كان الانهيار الاخير في الاسواق المالية التركية نقطة تحوّل مهمة في أزمة الرأسمالية التركية, فالعواقب السياسية والاجتماعية لهذا الانهيار ستكون وخيمة. والجماعات الأكثر قوة ونفوذاً في البرجوازية التركية والعالمية تريد ، استغلال النقمة المبررة والواسعة النطاق في أوساط السكان على الفساد الرسمي, من أجل ادخال تغييرات واسعة على نظم الحكم في تركيا. في حين اعلنت وسائل الاعلام التركية ان الوضع السياسي والاقتصادي قد هدأ, بعد السماح بتعويم الليرة التركية, فإنه يتعين توقع العكس تماما, في المدى الطويل على الاقل. بل ان بعض المحللين يمضي الى حد عدم استبعاد حدوث انقلاب عسكري جديد بشكل معين. في التاسع عشر من فبراير الماضي, خرج رئيس الوزراء بولنت اجاويد (الحزب الديمقراطي اليساري) غاضبا من اجتماع لمجلس الامن القومي المتنفذ الذي يخضع لهيمنة الجيش, بعد مرور ثلث ساعة فقط على بدء الاجتماع. وقد تسبب اعلانه بان الدولة التركية تواجه ازمة حادة بهبوط حاد في بورصة أنقرة. واتهم أجاويد في تصريح متوتر احمد سيزار, الرئيس التركي غير المنحاز لاي من الاحزاب, باهانته. ومن جانبه, اتهم سيزار زميل اجاويد في الحزب وذراعه اليمنى, نائب رئيس الوزراء حسام الدين أوزكان بالتسبب بالتصعيد. لم ترتفع اسهم البورصة التركية من جديد وتنخفض اسعار الفائدة في البنوك الا بعد يومين, عندما اقدمت الحكومة التركية على تعويم الليرة (تماشيا مع وعود بالتمسك بالاجراءات التي اقترحها صندوق النقد الدولي) وقام كل من رئيس الوزراء والرئيس التركي ينفي الاشاعات التي دارت حول الاستقالة. وكانت أسعار الفائدة قد ارتفعت بشكل مؤقت بنسبة 500.7%. وبنهاية ذلك الاسبوع, كانت قيمة الليرة التركية قد هبطت بنسبة تقارب الـ 40%. وقد استهلكت الخسائر المالية للبنوك الحكومية, التي تصل الى مليارات الدولارات, نصف العوائد الضريبية المتوقعة لعام 2001. والحكومة التركية تريد أن تمضي قدما بمشروع خصخصة البنوك الحكومية. بينما يريد البنك المركزي ان يحافظ على سياسة ثابتة فيما يتعلق بالتشدد النقدي.. وبالنسبة للبنوك ونشاطات الاعمال الصغيرة, بشكل خاص, سيكون من الصعب على نحو متزايد ان تسدد ديونها بالعملة الصعبة. وقد رحب صندوق النقد الدولي بتعويم العملة التركية, غير أنه أوضح انه لن يقدّم أية اموال جديدة. وكان ممثلو صندوق النقد الدولي قد دعوا الحكومة التركية الى تعويم الليرة, بعد وقوع أزمة نوفمبر الماضي, ولكن بدون جدوى. وتدور روايات عديدة متباينة حول حقيقة ما جرى في اجتماع مجلس الامن الدولي. غير أن هناك أمراً واحداً واضحاً تمام الوضوح, وهو أن سيزار اتهم حكومة أجاويد بعدم التصرف بنشاط كاف ضد الفساد, وصرّح بأن أجاويد كان يغطي على أعضاء الوزارة الفاسدين, وألمح بذلك الى اوزكان ووزير الطاقة جمهور ايرسومر من حزب الوطن الام المحافظ, شريك الحزب الديمقراطي اليساري في الائتلاف الحكومي. ويعتبر الأخير الذراع اليمنى لنائب رئيس الوزراء وزعيم حزب الوطن الام مسعود يلماظ, الذي اجريت بحقه تحقيقات برلمانية عديدة ولكنها اوقفت العام الماضي في اطار صفقة تم التوصل اليها. كتبت صحيفة (فرانكفورتر راندشو) الالمانية تقول: (ان الرئيس التركي ربما اختار بعناية المنبر المناسب للتلفظ بتوبيخه لأجاويد. ويتوقع بعض المراقبين ان يكون قد اتفق على ذلك مسبقاً مع الجنرالات في الجيش. ويعتبر مجلس الامن القومي, المؤلف من عدد متساو من الساسة الحكوميين والجنرالات البارزين, الهيئة التي يمارس من خلالها الجنرالات الاتراك, نفوذهم الحاسم على الحكومة. ووفقاً للدستور, فان على مجلس الوزراء ان يعطي الأولوية للتوصيات الصادرة عن مجلس الأمن القومي). وتمضي الصحيفة قائلة: (لم يعرف عن حكومة مدنية معارضتها لقرار صادر عن مجلس الأمن القومي غير حكومة رئيس الوزراء الاسلامي نجم الدين أربكان, الذي تردد في عام 1997 في فصل المتشددين من الخدمة المدنية, كما طالب الجنرالات, وقد أقيل أربكان من منصبه على يد الجنرالات, وتم حظر نشاط حزبه من قبل المحكمة الدستورية التركية ومنع من تولي اي منصب سياسي). ومن الملاحظ ان جهتين مشاركتين مارستا شيئاً من ضبط النفس خلال المواجهة بين رئيس الوزراء والرئيس التركي وهما الجيش وممثلو حزب (م.هـ) او حزب (الذئاب الرمادية) كما يطلق عليه وفي وقت لاحق, توسط رئيس البرلمان عمر ايزجي من حزب (م.هـ) في عقد لقاء بين اجاويد والأمين العام لمجلس الأمن القومي, وهو جنرال في الجيش وفي أعقاب هذا الاجتماع, استبعد اجاويد حدوث اي استقالة من الحكومة, وتم تحديد موعد لاجتماع جديد لمجلس الأمن القومي في السادس والعشرين من فبراير الماضي. وبينما لم يصبح نائب رئيس الوزراء اوزكان هدفاً للانتقاد, الا مؤخراً, فإن هناك حملة تشن من قبل الجيش والصحف المقربة منه مثل صحيفة (حريات) ضد وزير الطاقة ايرسومر ونائب رئيس الوزراء يلماظ وهذه الحملة بدأت في مستهل شهر يناير الماضي. وفي اطار ما يسمى بـ (عملية الطاقة البيضاء) تم اعتقال مجموعة من المدراء والموظفين البيروقراطيين وكذلك وزير سابق من حزب الوطن الأم بسبب مخالفات في مشروعين غير مهمين للطاقة وقد تم تنفيذ العملية من قبل جهاز الشرطة التابع للجيش. وكانت صحيفة (حريات) التركية قد اقتبست تأكيداً استفزازياً نقلاً عن جنرال مجهول في جهاز الشرطة جاء فيه ان ايرسومر لم يبلغ بالعملية حتى آخر لحظة واضاف المصدر نفسه قائلاً ان اجراءات اقسى سيتم اتخاذها في المستقبل بحق الموظفين الحكوميين الفاسدين. وحصل تراشق عنيف بالكلام بين يلماظ من جهته الذي دافع عن ايرسومر وحذر من ديكتاتورية عسكرية وهيئة الاركان من جهة اخرى, الذين اتهموا يلماظ بـ (اهانة الجيش) وامتنع ايرسومر عن تقديم الاستقالة. وعلى الأقل يمكن اعتبار (عملية الطاقة البيضاء) ولو جزئياً حملة ضد يلماظ من قبل الدوائر العسكرية وكان الانقلاب (الصامت) من الجيش ضد أربكان في عام 1997 قد جعل عملياً من يلماظ رئيساً للوزراء واشارتهم الى تورطه في الفساد خلال الانتخابات الرئاسية العام الماضي لم تخف تحركاتهم ضده. وهناك مفارقة اكيدة في الحقيقة القائلة ان جهاز الشرطة يخضع رسمياً لسيطرة رجل من حزب الوطن الأم هو وزير الداخلية سعد الدين تنتان غير انه, شأن سيزار, يتمتع بصورة رجل نظيف اليد, يريد ان يتصرف بدون مساومة ضد الفساد. وقد اشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن الى ان تنتان وقع في مايو 2000 اتفاقاً على التعاون مع المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية, التي تتعاون ايضاً مع المركز الاوروبي للدراسات السياسية الذي يقع مقره في بروكسل وتجري المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية تحقيقات واسعة النطاق في الفساد وبتوجيه من تنتان, كان هناك العديد من العمليات الاخرى المشابهة لعملية الطاقة البيضاء التي تم في اطارها اعتقال عدد كبير من رجال الأعمال وافراد عصابات المافيا. وفي مؤتمر صحافي مشترك مع المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في الثلاثين من اكتوبر الماضي, وصف تنتان (اقتصاد الفساد) بأنه (التهديد الأكبر لتركيا) وقال ان: من سوء الطالع ان المشاركين الرئيسيين في نظام السرقة والنهب هذا قد اصبحوا اقوياء ومتنفذين في حياتنا العامة.. غير انهم لم يتمكنوا من القضاء على الحكمة السليمة لدى شعبنا الذي يبدأ الآن بتقرير مصيره بنفسه) وعلى المرء ان لا ينسى ان تنتان يمكن ان يكون اي شيء الا ان يكون مدافعاً عن الديمقراطية الشعبية فقد كان الوزير المسئول عن المجزرة التي وقعت بحق السجناء السياسيين اليساريين في ديسمبر الماضي. وفي حديثه امام البرلمان في نوفمبر الماضي, اعرب سيزار عن موقفه المعادي للفساد بالطريقة نفسها التي اتبعها تنتان وقال ايضاً ان الفساد هو المشكلة الرئيسية, معلناً ان (من اثروا من نظام فاسد يجب ألا يسمح لهم بعد الآن بالسيطرة على اقتصادنا). عن (ورلد سوشاليست)