بيان الاربعاء: ليس هناك من يماري في أن الانتفاضة الفلسطينية, وما يتعرض له أهلونا في الأراضي المحتلة من إرهاب وحشي يواجهونه في بسالة بصدور عارية وأكف لا تحمل من سلاح سوى الحجر, فضلا عن تمادي الصهاينة في خطط الاستيطان والتهويد وتدنيس المقدسات أثارت غضبة الشارع العربي ودفعت بالقضية الفلسطينية إلى صدارة الهم العربي, الأمر الذي ينتظر معه أن تحظى بنصيب الأسد من اهتمام القادة العرب في مؤتمر القمة المقبل. بيد أن تركيز الاهتمام على قضايا الحق العربي في فلسطين لا يعني التقليل من أهمية الهموم العربية على أصعدة أخرى, وأبرزها في الوقت الحالي قضية الحصار الجائر على الشعب العراقي . ربما كان علينا أن ندرك أخيرا أن جميع همومنا , وإن بدت متنوعة, يربطها معا قاسم مشترك وهو أن المستفيد الرئيسي من استمرار هذه الهموم طرف واحد كما أن من يعاني منها هو العالم العربي بوجه عام. ولعل جولة باول وزير الخارجية الأمريكي في المنطقة مؤخرا أظهرت كيف أن القوى الخارجية ذات المصالح في المنطقة سادرة في ترتيب أوراقها, استعدادا لمرحلة جديدة من مراحل إعادة هيكلة وهندسة المنطقة على نحو يضمن لها السيطرة على جميع الخيوط, دون تركيز على قضية دون أخرى , فالخيوط متشابكة ومتداخلة, غير أن الولايات المتحدة تدرك تماما ارتباط القضايا جميعها بعضها ببعض, رغم أنها تحاول دائما الإبقاء على التناول العربي للقضايا مجزأة بما يتيح لها استخدام أدوات الضغط المتنوعة في كل قضية على حدة ومع أطراف عربية فرادى. والأمر المؤكد أن إعطاء كل قضية على حدة حقها من الدراسة والبحث وترتيب أوراق الضغط العربي لا يتعارض مع أهمية وحدة المنظور والمعالجة التي ينبغي اتباعها مع مختلف القضايا. كما أن محاولة التوصل إلى موقف يشمل أهم القضايا الملحة حاليا مجتمعة لن يؤدي إلى تشتيت الجهد العربي , بل على العكس من ذلك سيزيد عدد أوراق الضغط لدى الجانب العربي, الأمر الذي يزيد من فرص تحقيق الحد الأقصى من المكاسب في كل قضية على حدة. صدام ذريعة ومن أبرز قضايا الهم العربي في هذا الوقت قضية استمرار الحصار على الشعب العراقي الذي يدفع منذ 11 عاما ثمن خطأ لم يكن له ذنب فيه. فمازالت الولايات المتحدة تستخدم وجود الرئيس صدام حسين على قمة النظام العراقي ذريعة لمواصلة تجويع الشعب وتدمير البنية الاقتصادية والعسكرية لدولة كانت تسمى يوما ما البوابة الشرقية للعالم العربي. وبصرف النظر عن أن تغيير نظام الحكم هو في الأساس شأن داخلي, فجميع الشواهد تؤكد على أن واشنطن لا ترغب بالفعل في تغيير نظام الحكم العراقي لتظل حجتها قائمة لإدامة وجود قواعدها العسكرية بالمنطقة. المشكلة ليست في النظام العراقي, ولا يعقل أن يحاكم شعب وتفرض عليه العقوبات لمجرد أنه لم يتخلص من حكامه المستبدين وإلا كان على أمريكا أن تفرض العقوبات على شيلي مثلا تحت حكم الديكتاتور بينوشيه, وعلى إندونيسيا تحت حكم الديكتاتور سوهارتو, او زائير تحت حكم الديكتاتور موبوتو سيسي سيكو. لا شرعية ولا دولية ولا تتعلق المسألة بالشرعية الدولية لأن مناطق الحظر الجوي في العراق لم تحدد بقرار من الأمم المتحدة, أن الغارات الجوية على العراق لم تكن تنفيذا لقرارات مجلس الأمن مثلا وإنما هي رغبة أمريكية بالأساس. لا ينكر أحد حجم الجرم الذي ارتكبه العراق بإقدامه على غزو الكويت, لكن أمريكا كما تؤكد الشواهد كل يوم لا يعنيها أمر الكويت في شيء وإنما كل ما يعنيها هو تقطيع أوصال العراق للحيلولة دون استعادته لقوته الإقليمية التي كان ينبغي أن تكون سندا للجبهة العربية لا ذريعة لتمزيقها انصياعا لسياسة (فرق تسد) التي بدأتها أمريكا نفسها يوم سربت تقارير للعراق تفيد استغلال الكويت لآبار نفط عراقية ويوم أعطت الضوء الأخضر له للقيام بغزو الكويت. ورغم أن ذلك كله لا يبرر انصياع العراق للإغراءات الأمريكية إلا أن العراق ناله ما يكفيه من عقوبات حتى الآن ولايعقل أن تدوم هذه العقوبات للأبد. وإلا فما هي العقوبات التي يتعين أن تفرضها إسرائيل على عصابة اسمها إسرائيل احتلت دولة اسمها فلسطين وشردت أهلها وسلبت أملاكهم ولم تخرج منها حتى الآن. وأين هي الشرعية الدولية التي تشكل قوات التحالف لتحرير فلسطين. وإذا كانت واشنطن ترعى عملية التسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين وتدعوهم لتجاوز عداءات الماضي وقبول التعايش السلمي, فلماذا لا ترعى عملية مماثلة لتسوية الخلاف الكويتي العراقي ويتم فيها بحث القضايا المختلف عليها مثل قضية الأسرى أو المفقودين على الجانبين. المصالحة والضوابط وتشير الأنباء التي سبقت عقد القمة إلى خلافات ثارت بين وزراء خارجية الدول العربية بشأن اقتراح باتخاذ موقف من قضيتي الحصار الاقتصادي والحظر الجوي على بغداد, وتقرر بدلا من ذلك طرح بند باسم (الحالة بين الكويت والعراق) على جدول أعمال القمة. ويبدو هذا الحل محبطا بعض الشيء, حيث لا يشير المنطق إلى وجود تعارض بين بحث مسألة المصالحة أو تنقية الأجواء بين البلدين العربيين, وبين بحث سبل اتخاذ موقف ضد عمليات اعتداء غير مبررة ولا تستند إلى أي سند من قرارات الأمم المتحدة مثلا تشنها الولايات المتحدة وبريطانيا على بلد عربي, أو فرض حظر جوي بقرار أمريكي فردي على قطر عربي, فهذه الاعتداءات والعقوبات مثل ما هي ضد العراق, لن تكون أبدا لصالح الكويت. وإذا نظر القوم نظرة بعيدة المدى لأيقنوا أن استعادة العراق لقواه ومكانته داخل الحظيرة العربية وتحت إشراف عربي مع تفعيل آلية عربية لحل النزاعات تصب في نهاية المطاف في صالح العالم العربي ككل وجيران العراق العرب ومنهم الكويت بالقطع الذين لن يفيدهم ــ بل أنه يضرهم بالقطع ــ وجود العراق ممزق الأوصال يتناوش أهله الجوع والمرض واليأس فتدفعهم إلى القيام بعمل يائس للخروج من أزمتهم. كما لن يسعد جيران العراق أن يتولى القيادة في العراق بعد عشر سنوات مثلا جيل تربى تحت وطأة الحصار والمعاناة الإنسانية وتراكم لديه يقين بأن أقرب جيرانه ظلوا دائما حجر عثرة في طريق محاولات إخراجه من أزمته. التسوية هنا ينبغي أن تسير على ركيزتين: أولا: بحث سبل تحقيق مصالحة عبر حل قضايا الخلاف بين الدولتين وأولها مشكلة الأسرى والمفقودين على الجانبين مع وضع الضمانات والآليات (العربية) التي تضمن عدم تكرار ما حدث . ثانيا: الوقوف بحزم ضد محاولات تأبيد العقوبات على العراق أو القيام باعتداءات غير مشروعة على أراضيه, ورفض مسألة الحظر الجوي والتصدي لها, ومساعدة العراق على العودة إلى الصف العربي إضافة للقوة العربية لا تشتيتا لها. بقلم: إكرام يوسف