كان رئيس الدولة المحددة واجباته ووظيفته وحدوده في الدستور. ويضيف د.(الجمل): في غياب فكرة المؤسسة, وفى ظل استمرار الدولة القائمة على فرد, تغيب فكرة (النظام) الذى يقتضى (قاعدة) تحدد كيان الدولة, ومؤسساتها, وعلاقات هذه المؤسسات ببعضها, واختصاص كل مؤسسة منها.. في اطار مبدأ (المشروعية) الذي يعنى ان كل فرد مسئول في الدولة له اختصاص محدد, اذا تجاوزه فانه يتخطى ويخرج عن مبدأ المشروعية. رئيس الولايات المتحدة مثلا له سلطات واسعة جدا, خولها له الدستور, لكن قاعدة قانونية صغيرة توقفه.. المؤسسة إذن جعلته قويا جدا, وسلطاته بعيدة المدى, لكن اذا خرج عنها قيد شعرة.. انكشف. أما النظام العربي, فلازالت فيه للأسف فكرة المؤسسة لم تستقر, وهذا ينعكس بالضرورة على الجامعة العربية.. بل لعلى أقول أن معظم الدول المنضوية تحت لواء الجامعة ترفض معنى المؤسسة.. أو لا تهضمه, رغم تأكيدات القادة في لقاءات القمة انهم مع النظام والمؤسسة, وأوضح وأؤكد هنا انه ليست كل الدول العربية متساوية في ذلك الأمر, فالقول بغير ذلك سيكون فيه ظلم لبعض الدول التى تتبنى وتلتزم بقدر أو بآخر بالقانون والنظام العام. ونتيجة لذلك كله, أصبحت الجامعة العربية بمثابة بوتقة تضم (مجموعة أمزجة). رغم هذا, فإنني أرى أن الاقرار بعقد القمة العربية دوريا هو خطوة ايجابية واسعة في مجال العمل العربي المشترك, وكل مانتمناه ان تستمر..ولا تأتي الأمزجة للتتحكم فيها بعد ذلك. ولندعو الله أيضا أن ترى كافة المشاريع, التى يتحدث عنها العرب منذ عشرات السنوات, طريقها الى النور.. مثل مسألة السوق العربية المشتركة. النظام العربي .. والقطرية * كيف لم تستطع الجامعة أن تتخطى هذه الانعكاسات والآثار السلبية, وان تقيم الحد الأدنى من البناء الوحدوي في النظام العربى؟ د.زكريا اسماعيل: أنا اتفق مع د.يحيى الجمل, في أن مسألة غياب النظام المؤسساتى عامل معوق كبير جدا في العمل العربي المشترك, وفى الدفع بالأقطار العربية نحو الاتحاد. وأضيف الى كلامه شيئا من التفصيل , فأقول انه بالرغم من قيام النظام المؤسساتي فإنه تبقى هناك عوامل أخرى مهمة, بالنسبة لتحقيق عمل مشترك بين اى مجموعة من الدول. ودليلنا على ذلك نستخلصه من نموذج الاتحاد الاوروبى, فنظام (اليورو) العملة الأوروبية الموحدة هناك دول أوروبية ترفض الانضمام اليه حتى الآن, مثل: انجلترا والنرويج, لماذا؟.. لأن لهما خصوصية ذاتية ومصلحة قطرية, تمنعهما من الانضمام الى هذا النظام.. بالرغم من انهما دولتا مؤسسات. اذن هناك, الى جانب شكل النظام المؤسساتى, عوامل أخرى تدفع, أو تمنع, وجود الدول أو غيابها عن الساحة.. ولا يمكن أن نغفل أن شجاعة القائد وقناعته وارادته السياسية, في هذا البلد العربي أو ذاك, يدفع الأمور في اتجاه العمل العربي المشترك بقوة شديدة. أود أن أضيف شيئا آخر, وهو انه للاسف فى اطار كل قطر عربي واحد نجد أن (الدولة), بمفهومها الحديث والحقيقي, لم يتوفر بعد.. كذلك فإن مفهوم المصلحة العربية المشتركة لم يترسخ بعد, أيضا مفهوم أن الحكم في خدمة الشعب.. وليس العكس, وان المسئولية هي مسئولية من هو في موقع الحكم.. كل هذه مفاهيم لم يتشبع بها المجتمع العربي, ويجوز أن شيئا من ذلك موجود على مستوى الفرد العربي. لكن لا توجد تجارب بين الحاكم والمحكوم في الأنظمة العربية, فبينهما حالة انفصال (شبه طلاق) للأسف الشديد.. وربما يكون في ذلك ترجمة أخرى لموضوع غياب المؤسسة. فالمؤسسة تعنى المصلحة المشتركة والعامة, التى لها القول الأخير الفصل في الحكم على الأمور وتسيير شئون العامة, واذا غاب ذلك, يبقى الأمر موضوع نظام خاضع للأمزجة الفردية.وأنا, من واقع خبرتى وتجاربى, عايشت محاولات كثيرة للعمل العربي المشترك, ومنها السوق العربية التى نتحدث عنها, وشهدت كيف كانت عندما تسوء الأمور بين قطر عربي وقطر عربي آخر, بمكالمة هاتفية واحدة يتوقف كل العمل الذي تم انجازه.. أو لا يزال قيد الانجاز!.. لذلك أقول أنه الى جانب شكل النظام المؤسساتي, لابد وأن يكون هناك (قناعة ذاتية) بصلاحية وبضرورة العمل العربي المشترك.. وهذا الكلام لو أردنا أن نترجمه الى خطاب سياسي أو قانونى نقول: (إذا توفرت الارادة السياسية). وأوضح مثال على هذا الارادة, في التاريخ العربي القريب, هو حرب (أكتوبر 1973 ).. عندما اتفقت سورية ومصر على التخطيط لهذه الحرب وتنفيذها, كان ذلك استجابة لنداء المصلحة ولتوافر الارادة السياسية, وازعم ان هذه الحرب كانت ستقع.. والتحالف (المصري/ السورى) كان سيحدث, حتى في حالة عدم وجود نظام عمل عربي مشترك. إذن لا يكفينى أن أقول عندى نظام مؤسساتى, فلابد أن يتوافر الى جانب ذلك المصلحة القطرية, وأرى أنه لا يجب ان يكون هناك (طلاق) بين العمل العربي المشترك والمصلحة القطرية. اذن أقول ان هناك عناصر ثلاثة اساسية, يجب أن تتوافر من أجل أن يكون لدينا عمل عربي مشترك فاعل وحقيقى, هى: النظام المؤسسي, والقناعة بفائدة العمل المشترك, ثم توفر الارادة السياسية لنقل هذه القناعة من حيز النية الى حيز الفعل والتنفيذ.. وقتها يمكن ان يقوم عمل عربى, يحقق مانصبو اليه من نظام عربي بشكل فيدرالى أو كونفيدرالى, أو سواهما من أنظمة الحكم الاتحادية أو الوحدوية. عيب خلقي!! *: ولكن.. ألم تتوفر هذه المعطيات في فترة ما من تاريخ العرب, خلال النصف قرن الماضى, ومع هذا لم ينعكس ذلك في بناء الجامعة العربية, ولا في بناء التجربة الوحدوية العربية؟! السفير وفاء حجازى: اعتقد انها لم تتوافر, لأسباب سبق وأن ذكرها د.يحيى الجمل ود. زكريا اسماعيل في حديثهما, عندما أوضحا انه كانت تتحكم في نشاط الجامعة العربية الحالة المزاجية للحكام العرب, وأضيف الى ماذهبا اليه اننى اعتقد ان هناك عيب مؤسسى في الجامعة, (عيب خلقى) ذلك انها (جامعة للدول العربية), أى لم يكن يجمعها هدف مشترك, أو مشروع للإجماع.. فالجامعة كانت ولا زالت هى (مظلة) تجتمع حولها الدول العربية, أو بمعنى أدق: ممثلو الحكومات, لكى يتفقوا.. أو يختلفوا, انما لم يكن في الميثاق هدف محدد واضح, بل فيه عبارات مرسلة.. وأهداف عامة, من قبيل (التعاون) و(التضامن).. الخ. بينما عندما تأسس (الاتحاد الاوروبي) نشأ على أساس (وثيقة) بها أهداف محددة: رفع الجمارك, توحيد العملة, سوق مشتركة.. وكلها تمهد الى الهدف النهائي, وهو ايجاد وحدة أوروبية تلغى الحدود الاقتصادية, ثم السياسية.. وصولا لوحدة سياسية تمثل الشعوب الأوروبية كلها. هذا النهج غير موجود في الحالة العربية, ولا يمكن ان نقول ان ميثاق الجامعة يؤدى الى تحقيق أهداف محددة تدفع باتجاه الوحدة العربية. العيب الخلقي الثاني, ان الامانة العامة للجامعة لا تعدو كونها (سكرتارية).. تدعو لاجتماع, وتسجل محاضر هذا الاجتماع, وتوزعه على الدول الاعضاء.! فهي لا تتخذ أية مبادرات, وليست لها أى صلاحيات.. ولعل أبرز مثال على ذلك, الأزمة التى حدثت بين العراق والكويت قبيل الحرب, فأتصور انه لو كان هناك صلاحيات لأمانة الجامعة وللأمين العام, كان سيتحرك قبل أن تتفاقم الأزمة, ويقوم بدور أفضل وأكثر ايجابية من مجرد مهمة ناقل الرسائل بين هذا الطرف أو ذاك, حيث كان سيبادر الى التحرك بين الاطراف المتنازعة, باسم الجامعة كمؤسسة, ويحاول أن ينشط في تضييق مساحة الخلاف, ويختصر الهوة الموجودة بين وجهات النظر المختلفة. أيضا, أرى انه من بين الأسباب التى تجعل الجامعة فاقدة فاعلية وقدرة على تحقيق نوع من التضامن العربي الذى نتحدث عنه صباح مساء, ان هناك حالة (انفصام) بين الحكام وبعضهم البعض, وبين الحكام والمحكومين. يحيى الجمل: الذى يقوله سيادة السفير هو مثال صارخ على غياب المؤسسات, سواء في القطر.. أو في النظام, وأظن أنه لو كانت هناك مؤسسات في النظام العربي لكانت سارعت بالتحرك قبل استفحال الأزمة. لكن المؤسسة غائبة في القطر, وغائبة أيضا فى النظام العربى. أزمة الادراك العربي ــ وفاء حجازي: هذا (الانفصام) يحول بالتأكيد دون أن يكون للجامعة فاعلية أو قدرة على تسيير الأمور في الاتجاه الذى يعود بالنفع على المصالح العربية الحقيقية خاصة وأننا نواجه موقفا خطيرا للغاية, أن نكون.. أو لا نكون, ولا أدرى كيف لم يرد في ذهن الحكام العرب هذا الموقف.. فأن يأتى وزير الخارجية الأمريكي (كولن باول) لزيارة المنطقة, ونحن على هذه الحالة من التشرذم وعدم الاتفاق, وبعد قصف الطائرات الأمريكية والبريطانية للعراق. وهذا يدفعنا الى الحديث عن نقطة خطيرة جدا, وهى أزمة الادراك العربى.. فنحن لا ندرك اننا انتقلنا من عصر الى عصر, وأن تأسيس الجامعة كان قبل منتصف القرن الماضي.. ونحن الآن في بداية ألفية جديدة, وبالتالى يجب أن يكون للجامعة دور أكبر بكثير جدا من الدور الذى كانت تقوم به عند نشأتها, وكان من المفروض أن يتأتى ذلك من خلال تطور طبيعى, ومنطقى منذ عام (1945) وحتى اليوم.. لكننا نجد أننا لازلنا نحاول تصحيح أخطاء أكثر من (55) عاما, ليس بدافع التفكير في التطور.. ولكن تحت تأثير الضغوط التى تمارس ضدنا, ووسط أزمة الانهزامات التى ننهزمها والانكسارات التى ننكسرها. أنا أعتبر اذن أن كل هذه الاسباب هي التى تجعل من الجامعة العربية كيانا عاجزا عن مجاراة الأحداث التى تدور من حولنا, والتي تخص الدول الاعضاء المشاركين فيها.. ولو اننا لاحظنا أن مؤتمر القمة العربية الأخير, الذى عقد في (أكتوبر) الماضى بالقاهرة, كان فيه محاولة لتصحيح بعض الأوضاع.. لكن كان هناك أيضا تباين في الخطاب العربى, عندما تحدث قادة الدول امام القمة. وأقول اننا في أشد الحاجة اليوم الى (التلاحم).. وليس التباين, ونقول انه ليس بالضرورة وجود (اتفاق) كامل شامل على كل شئ.. وانما يجب ان يكون هناك (توافق), كخطوة أولى نحو مثل هذا الاتفاق. اذن هناك أربعة عوامل أثرت سلبا في مسيرة ودور الجامعة العربية, أعود فأركزها في التالي: انها (مظلة) وليست أداة فاعلة أو مؤسسة, كما انها تفتقر الى مشروع محدد وواضح الأهداف والمراحل, اضافة للحالة المزاجية التى لازالت تحكم علاقة الحكام العرب, ورابعا وأخيرا: الانفصام بين الحكام وبعضهم البعض.. وبين الحكام والمحكومين. الحد الأدنى ــ السفير صالح عبده صالح: نحن وصفنا, في نقاشنا الآن, الحالة الراهنة للجامعة العربية والعمل العربي المشترك.. وشخصنا أوجه الاعتلال والمرض, سواء غياب مؤسسات.. أو غياب الارادة.. الخ, ولكن ماالعمل الآن؟!.. أظن اننا يجب أن ننطلق من الواقع, ونعطي الاولوية في المرحلة الراهنة لإعلاء موضوع المصلحة المشتركة, وان تكون الجامعة قادرة على استيعاب المصالح القطرية.. لأن أي رئيس دولة أو حكومة يهمه في المقام الأول التعبير عن الرأي العام داخل بلده. وفى هذا الاطار, اعتقد أن التركيز فى المرحلة المقبلة على الجانب الاقتصادى في العمل العربي سيكون مفيدا للغاية, لانه هو الجانب الذى يحقق قبل غيره المصلحة المشتركة لكل مواطن في أى قطر عربى.. فلنبدأ به اذن, باعتباره موضوع اتفاق, واذا انجزنا فيه قدر من النجاح.. سوف نتمكن من احراز نقاط ايجابية في مجالات العمل المشترك الأخرى, وأولها المجال السياسي. ــ جاسم علوان: أود هنا أن أذكركم بانه كانت هناك آراء, لها وزنها وأهميتها, كانت ترفض فكرة (الجامعة العربية), فالمفكر الكبير الدكتور (عبدالله الريماوى) رحمه الله.. كان فى منتصف الستينات واحدا من أبرز انصار هذا الاتجاه, وكان ينطلق من فكرة الايمان بدولة عربية واحدة.. وهى تتعارض مع فكرة (الجامعة) كتجمع يضم (الدول العربية). وهذا اتجاه وطرح مثالى, لكننا بالطبع نريده.. لأننا بالفعل أمة واحدة. وبغض النظر عن اتفاقنا, أو اختلافنا, مع هذا الاتجاه.. فأنني أرى أن بقاء الجامعة العربية يمثل على الاقل الحد الأدنى لتداول مشاكل أو قضايا الأمة العربية. النقطة الثانية, أن أهمية وضرورة بقاء الجامعة تكمن في انه بالتأكيد سوف يأتى اليوم الذى تتحسن فيه أوضاعها, ويزداد دورها فاعلية.. لأن الظروف تتغير, وتجبر الحكومات العربية تحت ضغط شعوبها أيضا على تحقيق قدر ما من العمل العربي المشترك. كذلك فإن هناك ظواهر مهمة, تؤيد هذا الذى نقوله, مثل الاتفاقات الاقتصادية التى جرت بين العراق وكل من مصر وسورية والأردن, وماتقوم به مصر منذ فترة من محاولات لعقد معاهدات اقتصادية ومناطق تجارة حرة مع أكثر من دولة عربية أخرى.. كل ذلك علامات مشجعة وايجابية,, تدل على اننا بدأنا نسير في الاتجاه الصحيح, ولكن ربما ببطء.. وبمعدلات تقل كثيرا عن تطلعات وطموحات الشعوب. أنا أرى اذن, ان الجامعة العربية تمثل (الحد الأدنى) الذى يجب أن نستمسك به, ونعمل على تحسينه وتطويره بقدر الإمكان. كذلك, فإن التنظيمات الشعبية العربية الأخرى, مثل النقابات والاتحادات العمالية والتجمعات المهنية, يمكن أن تقوم بأدوار مهمة ربما لا تستطيع أن تضطلع بها الجامعة العربية, كونها مؤسسة رسمية, وهذه التنظيمات لها دور كبير ومؤثر.. لو أحسن توظيفها, وتجمعت في اتحاد واحد.. يكون هو (الصوت غير الرسمى) الذى يقول مالا تستطيع الجامعة العربية أن تقوله. ومن هنا, يبقى أملنا قائما بأن يتحسن حال الجامعة, وان تشعر بالاخطار المحدقة, وأن تمارس دورها بفاعلية.. كسائر المنظمات الدولية الأخرى المماثلة. مصير الهنود الحمر * : لا شك أن المؤسسات الاهلية العربية لعبت دورا هاما وخطيرا, وحافظت على الحد الأدنى من الوشائج القومية.. حتى في الفترات التى وصلت فيها العلاقات الرسمية العربية العربية الى مستويات سيئة, لكن فى النهاية فان المنظمة الأساسية المنوط بها دفع عجلة العمل العربي هي الجامعة العربية.. والجامعة كما نشعر جميعا فى أزمة, وهذه الأزمة تعكس خللا واضحا في النظام والعمل العربي ككل. وفى ضوء التحديات الكثيرة التى تواجهها الأمة حاليا, هل من أمل في أن يتطور العمل في الجامعة العربية, وتدخل مرحلة جديدة تستطيع فيها أن نواجه تلك التحديات المطروحة؟.. وكيف؟ ــ د. يحيى الجمل: هذا هو بالفعل السؤال المطروح حاليا: ماالعمل؟! وأنا أوافق على جملة في منتهى الخطورة, وردت في كلام السفير وفاء حجازى, وهى اننا نجد أنفسنا كأمة في وضع (نكون.. أو لا تكون), وهذا ليس افتراضا نظريا.. فهناك أمم قامت, ثم زالت من الوجود.. ونحن الآن معرضون الى أن تنتهي الأمة , ألامة ليست فقط في خطر.. انما هي أمة تقترب من مصير الهنود الحمر, فإما أن تكون أو لا تكون. اذن.. كيف نكون؟!.. أزعم أن الذين يعيشون الآن فاعلين هي الأمم التى تمشى على قدمين اثنتين واضحتين: قدم اسمها البحث العلمى.. والايمان بالعلم, والأخرى اسمها سيادة القانون والديموقراطية وحقوق الإنسان. وهنا اسأل سؤالا صريحا واضحا: ماذا لنا من هاتين القدمين, يؤهلنا للتقدم؟!.. لابد أن نوجه هذا السؤال لأنفسنا, ونجيب عليه بنفس الصراحة والوضوح. أنا أقول انه لابد من العمل على وجود (نظام مؤسسى) في كل بلد عربى, بحيث يكون الحكام ممثلين لشعوبهم.. وبالتالى ممثلين لكل الأمة العربية, لأنه لا تناقض بين الشعوب وبعضها.. انما التناقض قائم في مصالح الأنظمة. النقطة الثانية: هي انه يجب تعديل الميثاق, فميثاق الجامعة العربية الحالى يجعل من الصعب القيام بعمل فاعل.. فالجامعة قائمة على قاعدة (الاجماع), التى تخلت عنها كافة المنظمات الدولية.. واصبحت مهجورة في التنظيم الدولى المعاصر, لأن فكرة (السيادة) بالمعنى التقليدي ـ تقلصت, والغريب أن الدول العربية نفسها تعي وتؤمن بذلك.. وتتصرف على أساسه في علاقاتها مع دول أوروبا وأمريكا, بأن السيادة بمفهومها القديم يمكن أن تنتقص.. لكن في علاقات الدول العربية ببعضها ترفع شعارات من قبيل (السيادة.. أو الموت!), وهذا واضح في أية مشكلة كبيرة أو صغيرة بين دولة عربية وأخرى.. لكن هذه الشعارات تختفى عند التعامل مع أمريكا واوروبا, فتعديل ميثاق الجامعة, والأخذ بقاعدة الأغلبية, أمر مرغوب ومطلوب. هناك ايضا امر لا نلتفت اليه كثيرا في نظام الجامعة العربية رغم اهميته البالغة, وهو المنظمات المتخصصة في التابعة للجامعة.. والتى يمكن ان تقوم بدور حقيقى وهام, فمنظمة التربية والثقافة والعلوم كانت فى وقت من الأوقات تؤدى دورا فاعلا ومؤثرا, ولا زالت تستطيع حتى الآن القيام بهذا الدور, كذلك معهد البحوث والدراسات العربية يضم الآن كوادر علمية وبحثية متميزة من كل الدول العربية تقريبا, بما يجعل منه (بؤرة) عربية هامة ومؤثرة للغاية.. ونفس القول يمكن أن ينطبق على بقية المنظمات المتخصصة, التي لابد من تفعيلها في اطار الجامعة العربية. الأمين العام الجديد ويستطرد الدكتور (الجمل) قائلا: اذكر اننى قلت للأخ عمرو موسى وزير الخارجية المصرية, عندما تحدث معه مهنئا بترشيحه لمنصب الأمين للجامعة العربية, ماذا لو رفعنا شعارا في المرحلة المقبلة يقول: (تعالوا ننفذ الاتفاقات القائمة, والتى وقعت عليه الدول العربية بالفعل. وأنا متأكد انه لو أخرجت من الأدراج في الجامعة العربية الاتفاقات التى وقعها القادة العرب, وتم تنفيذها.. أو على الأقل تفعيل نسبة كبيرة منها, وأظن اننا سنتقدم خطوات تفوق ماأنجزه الأوروبيون في مسألة (الاتحاد الأوروبى) وأرى اننا علينا جميعا, كصحافة وأجهزة واعلام ومفكرين ومثقفين, دور مهم في رفع هذا الشعار (ضرورة تنفيذ الاتفاقات العربية الموقعة), والتأكيد عليه صباح مساء.. حتى نحث الدول والأنظمة على تبنيه, وتطبيقه.أنا الحقيقة آمل خيرا في الأخ عمرو موسى في موقع الأمين العام للجامعة, عمرو توجهه عربى.. وعنده احساس بالكرامة, ويريد ان يفعل شيئا.. ونحن جميعا نعول عليه كثيرا في ان يستطيع أن يحرك هذا الجثمان المتعب للغاية, ونرجو له التوفيق, وكلنا راغبون في مساعدته ومساندته في اداء هذا الدور, من أجل هذه الأمة التى تتعرض بالفعل لأن تكون أو لا تكون. وأكرر .. اصلاح الجامعةأن هذا ليس فرضا خياليا, فهناك أمم قامت.. ثم بادت. * نعود للدخول في صلب قضية (اصلاح الجامعة) من واقع مايجرى على الساحة العربية, هل هناك أمل في الاصلاح؟ ــ الدكتور زكريا اسماعيل: الاصلاح فتحت أبوابه بالفعل, عندما تقرر أن تكون اجتماعات القمة دورية.. وهذه اعتبرها (خطوة ثورية) بكل معنى الكلمة, بدليل انه منذ مؤتمر القمة بالقاهرة عام (1996) لم يستطع القادة العرب عقد قمة أخرى, وكلما طرح موضوع الدعوة للقمة.. تخرج أصوات لتقول: يجب التحضير والاعداد الجيد للقمة, أو انه لم تكتمل بعد الظروف المناسبة لانعقاد القمة.. الى آخره من المبررات التى كان يجرى تسويقها. اليوم, وبعد أن وافقت القمة العربية الأخيرة فى أكتوبر الماضى بالقاهرة على دورية عقد القمة, أصبح هذا الكلام وتلك المبررات ليس لها محل.. فالقمة بات لها موعد ثابت, وهو (مارس ) من كل عام. يضاف الى ذلك ان هناك آلية جديدة استحدثت.. وهو مايسمى بلجنة المتابعة والتحرك, التي من واجباتها ان تتابع تنفيذ القرارات التى اتخذتها القمة, وهذا أيضا أمر جيد.. لانه سوف لا تكون القرارات التى تخرج عن القمة, من الآن فصاعدا, معرضة للنسيان مع مرور الزمن.. ففى السنة التالية سوف يكون هناك اجتماع قمة آخر, سيتم فيه بالضرورة بحث ماتم تنفيذه, ومالم يتم, ولماذا؟.. كما سيكون هناك لجنة على مستوى وزاري (لجنة المتابعة) ترفع تقاريرها الى مؤتمر القمة التالى, لتعرض فيه حجم الانجاز في تنفيذ قرارات القمة السابقة. وهذه آلية من شأنها أن تحرك الأمور, ولا تجعلها تأخذ طريقها الى الأدراج. أود أن أوضح أيضا انه يجب التمييز بين العمل على المدى القصير والعمل على المدى البعيد.. وفى النوع الأخير نقول انه لابد بالفعل, كما قال د.يحيى الجمل من قيام دولة المؤسسات.. ولابد من أن تتوافر لنا القدمان الاثنتان: البحث العلمى والتطور التقنى, ودولة الديقراطية وسيادة القانون وحقوق الانسان.. أى ان يكون الحاكم مفرز بارادة الجماهير, وبالتالى مسئولا امام هذه الجماهير.. وهذا اعتقد انه غير متوفر في معظم الأقطار العربية. لكن, نحن الآن أمام تحديات جسيمة, تفرض علينا على المدى القصير التحرك العاجل لعمل شئ. لكن ماهو هذا العمل؟!.. اليوم الجماهير تتحرك في جميع الأقطار العربية في اتجاه دفع الأنظمة وتبصيرها بالخطر الداهم, واعتقد ان ماحصل في القمة الأخيرة كان بدافع من هذا الضغط الذي يأتي من القاعدة بالاتجاه الأعلى. اذن علينا ان نتفاءل, بعض الشئ, مماحدث حتى الآن.. وعندما ستجتمع القمة العربية المقبلة, في (مارس) الجارى بعمان, سنجد أيضا أن الأنظمة محاصرة ليس فقط بالجماهير.. وانما بهذا الخطر الداهم المحدق, بعد أن وصل (شارون) الى السلطة.. وتوالت تهديداته واستفزازاته اليومية هو من حوله, حتى قبل أن يستلم السلطة فعليا, من قبيل أنه سيضرب (السد العالى) في مصر.. أو تصفية القيادة الفلسطينية واعادة احتلال مناطق السلطة الوطنية. وازاء هذا الخطر الداهم, ماذا على القادة العرب أن يفعلون؟!.. لابد وأن يفعلوا شيئا, ليس فقط دفاعا عن الشعب الفلسطينى.. وانما أيضا دفاعا عن كياناتهم الذاتية. تحرك وتطور وفى اعتقادى انه اذا ماحصل شئ من هذا في مؤتمر القمة المقبل, شئ من الضغط الناجم عن وحدة الموقف العربي في مخاطبة القوى الدولية الفاعلة, حتى الولايات المتحدة الأمريكية, فان هذا الضغط سيدفعها بالتأكيد الى اعادة النظر الى القضية العربية بعين أخرى, ليست هي العين التى لا ترى غير (اسرائيل) وتنحاز اليها على طول الخط. وهذا الموقف العربي العاجل والمطلوب في المدى الزمنى القصير, لا ينفى حاجتنا الى العمل المشترك على المستوى الاستراتيجى البعيد.كذلك, فإن مايمكن اعماله في اطار ميثاق الجامعة مطروح, مثله مسألة انشاء (محكمة عدل عربية) التى صدر بها قرار من مجلس الجامعة قبل الأخير, ولكن يبقى أن نفعل هذا القرار.. ونتخذ الاجراءات الكفيلة بتنفيذه, من اقرار موازنة وهيكل ادارة.. الخ. أيضا, هناك قرار آخر لم يحصل حوله بعد توفر ارادة سياسية, وهو انشاء (آلية فض المنازعات العربية بالوسائل السلمية).. فهذه لم تعبر المجلس الوزارى للجامعة العربية بعد, لكنها مطروحة. اذن نقول ان هناك تحرك موجود, وتطور في اتجاه تحسين الاداء.. لكن لابد من أن يستمر الدفع في اتجاه تحقيق هذه الأمور, من جانب الكتاب والأدباء والمثقفين وأجهزة الاعلام ومؤسسات المجتمع المدنى, وهذا في الحقيقة تيار بدأ يتنامى وينتشر في المجتمعات العربية خلال السنوات الأخيرة. أما مسألة التصويت داخل الجامعة, وهل بالاجماع.. أم الأكثرية؟ هي مسألة طرحت بالفعل.. وأنا كنت واحدا من الذين حضروا, بحكم موقعى, الاجتماعات التى عقدت لمناقشة هذه القضية في اطار الجامعة.. واللجنة التى هيأت النصوص كانت برئاسة وزير خارجية مصر عمرو موسى, بعد أن نوقش الموضوع أمامها بكل جوانبه وتفصيلاته, ولا استطيع أن أكشف ماذا جرى.. باعتبار ذلك من أسرار المهنة, لكن بطبيعة الاشياء هناك أمور يسهل أن يحكمها قرار الأكثرية, وأمور أخرى تفترض نظرا لجوهريتها وأهميتها أغلبية الثلثين أو الثلاثة أرباع, وهناك قضايا ثالثة بحسب طبيعتها تتطلب الاجماع. وأنا أعتقد أن مجرد التمييز بين هذه الحالات الثلاث نوع من التقدم, لانه في الماضى كانت كل الأمور تتطلب الاجماع.. وعندما يتم التوقيع على نص, لم يكن هناك من يسأل عن مدى الجدية في تنفيذه.. والأمثلة على ذلك كثيرة: اتفاقية الدفاع المشترك, والوحدة الاقتصادية, والسوق العربية المشتركة.. الى آخره. ــ د.الجمل: أى انه كان هناك اجماع في التوقيع, وفى نفس الوقت اجماع الاهمال! ــ د.زكريا: أنا مع رفع الشعار الذى طرحه د.يحيى, وهو تنفيذ ماتم توقيعه بالفعل من اتفاقات عربية, ومع الضغط الشعبى لتحقيقه.. لكن لابد أن يكون ذلك في اطار من اجتماع الأنظمة, وأن يتضافر من المسئولين من لديه الجرأة الكافية لطرح موضوع أن ماتقرر سوف ينفذ, ويحترم.. وهذا الرأى أقوله على المستوى الشخصى, وليس كأمين عام مساعد للجامعة العربية. * (البيان): اذن.. هل الجامعة, في ظل الظروف الموجودة, قادرة بالفعل على تجاو أزمتها؟! ــ وفاء حجازى: هذا القول اشبه ان تشد وثاقى ثم ترمينى في البحر, وتطالبني بالعوم.. كيف ذلك.. اهم شيء اذن هو تغيير هذه الظروف المحيطة بالعمل العربي المشترك, حتى نستطيع تفعيل مؤسسة الجامعة. واضيف بعض الأمور الى ماذكره الأخوة المشاركون, مثلا: مسألة تفعيل المنظمات المتخصصة قضية مهمة للغاية.. فمنظمة الوحدة الاقتصادية على سبيل المثال لديها مشروعات كاملة عن السوق العربية الحرة, والتعاون الاقتصادى, والتجارة البينية, وتوحيد النقد.. لو تحقق جزء منها لخطونا خطوات واسعة باتجاه ماتصبو اليه جماهير الأمة. فالمسألة ليست اجتماعات, وقرارات تصدر عنها.. ثم توضع في الأدراج, وينتهى الأمر.. فأحد الأساسيات في تطوير الجامعة هو تفعيل دور هذه المؤسسات. الاتفاق على الأولويات أضيف أيضا, انه ليس بالضرورة كل ما اتفق عليه.. وتم اقراره, فلو ان هناك لجنة أو مجموعة تختار الموضوعات الأهم.. فالاقل أهمية, ويبدأ العمل على تنفيذها.. سيكون هذا انجازا عظيما, سواء بالنسبة للمسائل الاقتصادية أو الثقافية. فقضية مثل توحيد المناهج الدراسية في الدول العربية هامة للغاية, لانها تضع قاعدة اساسية لتوحيد الفكر العربى.. وسيأتى ثمارها في المستقبل بحيث لا نكون محتاجين للكلام عن الوحدة العربية لاننا سنراها مجسدة امام أعيننا.. من خلال التعليم العام الذى اتفقنا عليه, والثقافة الموحدة التى أرسينا دعائمها. كذلك, فإنه من ضمن المسائل الضرورية التى يجب الاتفاق بشانها, صلاحيات الأمانة العامة للجامعة العربية.. وانها ليست (سكرتارية) تقوم فقط بوظيفة الاخطار بمواعيد الاجتماعات, وتدوينها في محاضر.. وينتهى دورها عند هذا الحد. وأتصور على سبيل المثال - انه لو كانت هناك صلاحيات للأمين العام, فانه بالقطع كان سيبادر بالقيام بجولة واتصالات واسعة بين الدول العربية, قبيل زيارة (كولن باول) وزير الخارجية الأمريكية للمنطقة, وذلك بهدف استطلاع الاراء العربية التى ستطرح على المسئول الأمريكى, ثم يكون هناك اتفاق على القضايا التى سيناقشها مع القادة العرب.. بحيث يسمع كلاما ورأيا عربية واحدا في كل قضية, واعتقد ان ذلك سيكون أفضل كثيرا لجهة خدمة القضايا والمواقف العربية. نحن, للأسف الشديد, لازالنا نضع الجامعة العربية في اعتقاد اننا علينا أن نعمل في ظل القوى العالمية الكبرى, وأن نتهاون معها دائما, وان نكون تحت جناح الهيمنة.. اما بشكل مباشر أو غير مباشر. وحينما يستقر في اذهان القائمين على الجامعة العربية, كمؤسسة تضم كل الدول العربية, أن لنا موقف وشأن خاص بنا.. يجب ان يكون محل عنايتنا, ولا يجب الا يتأثر بمواقف الآخرين حيالنا.. بمعنى ان تكون الجامعة على مستوى الفعل, وليس رد الفعل.. وهذا لا يتأتى الا اذا قمنا بتوصيع صلاحيات الأمانة العامة, وأعطينا قدرة الفعل واتخاذ المبادرات.. واقتنعنا كلنا, كدول اعضاء في الجامعة, على أن لها دور لا يقل أهمية عن دور الاتحاد الأوروبى بالنسبة لدول أوروبا, وانها تتخذ وتقر من السياسات مايتمشى مع المصالح العليا لشعوبها.. وليس مايرضى, أو على الأقل لا يغضب, القوى العالمية الأخرى. وبالنسبة للنقطة التى اشار اليها الأخ (جاسم علوان), من أن هذه المؤسسة لازالت جامعة للدول.. أى الحكومات, أقول انه يجب توسيع اطار هذا المفهوم, والا يقف عند مجرد اجتماع مندوبى الحكومات.. ثم يتفقوا أو يختلفوا فيما بينهم, وانما لابد وأن يكون لصوت الشارع مكان وموضع داخل الجامعة العربية, ويكون للرأى العام العربي دور في التأثير على القرارات التى تتخذها الجامعة. وكلنا شاهدنا عندما قامت (الانتفاضة) الفلسطينية, الشارع العربي كان له موقف مختلف تماما عن موقف الحكومات.. وهنا نتساءل: أين هذا الشارع العربي في اطار العمل داخل الجامعة العربية؟!.. نجد انه اذا لم يتفضل أحد من مندوبى الحكومات بالحديث عن رأى الشارع, وان لم يتكلم أحد.. يبدو كما لو أن هذا الشارع غائب, ولا صوت له أو نبض.. أو رأي وقرار. فلابد إذن من أن يكون للمؤسسات والمنظمات غير الحكومية دور في التأثير على قرار الجامعة, لا نقول انها هي التى ستقود الجامعة.. انما على الاقل نجد مراعاة والتفات الى هذا الدور, والأخذ به في أمور معنية.. وهذا ماحدث مؤخرا بالفعل, فالقمة العربية التى عقدت في (أكتوبر) الماضى بالقاهرة, أملاها الشارع العربى.. ولم تكن بناء على رغبة خالصة من الحكومات. المنظمات الأهلية ــ د.محمد زكريا اسماعيل: هذا الأمر تأخذ به الدنيا كلها الآن, الا نحن.. فالمنظمات الأهلية التى لها صفة استشارية لدى الأمم المتحدة, ليس دورها عبثيا.. وانما لها فائدة مؤكدة, فهذه المنظمات التى يزيد عددها على المئات لها موقع وموقف ورأى, وتبديه.. وتنقله, ولها صوت مسموع.. يؤخذ في الاعتبار دائما عند اتخاذ القرار. فلماذا لا نعمل مثل ذلك الوضع في جامعة الدول العربية؟ ــ د.الجمل: اتحاد المحامين العرب, أقوى الاتحادات المهنية العربية واوسعها انتشارا, ليس له صفة استشارية لدى الجامعة.. ولا يدعى لحضور اجتماعاتها. ــ د.زكريا: هذا المثال تحديدا غير دقيق, لأن هذا الاتحاد بالذات له وجود وحضور. ــ السفير حجازى: لكن هذا الحضور يكون مرهونا بمبادرة من داخل الجامعة, وليس استنادا الى قاعدة محددة.. يعني اذا أراد أن يستمع اليها الأمين العام يدعوها للحضور, وان لم يرد.. فهو حر. لكن نحن نبحث هنا عن القاعدة التى يجب أن توضع, ويكون لها صفة الاستمرارية. شئ آخر, أود أن الفت النظر اليه, وهو أن لدينا دورات لمجلس جامعة الدول العربية ولوزراء الخارجية.. وأصبح هناك دورات لاجتماع الرؤساء, لكن مابين هذه الدورات ماذا نفعل؟!.. اتصور انه مابين هذه الدورات يجب أن يكون هناك عمل دائم من الأمانة العامة لتنفيذ هذه القرارات, واعطاء صورة عن من المتصرف في التنفيذ.. وأبرز مثال على ذلك القرار الصادر عن القمة الاخيرة, الخاص بدفع مليار دولار الى الانتفاضة.. فحتى الآن ماينشر عن ذلك لا نعرف منه على وجه اليقين هل تم دفع شئ أم لا.. هل ننتظر حتى اجتماع القمة المقبل, حتى نبحث فيمن دفع.. ومن لم يدفع, وربما يتم تأجيل الموضوع.. حتى لا يتم احراج أحد! ــ د.زكريا اسماعيل: هناك دول لا تدفع اشتراكاتها السنوية في ميزانية الجامعة, لدرجة ان الموظفين يظلون أحيانا شهرين أو ثلاثة لا يأخذون رواتبهم. لذلك فإن لم يكن هناك ايمان بالعمل العربي المشترك وارادة سياسية متوفرة بفائدة هذا العمل.. فلا لزوم لأى حديث عن تطوير ومستقبل الجامعة, هذا رأيى أقوله بكل صراحة ووضوح. أما فيما يختص بتنفيذ مقرارات دورة مجلس الجامعة, فهذا يحصل بالفعل.. فالامانة العامة للجامعة تنشغل لمدة خمسة أو ستة شهور لتنفيذ مقررات مجلس الجامعة, وهناك في كل سنة دورتان للمجلس.. ومابين الدورتين يكون عمل متصل من الأمانة العامة, للمتابعة والتنفيذ. ــ السفير وفاء حجازي : لابد أن يكون هناك ميكانزيم فاعل, بمعنى أن هناك قرارات تتخذ, وبالتالى يصبح المسئول عن هذه القرارات الأمين العام والجامعة العربية, وهى هنا لها حق مخاطبة الدول.. من الذى نفذ, من الذى لم ينفذ, وعلى الأمين العام أن يرفع تقريره الى باقى الدول ويعممه.. ويتم اعلام باقى الدول الأعضاء بمن لم ينفذ هذه القرارات أو بمن خالفها.. أقصد هنا أن يتم تنشيط العمل اليومى للجامعة, وتقترح بدائل. ــ الدكتور زكريا: كل ما تفضلت به يحدث.. المقررات التى تتخذ في مجلس الجامعة يتم تنفيذها بحذافيرها, وتتابع على كل المستويات. لجنة تنفيذ القرارات * : في الحقيقة أن تشكيل لجنة وزارية لمتابعة تنفيذ القرارات قد يقلص دور الأمانة العامة في المتابعة, وهنا يكون السؤال هل تساعد هذه اللجنة على تفعيل دور الجامعة؟ ـ السفير وفاء حجازي: سمعت, وقد أكون مخطئا, أن من بين الخلافات التى نشأت فيما يتعلق بقرار دعم الأقصى والانتفاضة السؤال (لمن ندفع هذا الدعم؟) دول الخليج كانت لا ترغب في دفع الدعم الى السلطة الفلسطينية.. هنا السؤال.. هل يكون للأمانة العامة دور أم ننتظر اجتماعا جديدا للقمة؟.. في هذه الحالة أتوقع أن يكون للجامعة دور.. تتسلم المساهمات, وتضمن وصولها.. نقطة أخيرة.. وهى قضية الهوية.. الجامعة العربية تتحرك تحت شعار التعاون العربي, ولكن قضية الهوية التى تمس كل الدول العربية التى تتعرض اليوم للتآكل مثلما قال الدكتور يحيى الجمل.. انها أمة ممكن أن تندثر.. ويجب أن تكون هذه هي القضية الأولى للجامعة, وعلى جميع الدول الأعضاء معرفة أنهم لم يجتمعوا إلا لتحقيق هذه الهوية وتجسيدها, وتأكيدها في مشروع عربي يجمع هذه الدول ويسير باتجاه هدف محدد هو وحدة الأمة العربية.. إذن لابد من احياء هذه المسائل, لا تركها وكأنها نوع من أنواع الموروثات, بل لابد من التذكير بها أيضا. واضافة الى ذلك فلابد من إحياء وتفعيل المنظمات الاقليمية.. وعلى سبيل المثال فإن منظمة مثل مجلس التعاون الخليجي, اعتبرت نفسها وحدة قائمة بذاتها.. هذه القضية لابد أن تطرح من جديد, لابد من الاجابة على سؤال: بماذا أفادت الجامعة وبماذا أضرت, وأيضا طالما هناك الجامعة العربية فما جدوى انشاء هذه المنظمات؟.. هذه القضايا لابد أن تطرح لأنها تؤثر على فاعلية الجامعة. ـ د. زكريا: فيما يتعلق بقضية الهوية العربية, بكل تواضع أقول أننى نشرت بحثا عنوانه (الهوية العربية في مواجهة النظام الشرق أوسطي).. لأن هذا النظام هو الذى يهدد الهوية في الحقيقة. ــ السفير وفاء حجازي: لقد حضر الأمين العام للجامعة العربية أول اجتماع للشرق أوسطية في الرباط, وهذا أمر غير جائز, ولا يجب أن يحدث. ــ د. زكريا: الأمر ليس بالشكل الحاد الذى تتحدث عنه, ولقد نظمت ندوة في جامعة الدول العربية بمبادرة من الجامعة, ورأسها الدكتور عصمت عبدالمجيد الأمين العام, وكان لى شرف المشاركة, وخرجت وجهة النظر هذه بقوة, وكان رد الأمين العام أنه شارك ليمثل وجهة نظر الجامعة العربية في مواجهة الشرق أوسطية. نعود الى فكرة الهوية العربية في مواجهة الهجمة اللاعربية, ومحاولات اقحام تركيا في النظام الشرق أوسطى تمهيدا لاذابة الهوية العربية, والهوية العربية أمر موجود وحاضر ليس فقط لدى المثقفين العرب, لكن أيضا لدى طائفة كبيرة من المسئولين العرب حتى على مستوى الحكومات التى ساهمت في صياغة الشرق أوسطية. الأمر الآخر أن المنظمات الاقليمية مثل الاتحاد المغاربي, مجلس التعاون الخليجي, هذه أمور لها جذور في ميثاق جامعة الدول العربية, إذ ينص الميثاق صراحة على أنه لا يمنع قيام تعاون مشترك خاص بين بعض الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية.. ويعتبر خطوة في تحقيق الوحدة العربية بعيدة المدى.. وربما في رأيى الشخصى ان ذلك خطأ لأن تطور هذا النوع من الأنظمة الاقليمية قد أدى الى نوع من الانفصال بين المشروع الوحدوى الكبير, وبين التوجه الاقليمي. * : بالوقت ذاته نشهد نشاطا ملحوظا للجان الثنائية المشتركة.. هل هذا سيضيف أم أنه سيكون عاملا معوقا؟ ــ د. زكريا: أعتقد أنه عامل ايجابي, وما تم في اطار انشاء اتفاقيات تجارة حرة مشتركة هو أمر ايجابى ومطلوب, وهو يعاون ولا يعطل أبدا. دعم الانتفاضة ــ السفير صالح عبده صالح: فيما يتعلق بالحديث عن صندوقى القدس والانتفاضة, أقول انه بالفعل اجتمع وزراء المالية, واتفقوا على آليات, والسلطة الفلسطينية ممثلة في كل هذه اللجان والآليات. * : الشعب الفلسطيني يموت كل يوم منذ خمسة أشهر والى الآن لم يسدد كل الدعم المقرر القمة العربية تحدثت عن مليار دولار, لكن ما تم الالتزام به فعلا نحو 676 مليون دولار, وما تم تسديده حوالى 267 مليون دولار, وبعد انشاء الآليات فإن ما ذهب الى الفلسطينيين بشكل فعلى أقل من 50 مليون دولار! ــ د. زكريا: أريد توضيح أن ما تم اقراره هو 200 مليون دولار للانتفاضة, و800 مليون للقدس, والبنك الاسلامى يقول أن القدس تحتاج الى أعمال انشائية, وهى أمور تأخذ وقتا بطبيعتها.. أما دعم الانتفاضة فهذا لابد أن يتم بسرعة, ولا أقول أنه ليس هناك خطأ وتباطؤ ولكن أقول أنه تم لقاء بين الأمين العام ومدير البنك الاسلامى لدفع الدعم, وعاتب الأمين العام مدير البنك وقال له أنه من غير المقبول الروتين, والتباطؤ لايصال دعم الانتفاضة, ولا يجب تحت أى ظرف أن يقف أى شئ حجر عثرة في سبيل إيصال هذه الأموال. * المفارقة الكبرى أن اسرائيل تسلمت في نهاية الشهر الأول للانتفاضة من الولايات المتحدة الأمريكية 900 مليون دولار لتغطية نفقات تسليحها!. ــ د. زكريا: وكذا 60 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي. * : ألا يكون شيئا مخجلا أننا لا نستطيع بعد نصف عام من الانتفاضة تسليم 200 مليون دولار فقط للفلسطينيين.. بينما المصاب الواحد من ضحايا الانتفاضة يتكلف علاجه ومتابعته عشرات الآلاف من الدولارات بسبب رصاصة واحدة من رصاصات الدمدم. د.زكريا: هناك دول قامت بمبادرات فردية جيدة, مثل السعودية التى سلمت الفلسطينيين (30 مليون) دولار نقدا. امتحان للجميع * في الحقيقة الأوضاع كلها مأساوية, ولكن أعتقد أن اجتماع القمة القادم مقدر له أن يكون امتحانا للجميع.. للحكومات العربية, وللجامعة العربية. ــ د. زكريا: أود الاشارة الى أن ما ذكره الإخوة بشأن وجود لجنة المتابعة, وأنها تقلص دور الجامعة, في غير محله, لأنه كان مقصودا أن تكون لجنة المتابعة على مستوى وزراء الخارجية, والأمين العام للجامعة جزء من هذه اللجنة, والأمانة العامة كهيكل ادارى تكون سكرتارية للجنة المتابعة, نحن الذين ننفذ, ونحن الذين نحضر للاجتماع ونرتب له. * نحن الآن نلحظ وجود جهود أمريكية لتعطيل اجتماع القمة القادمة, أو افسادها بطرح قضية العراق كهدف أول للسياسة الأمريكية, ومحاولة فرض الأمر على المنطقة اضافة الى تمييع الموقف داخل الأرض المحتلة, والمطالبة بانهاء الانتفاضة لصالح شارون. ــ د. زكريا اسماعيل: (قمة عمان) المقبل, كنا وما زلنا نأمل في أن تكون قمة المصالحة العربية, ولكن الأمريكيين أرادوا أن يعطلوا هذا, فجاءوا وتعمدوا الانطلاق بطائراتهم من الكويت والسعودية لضرب العراق, من أجل أن تقوم القيامة في العراق من جهة, والسعودية والكويت من جهة أخرى, وتتعطل المصالحة العربية ــ العربية, وهذا أمر مؤكد بنسبة 100%.. لماذا كانوا ينطلقون من قاعدة (أنجيرلك) في تركيا, وتعمدوا الآن أن ينطلقوا من السعودية والكويت..!؟ هذه المرة بالتحديد كانت بهدف تعطيل المصالحة العربية العربية, وافشال القمة العربية القادمة. * : في الحقيقة أن السعودية والكويت بادرتا بنفى هذه الأنباء, التى كان مصدرها أمريكا نفسها.. إذن أميريكا تسعى لافشال القمة العربية, وهذه مصالحها.. كيف سيواجه العرب الأمر في القمة القادمة وأمام الحكام رأى عام غاضب اضافة الى الضغوط الأمريكية لفرض هذا المنطق في التعامل, وأمامهم شعب فلسطينى يباد, وعراق يتم تدميره, فكيف يتم التعامل مع هذه الأمور على جدول القمة؟ ـ السفير وفاء حجازي: لا تستطيع أن تعرف قرارات الدول العربية, وإنما نستطيع أن نتساءل لو صمتت الدول العربية ماذا ستكون النتائج, ولو اعترضت ما هو المحتمل أن يحدث.. في اعتقادى أن الصمت سيؤدى بالحكومات العربية الى أزمة شديدة جدا, وستكون بين شقى الرحى.. الضغوط الأمريكية الاستعمارية, والشارع العربي الذى لابد أن يؤخذ بالاعتبار.. وفى تقديرى أن استمرار الصمت العربي على ما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية بنا سيكون نتيجته أن الشارع العربي سيشتعل والوضع لن يكون مريحا للحكومات, وستكون المنطقة في هذه الحالة تعانى من حالة فراغ.. بمعنى أنها تحكم من الخارج, ولا تقرر سياساتها من الداخل.. والفراغ لابد أن يؤدى الى تصدعات للحكومات.. وما من شك أن الصمت سيكون باهظ الثمن, وكذلك عدم الصمت أيضا.. فمثلا أتصور أن الخطوة القادمة لابد وأن تكون ابداء الدول العربية استيائها واستنكارها لهذا الموقف الأمريكي, وتعبر عنه بشكل جماعى وليس بشكل فردي.. وهذا بحد ذاته ينشيء نوعا من التضامن الذي قد يخفف الضغط من على الدول العربية, وفى هذه الحالة قد تشعر أمريكا أنها تعادى منطقة بأنظمتها وبحكامها, وشعوبها.. إنما كيف يكون الاستنكار.. هل مجرد اصدار بيان؟.. لابد من اتخاذ موقف حيال العمل الأمريكي.. ومن الممكن أن يتم ذلك عن طريق اتخاذ قرار جماعى بالامتناع عن تطبيق العقوبات على العراق, وإنهاء مقاطعة العراق. ــ د. زكريا: هذا يحدث الآن على أرض الواقع, ونذكر منه قيام منطقة تجارة حرة م