بيان الاربعاء : نجح أبطال الحجارة في فلسطين في إلهاب مشاعر الشارع العربي مرة أخرى وضخ دماء الشعور القومي في عروق كادت أن تجف بفعل تيبس عضلات الرقبة من طول انحناء الرأس. ودفع الغضب العربي العام، الحكام العرب إلى الاستجابة لصوت الجماهير العربية المطالبة بموقف رسمي فاعل لدعم الحق الفلسطيني. كما ساهمت استهانة الإسرائيليين وحلفائهم بالمطالب العربية في إدراك القادة لأهمية توحيد المواقف للخروج من حالة الهوان التي نجمت عن تفتت وحدة الصف العربي. احتلت القضية الفلسطينية مكان الصدارة على جدول أعمال القمة العربية المقبلة, باعتبارها الأكثر سخونة بفضل ما تحمله من تطورات ربما كل ساعة مع تزايد سقوط الشهداء وتمادي الإسرائيليين في غيهم تحميهم المظلة الأمريكية ذات الشرعية (الدولية!) .وتتمتع القضية هذه المرة بقدر لا بأس به من الاتفاق العربي ــ الرسمي بالتحديد ــ فجميع التصريحات المعلنة تؤكد على الإصرار على عروبة القدس وحق اللاجئين في العودة وعدم التفريط في السيادة على الأماكن المقدسة. ومن هنا يتعين على القمة العربية أن تصدر قرارات واضحة ومحددة فيما يتعلق بدعم الفلسطينيين على الصعيدين السياسي والمادي. فعلى الجانب السياسي: اصبح من اللازم أن نعيد النظر في الخطاب السياسي والإعلامي العربي المتعلق بالقضية, فعلى سبيل المثال, صار من اللازم أن ننحي جانبا مقولة ظلت تتردد لأكثر من ربع قرن حتى الآن حتى اهترأت ولم يظهر لها أي جدوى على أرض الواقع حتى الآن, وهي (أن علينا أن نتمتع بضبط النفس والمرونة وإظهار أقصى قدر من التعقل والاعتدال حتى نفضح الجانب الآخر ونكشف أمام العالم عدم رغبته الحقيقية في السلام), والحقيقة أن هذا المنهج الذي كان وراء تقديم العديد من التنازلات من أهم أسباب الموقف المزري الذي أصبحنا فيه الآن. نفضح من أمام من؟ لقد أظهرت جميع التطورات منذ الاعتراف الضمني العربي ــ لأول مرة ــ بحق اسرائيل في الوجود طبقا لقرار القمة العربية التي عقدت في فاس يوم 25 نوفمبر 1981 الذي طالب بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم مع الاعتراف (بحق جميع دول المنطقة في الوجود في إطار قرارات الأمم المتحدة), وحتى توقيع اتفاقات (السلام) معها من كامب ديفيد إلى أوسلو ومدريد وشرم الشيخ وما إلى ذلك, أن إسرائيل تتقدم خطوتين على الأقل كلما تراجع أمامها العرب خطوة واحدة. وان (العالم) لم يعد يعنيه, ولا يأبه كثيرا لسلام (الشجعان) ولكنه سيعمل ألف حساب لمواقف الأقوياء. دولة إلى زوال علينا أن ندرك جيدا أن إسرائيل بالفعل هي الأكثر احتياجا للسلام, فهي تدرك على حد قول أستاذنا الدكتور إبراهيم صقر ــ عليه رحمة الله ــ في محاضرات العلوم السياسية إنها (دولة إلى زوال), لأنها تفتقر إلى المقومات الحقيقية للدولة ولا تستطيع الاستمرار في العيش دون الحقن المستمر لها بالمساعدات الخارجية. ومن هنا ينبغي على العرب أن يستعيدوا أوراق اللعبة التي تركوها طويلا في أيدي غيرهم, ويدركوا أنهم ــ لو خلصت النوايا ــ هم الذين يستطيعون الضغط لتحقيق المكاسب . كما يتعين أيضا التخلي عن مقولة أن السلام هو خيارنا الوحيد, وعدم التطوع بالتخلي عن خيارات استعمال القوة العسكرية الأمر الذي لم يكن هناك داع لإعلانه في كل مناسبة بينما لم يتبرع الجانب الآخر بإعلان تخليه عن السلاح, إلا إذا كنا مازلنا مصرين على أن نكشف للعالم الموقف الإسرائيلي الرافض للسلام, وماذا بعد؟. أين هذا (العالم) الذي نحرص على أن نبدو أمامه في صورة العقلاء المهذبين الجانحين إلى السلام مهما (جاوز الظالمون المدى)؟ وإذا لم يكن هذا العالم قد اكتشف بعد استمراء إسرائيل للعدوان فبعد أي مدى من التنازلات العربية يمكن أن يكتشف هذه الحقيقة؟ المقاطعة علينا إذن الكف عن هذه النظرة الدونية التي تدفعنا دائما لالتماس رضا الآخرين, فنحن أصحاب الحق ولدينا مقومات القوة التي تتيح لنا ممارسة الضغوط, ومن أبرزها إعادة تفعيل قرارات المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل التي بدأت بقرار مجلس الجامعة العربية في ,1951 بل وسلع الدول الأخرى التي تدعمها وتعزز قدرتها على العدوان. ولعل لجوء إسرائيل إلى إنشاء جهاز لمكافحة المقاطعة والحد من فعاليتها , والحملة المحمومة التي يقودها اللوبي الصهيوني في مختلف الدول الأجنبية للضغط على الشركات التي تستجيب لدعاوى المقاطعة العربية لهما أبلغ دليل على قوة تأثير سلاح المقاطعة الذي يكلف إسرائيل خسائر سنوية تعدت الثلاثة مليارات دولار طبقا لما أظهره أحدث تقرير قدمه مكتب المقاطعة العربية إلى مجلس وزراء الخارجية العرب. ولا ينبغي استصعاب فكرة مقاطعة السلع الأمريكية أو البريطانية, فلدينا البدائل في سلع دول أوروبية أو آسيوية أخرى إن لم يكن قد آن أوان انتهاج سياسات الاعتماد على الذات. ولن تستطيع أي من واشنطن أو لندن أو تجرؤ على أن تفرض العقوبات على الدول العربية مجتمعة بالقطع إذا وجدتا أمامهما موقفا موحدا بالفعل. ثمن التضحيات كما يتعين على القمة العربية أن تبحث سبل تدعيم الانتفاضة الفلسطينية وإطالة أمدها إلى أن تنجح في تحقيق أهدافها بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس , دولة حقيقية ذات سيادة تساوي قيمة ما دفع ثمنا لإقامتها من تضحيات, وينبغي في هذا الصدد الكف عن مماحكات الدعوة لحقن الدماء الفلسطينية , لأن الفلسطينيين , كما قال الرئيس بشار الأسد في قمة القاهرة الماضية, لم يشعلوا انتفاضتهم من أجل حقن دمائهم وإنما لانتزاع حقوقهم التي اغتصبت بالقوة ولن تنتزع بالفعل إلا بالقوة, ولو كان هم الفلسطينيين حقن دمائهم لما أشعلوا الانتفاضة من أول الأمر مثلما قال الرئيس السوري. وليعلم الجميع أن هذه التضحيات التي قدمت لن تقبل ثمنا لها أقل من الاستقلال الحقيقي وإنهاء الاحتلال على الأراضي المغتصبة منذ 1967 على الأقل كخطوة أولى. ويأتي الدعم المالي في مقدمة صور دعم الانتفاضة, وإذا علمنا أن حجم الخسارة الاقتصادية للأراضي الفلسطينية بلغ ثلاثة مليارات جنيه لتبين قلة حجم المعونات العربية التي قدمت بالفعل حتى الآن, ولا يصلح في هذه الأجواء التحجج بوجود فساد داخل صفوف السلطة الفلسطينية ــ الأمر الذي لا يمكن نفيه بالفعل ــ كذريعة لعدم تقديم الدعم المالي لعلاج الجرحى واسر الشهداء فضلا عن إصلاح البنى الأساسية للاقتصاد الفلسطيني وتدبير فرص العمل للفلسطينيين لحمايتهم من الحاجة إلى العمل لدى الإسرائيليين في بناء المستوطنات ومشروعات تهويد المدن الفلسطينية كوسيلة لسد الرمق. وعلى القمة العربية أن تبحث عن آلية تضمن مراقبة وصول الدعم العربي لمستحقيه, بدلا من التستر وراء حجة الفساد للتقاعس عن تقديم الدعم. بقلم: إكرام يوسف