بيان الاربعاء : اشرأبت أرواح الشهداء.. حبست الثكالى والأرامل الدموع في مآقيهن .. عض شباب العرب على نواجذ الترقب وحبس شيوخهم الأنفاس وأطرقوا انتظارا. فرغم جميع الشكوك الناجمة عن تجارب ماضية, ومعطيات واقع مادي يثير الألم بأكثر مما يضيء شعاع الأمل, مازال الكثيرون يتشبثون ببصيص من تفاؤل, أو لعلهم ارتأوا أن يتيحوا لحكام الأمة فرصة أخرى ــ يخشى أن تكون الأخيرة ــ قبل فوات أوان إضفاء مصداقية ما على مؤتمرات القمة العربية. وبقدر ما تمور مشاعر الترقب في الشارع العربي, بقدر ما ترقب الأحداث ــ أيضا ــ أعين شريرة خبيثة, لن تغمض لها جفون إذا لاحت بوادر تقارب عربي, وتتوجس نفوس لئيمة, حلى لها طويلا أن تتمرغ في مكاسب جمة جنتها من نجاح سياستها القديمة/الجديدة (فرق تسد) وتتأهب لتحارب بكل ضراوة, وتقمع بأقصى ما تملك من شراسة ودهاء ــ معا ــ أي خطوة على طريق انتهاج سياسات أكثر استقلالية, تفضي ــ مثلما هو مأمول. إلى أن يأخذ العرب بناصية أمورهم لتستقيم لهم السيادة على مقدراتهم؛ دفاعا عن الحق العربي والكرامة العربية, والحلم العربي الذي نأمل ألا يتبدد ــ لاقدر الله ــ أضغاثا. لعلها القمة الأولى, منذ قمة أنشاص ,1946 التي لا يكون الدافع إليها رد فعل لتفجر حدث من الأحداث, وإنما تأتي كأول قمة عادية ضمن آلية الانعقاد الدوري العادي المتفق عليها في قمة القاهرة 2000 . بيد أن اجتماع القمة العربي الذي يحل بعد أيام حاملا رقم 26 بين اجتماعات القمة التي شهدتها الساحة العربية خلال أكثر من نصف قرن يجيء وسط زخم من التطورات والأحداث المتلاحقة, على كافة الأصعدة والقضايا, بما يفرض على القادة العرب ضرورة الارتفاع إلى مستوى التحديات, واغتنام الفرصة لاستعادة زمام الفعل والمبادرة, وتصحيح أوضاع وضعت أوراق قضايانا بالكامل في أيد لا تعنيها مصالحنا ولا يضيرها ضياع حقوقنا إن لم يكن يفيدها في المقام الأول . ورغم أن الحكمة تقتضي عدم المبالغة في التفاؤل وانتظار تغيرات جذرية يتمخض عنها اجتماع القمة المقبل في المواقف العربية, إلا أن خطورة التحديات التي تواجهها المنطقة ككل تفرض ضرورة أخذ الأمور بما يناسبها من جدية وحسن تقدير للمسئولية, وقراءة عاقلة لدروس التاريخ التي أوصلتنا لما نحن فيه والأخذ بأقصى ما نملك من سبل تحقيق التقارب سعيا لإعادة توحيد الصف بما يعيد للكتلة العربية وزنها على خريطة العالم. نظرية المؤامرة فليس بخاف على أحد أن وزر حالة التفتت العربي المزمنة منذ قرابة ثلاثة قرون يقع في المقام الأول على عاتق جميع الدول العربية, مع تفاوت قدر المشاركة في الوزر بالطبع. بيد أننا لا ينبغي أن نغفل أن أهم ثلاثة أحداث أسهمت في هذا التفتت لعبت فيها أصابع أجنبية دورا مؤثرا في تحويل مجريات الأمور على نحو أتاح للقوى الأجنبية ــ الأمريكية في المقام الأول ــ بسط هيمنة طاغية تتيح لها تسيير دفة الأمور بما يحقق مصالحها ومصالح حلفائها على حساب أصحاب المصالح الحقيقيين؛ وهذه الأحداث الثلاثة هي زيارة السادات للقدس, والحرب العراقية الإيرانية, وغزو العراق للكويت وما تلاه في حرب الخليج الثانية. ولا نجد غضاضة في تبني نظرية المؤامرة ــ التي يتبرأ منها الكثيرون, بعدما نجح إعلام المتآمرين في جعلها نظرية سيئة السمعة تسم من يتبناها بالتخلف وضيق الأفق ــ فواقع الحال يؤكد أن المستفيد الأول من الأحداث الثلاثة السابق ذكرها هو الولايات المتحدة التي ساهمت هذه الأحداث في تكريس مركزها كقطب أوحد يسيطر على مقادير العالم ووقائع التاريخ تكشف أن الدور الأمريكي في الأحداث الثلاثة كان المحرك الأساسي وراء وقوعها ومعد سيناريوهات تطورها. فتؤكد الوقائع أن زيارة السادات للقدس ساهمت في إخراج مصر من الصف العربي طوال عقد كامل خسر فيه العرب ريادة مصر وثقلها وخسرت فيه مصر الدعم والعمق العربي, كما أثرت الحرب العراقية الإيرانية على قدرات دولتين كان لهما دورهما المؤثر في الجبهة التي تشكل تهديدا لإسرائيل بالذات وبالتالي للمصالح الأمريكية, وجاء الغزو العراقي للكويت ــ الذي لم يعد سرا أن واشنطن كانت محرضة عليه ــ ليجهز على ما تبقى من تضامن عربي, بعدما تقدمت الولايات المتحدة صفوف القوات الدولية (والعربية) في حرب تحرير الكويت/حرب الخليج الثانية, وتحقق لها أخيرا حلم ظل يراودها طويلا وهو وضع أقدامها عند منابع النفط العربي الذي ذاقت الأمرين من استخدامه سلاحا ضدها في حرب 1973 ويذكر من عاش هذه الفترة كيف سقى سلاح النفط العربي قوى الغرب مرارة الذل والهوان في تلك الفترة. الشرعية الأمريكية وجاءت حرب الخليج الثانية مع انهيار الكتلة الاشتراكية وانفراد الولايات المتحدة بالسيطرة على العالم, فأعلن الرئيس بوش ــ الأب ــ في ثقة, قيام النظام العالمي الجديد, الذي صارت له آلياته الخاصة في حل القضايا, وفرض العقوبات, وكلها في نهاية الأمر صناعة أمريكية فرضت على العالم أن يتجرعها باعتبارها أمرا واقعا من يخرج عليه يكون خارجا على الشرعية الدولية, التي لم يتوقف العالم كثيرا عند تعريفها ولم يحاول أحد تحديدها بدقة, فإذا بها في حقيقة الأمر شرعية أمريكية تكيل بمكيالين دائما, وتلوي أعناق الحقائق بما يضمن تأبيد يدها الطولى القابضة على مصائر الشعوب وثرواتها. ولم تأل واشنطن ــ وحلفاؤها ــ جهدا في مواصلة تضييق الخناق على أدنى احتمالات نهوض العالم العربي من الهوة التي وقع فيها, وسعت حثيثا إلى كافة السبل التي تحقق حلمها في طمس الهوية العربية بما يضمن لها تقويض أي فرصة لحدوث تقارب عربي, فعمدت إلى استغلال كافة فرص إثارة النعرات الإثنية والطائفية والقطرية لضمان انشغال الدول العربية بالتناحرات الداخلية عن تحقيق الحلم القومي الذي كان: فمن استمرار الطرق على الصراعات الطائفية في لبنان, ومصر, والجزائر إلى إذكاء نيران خلافات الحدود من المغرب العربي إلى الخليج والحرب الدائرة في السودان بين شماله وجنوبه. فضلا عن استخدام بعض دول الجوار لاستنزاف قوى العرب وصرف أنظارهم عن قضايا التقارب العربي مثل اقامة تحالف بين تركيا وإسرائيل, و إثارة الخلاف بين اريتريا واليمن على جزر حنيش, وغيرها. كما سعت إلى طرح تكتلات بديلة أملا في تذويب الكيان العربي ضمنها مثل فكرة الشرق أوسطية الرامية إلى تأبيد غرس إسرائيل بين سدى ولحمة النسيج العربي ومعها تركيا وقبرص على نحو يحول دون استمرار وحدة النسيج, والفكرة المتوسطية الرامية إلى فصل الشمال العربي عن جنوبه. توجس وتملص ولعل هذه بالتحديد هي الأسباب التي تجعل الولايات المتحدة, وحلفاءها, يضعون أيديهم على قلوبهم توجسا كلما ارتفع صوت يدعو لقمة عربية, أو كلما بدت بوادر انفراجة في المواقف تحقق تقاربا عربيا. ولم تكن جهود الولايات المتحدة لتعطيل انعقاد قمم سابقة أو إفشالها خافية على المراقبين. فقد اعتادت أمريكا على الانفراد بكل دولة عربية على حدة, الأمر الذي أتاح لها مساحة واسعة لاستخدام سياسة (العصا والجزرة) مع كل من الدول التي تتعامل معها, ومن هنا فهي تدرك خطورة قيام تقارب ينذر ــ من وجهة نظرها ــ بخلق قرار عربي واحد قوي يتحدى الضغوط. بيد أن هناك بصيص نور يتبدى في نهاية النفق, بدت إرهاصاته في بعض التصرفات المستقلة عن الإرادة الأمريكية التي أبداها عدد من الدول العربية في مواجهة مبالغة الولايات المتحدة في غيها واستهتارها بالمصالح العربية والتهوين من الشأن العربي وتجاهل إبداء أدنى مظاهر الاحترام لمواقف العرب. ومن أمثلة هذه التصرفات رفض الرئيس المصري حسني مبارك حضور قمة واشنطن التي عقدها الرئيس السابق كلينتون بين عرفات ونتانياهو, ورفضه زيارة اسرائيل, فضلا عن سحب السفير المصري من اسرائيل مؤخرا, ومقاطعة العديد من الدول العربية مؤتمر الدوحة الاقتصادي الذي كان يهدف لتمرير مشروع الشرق أوسطية, ولن يكون آخر الأمثلة محاولات كسر الحصار الجوي المفروض على العراق. ورغم التهديدات الأمريكية المتعددة بالتلميح تارة والتصريح تارة أخرى, لاثناء القوى الفاعلة إقليميا عن محاولات التملص من النفوذ الأمريكي عبر التلويح بسلاح قطع المعونات أو استغلال صندوق النقد والبنك الدوليين للضغط ــ خاصة على مصر مع تكرار محاولاتها لشق عصا الطاعة ــ إلا أن الواقع يفضح عجز الولايات المتحدة الفعلي عن مواجهة أيا من هذه التصرفات التي يمكن اعتبارها ــ مع قليل من التحفظ ــ نوعا من أنواع تحدي الإرادة الأمريكية المنفردة وممارسة الفعل السيادي المستقل. بالون اختبار ولعل هذا يكون دافعا مشجعا للقادة العرب على تحطيم صنم الشرعية الدولية/الأمريكية, وإظهار قدرة على ممارسة الفعل المستقل, وإظهار الغضب المشروع على كل هذا التجاهل لحقوق العرب, بل والإعلان الجاد عن امتلاكنا للقدرة على معاقبة من يستهين بمصالحنا. وتجدر في هذا الصدد الإشارة إلى زيارة وزير الخارجية كولين باول للمنطقة مؤخرا التي نعتقد أنها كانت في المقام الأول بالون اختبار لقياس ردود الفعل العربي في حال استمرار اتباع سياسة البطش الأمريكية بمصالح الشعوب العربية في فلسطين والعراق وليبيا والسودان. وينسجم مع هذا عدم تصديقنا لاعتبار تصريح باول بأن القدس عاصمة إسرائيل من قبيل زلة اللسان , فالأمر بالتحديد ليس اكثر من قياس لرد الفعل العربي ووضع القرار العربي على المحك. ومن هنا تظهر ضرورة أن يدرك العرب أنهم هم الذين بمقدورهم ممارسة الضغوط وإملاء السياسات التي تراعي الشرعية الدولية الحقيقية ذات المعيار الواحد. ولتحذو القمة العربية حذو منظمة الوحدة الأفريقية في ضرب عرض الحائط بالعقوبات المفروضة على ليبيا. فكما يعلم الجميع لم تستطع واشنطن الوقوف في وجه القرار الأفريقي, مثلما لم تستطع أن توقف زحف طائرات التضامن مع الشعب العراقي. وكما لن تستطيع الوقوف في وجه غضبة حقيقية يبديها العرب لاستمرار الممارسات الوحشية الإسرائيلية تعلن وقف جميع اوجه التطبيع مع الكيان الصهيوني, وتهدد ــ جديا ــ بمقاطعة سلع الدول المشجعة له على المضي في غيه, وتنذر بقوة من يجرؤ على نقل سفارته على القدس, وتكسر كافة أشكال الحصار المفروضة على الشعوب في العراق وليبيا والسودان. قراءة الواقع وهذه كلها ليست من قبيل المواقف العنترية وإنما هي مواقف يملك العرب الوفاء بها, إذا أدركوا حقا قيمة ما يملكون, ويحتاجه الآخرون. فيجب إعادة قراءة الواقع قراءة صحيحة , لإدراك ضرورة أن نكون فاعلين وليس مفعولا بنا فنحن نملك السوق الضخمة التي يحتاجونها لتصريف منتجاتهم, والمواد الخام التي يحتاجونها لتشغيل مصانعهم , والنفط في الصدارة منها, فضلا عن الأيدي العاملة وغيرها من إمكانات لا ينبغي التهوين من شأنها. على القادة العرب أن يؤكدوا قدرة العرب على الفعل الموحد الذي يؤثر على مصالح الآخرين. ويجب الإشارة في هذا الصدد إلى أن تحقيق التقارب العربي, أو وحدة القرار العربي يتعين ألا تظل شعارات ذات مضامين عاطفية, فقد آن أوان إدراك أن السياسة تحركها المصالح في الأساس, لا العواطف, وأن المصالح العربية الاقتصادية والأمنية والسياسية لن يحميها إلا إحياء التكتل العربي وتعزيزه, وتذليل كافة العقبات في طريق هذه الغاية. ويتعين في نفس الآن ألا نغفل ترتيب الأوراق التي في أيدي العرب, أو ترتيب البيت العربي من الداخل, ولعل البداية الحقيقية بدأت بالفعل مع إقرار آلية اجتماعات القمة السنوية, ونترقب أن تلي ذلك خطوات جديدة على طريق تفعيل جامعة الدول العربية عبر تعديل الميثاق على النحو الذي يتيح اتخاذ القرارات الفعالة وضمان تنفيذها, وإيجاد آلية عربية لحل المنازعات تضمن عدم التدخل الأجنبي, وإنشاء محكمة العدل العربية. فضلا عن بدء خطوات فعالة لتحقيق حلم التكامل الاقتصادي القديم بإنشاء السوق العربية المشتركة. إن الأمر في حقيقته أيسر من الصورة التي يبدو عليها, فإذا كان لدى البعض آمال في تحقيق سلام وتفاهم مع إسرائيل, بل وتطبيع العلاقات معها, ويبذل في سبيل ذلك الكثير من الجهد ويطالب بالكثير من المرونة التنازلات, ألا يستحق تحقيق التقارب العربي/العربي بذل بعض هذا الجهد وإظهار بعض هذه المرونة؟ نخشى أن تكون هذه هي الفرصة الأخيرة التي تتاح للعالم العربي للخروج على العالم بموقف موحد فيما يتعلق بقضاياه يجعل الآخرين يعملون له حساب, ولسنا من السذاجة بحيث نتوقع إمكانية التوصل إلى إجماع أو اتفاق كامل على مجمل القضايا,وإنما المطلوب القدرة على الاتفاق على برنامج حد أدنى يرسم الخطوط العريضة للعمل العربي المتكامل في المستقبل. بقلم: إكرام يوسف