اكدت اوساط اقتصادية في سوريا ان حجم التهرب الضريبي يبلغ فيها حوالي 29 مليار ليرة سورية تبعا لاحصائيات خاصة في عام 1993 على اساس ان ايرادات ضرائب ارباح القطاع الخاص كانت نحو 14.5 مليار ليرة. وقال سمير سعيفان الباحث الاقتصادي ان تقرير التنمية البشرية لعام 1999 الصادر عن الامم المتحدة يذكر ان العبء الضريبي في سوريا يبلغ 16% الا انه يجد ان هذه الارقام الاجمالية مضللة ولا تظهر الواقع, فالتهرب يتم في القطاع الخاص تحديدا, بينما تشكل ايرادات القطاع العام معظم الايرادات الضريبية وايرادات النفط لوحدها تشكل 50% من اكثر الايرادات الضريبية وبالتالي لابد من استبعاد قيمة ناتجها ومساهمتها كي نستخلص العبء الضريبي العائد للقطاع الخاص لوحده وقد اشارت ارقام وزارة المالية ان تحصلات ضريبة دخل الارباح للقطاعين العام والخاص وصلت عام 1997 اكثر من 59 مليار ليرة منها 46 مليار ليرة من القطاع العام و 13 مليار ليرة من القطاع الخاص اي ان القطاع الخاص يساهم بنسبة 22% من الايرادات الضريبية بينما تبلغ مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي نحو 50%, وتعزو وزارة المالية انخفاض نسبة العبء الضريبي الى الاعفاءات الواسعة التي تشمل نحو 50 ــ 60% من الناتج المحلي الاجمالي ولا تذكر اي دور للتهرب الضريبي في انخفاض النسبة, ينما نعتقد ان التهرب يلعب دورا يزيد على الاعفاءات بل ان بعض الاعفاءات الممنوحة قد منحت على نحو سهل وغير مبرر مما جعلها اشبه بالتهرب. واضاف انه نقدر التهرب الضريبي بثلاثة امثال ايراداته الفعلية الآن المحصلة من ضرائب دخل القطاع الخاص وان مبالغ التهرب لاتقل عن 50 مليار ليرة سورية ويعتقد ان اجراءات الاصلاح الضريبي يمكنها ان تخفض مبالغ التهرب الى النصف خلال عدد قليل من السنوات وتؤمن مورد اضافي لايقل عن 25 مليار ليرة سورية للخزينة العامة. وحول اشكال وطرق التهرب الضريبي اوضح ان التهرب الضريبي يتخذ عدة اشكال يمكن ان نؤطرها في البنود التالية: ــ كتمان النشاط كليا بحيث لا يصل عنه اي معلومات موثقة للدوائر المالية وبالتالي لا يدفع اية ضرائب على الاطلاق ويشمل ذلك جميع وكلاء الشركات الاجنبية الذين لا يوثقون وكالاتهم اصولا حيث يقدر حجم التهرب لديها حوالي اربعة مليارات ليرة سورية والمصانع والورش الصناعية وكل من يمارس نشاط يحقق له دخلا دون ان يعلم عنه الدوائر المالية. ــ اخفاء كل ما هو ممكن من رقم الاعمال في جميع بيانات مكلفي ضرائب الارباح الحقيقية وهذا يحدث خاصة في النشاطات الداخلية التي لا تدخل فيها الدولة كطرف ولاتمر هذه النشاطات على اي دائرة حكومية لاي سبب كان. ــ زيادة النفقات والتكاليف على نحو وهمي بقصد تقليص الارباح الظاهرة وبقصد التعويض عن تكاليف قوة العمل (الاجور). ــ تخفيض سعر بيع السلع والخدمات ما امكن ذلك بسهولة تزوير الفواتير ويلجأ لهذه الطريقة وتورد السلع حيث الكمية المستوردة موثقة لدى المالية في بياناتهم وهنا يوجد اشكالية فالمستورد يقوم عادة بتخفيض اسعار السلع في فواتير الاستيراد من اجل التهرب الجمركي. ــ تنظيم رخص استيراد باسماء اشخاص لا علاقة لهم بالتجارة وذلك بقصد الاستفادة من المعدلات المنخفضة لضرائب الشرائح الاولى. ــ مكلفو ضريبة الدخل المقطوع وتشمل هذه الفئة صغار التجار والحرفيين واصحاب المهن العلمية. ـ التهرب من ضريبة دخل الرواتب والاجور حيث يقوم اصحاب الاعمال في القطاع الخاص بعدم سداد ضريبة الاجور والرواتب عن معظم العاملين لديهم. ــ يقوم المكلفون بتقديم بيانات خاسرة او بارباح قليلة لاسباب عديدة منها تأخير دفع الضريبة ما امكن ربما لعدة سنوات الى حين قيام الدوائر المالية بمراجعتها وقبولها شكلا ورفض نتائجها وتكليف المكلف وفق مبدء التقدير وهذا التأخير يتيح للمكلف استعمال مبلغ الضريبة طيلة مدة التأخير. وعن آثار التهرب الضريبي اشار الباحث سعيفان الى ان التهرب الضريبي الواسع يؤدي الى نقص في موارد الدولة وبالتالي الى اضعاف قدرتها على القيام بواجباتها المختلفة, كما يدفع التهرب بالدوائر المالية للبحث عن مصادر اخرى لتأمين حاجة الدولة المتزايدة للانفاق وهذا ما يتم ملاحظته من خلال دراسة بنية الايرادات الضريبية على مدى عقد التسعينيات حيث ارتفعت حصيلة الضرائب غير المباشرة بوتائر سريعة مقارنة بضرائب الارباح الحقيقية من القطاع الخاص وقد لوحظ زيادات سنوية مضطردة من ضرائب الدخل المقطوع وفي رفع معدلات الرسوم بقرارات من وزارة المالية وفي التشدد في تطبيق رسم الفروغ للمحلات التجارية وفرض ضرائب التركات وغيرها. مثلا زادت حصيلة ضرائب الاجور والرواتب من 1.919 مليار ليرة عام 1991 الى 5.063 مليار ليرة عام 1997 اي 2.63 مرة. ويؤدي التهرب الضريبي الى بحث الدولة عن مصادر جديدة لتعويض مبالغ الضرائب المتهربة مثل تقليص دعم اسعار السلع والخدمات التي تقدمها الدولة او ينتجها القطاع العام عبر رفع اسعارها وخاصة عبر تعديل اسعار الصرف مما يعني ارتفاع ما يدفعه المواطن بالليرات السورية مقابل السلع والخدمات الحكومية, وادت فوات ايرادات التهرب الى اضعاف قدرة الدولة على الانفاق على الصحة والتعليم والخدمات العامة ما ترك اثاره السلبية على التنمية البشرية وقد تراجعت سوريا في ترتيب التنمية البشرية من 73 عام 1992 الى الموقع 111 عام 1997, ايضا قلص قدرة الدولة على تعزيز الانفاق الاستثماري الحكومي وعلى تأمين السيولة اللازمة لنشاط القطاع العام كما انه يخل بالعدالة الضريبية والمجتمعية حيث يصبح البعض يدفع والبعض الآخر لا يدفع مما يضعف العقد الاجتماعي. وقال ان هناك جملة عوامل تتضافر مع بعضها لتخلق وتتيح التهرب الواسع منها الآتي: ـ غياب الجانب الاقتصادي في اداء الدوائر المالية وتغليب وظيفة الجباية على الوظائف الاخرى . ــ شعور المكلف بارتفاع العبء الضريبي مقارنة ببلدان قريبة وبعيدة حيث ان المعدلات الضريبية السورية تعتبر من اعلى المعدلات في العالم وهذا احد الاسباب الطاردة للاستثمار حيث تصل معدلاتها من 60 ــ 63%. ــ ضآلة مبالغ الشرائح الضريبية التي تآكلت قيمتها بسبب التضخم على مر السنين دون ان يتم رفعها على نحو مماثل حيث يبلغ مجموعة الشرائح مليون ليرة سورية فقط. ــ قدم التشريعات الضريبية وتعارضها وتعقيدها وعدم وضوحها يفسح في المجال امام دور واسع للعامل الذاتي في تفسيرها وتطبيقها وبالتالي يتيح مجالا امام التدخل الفاسد. ــ عدم الشفافية في الاجراءات وعدم اعلان النسب والمعايير المطبقة في وزارة المالية على الملأ وعدم وضع ضوابط واضحة معلنة وعدم نشر ارقام التحصيلات الضريبية بحسب انواعها وعدم القيام بدراسات عن الضرائب والتهرب الضريبي. ــ غياب جهاز الاستعلام الضريبي وضعف قواعد المعلومات عموما والضعف التنظيمي للضرائب وعدم تطبيق رقم ضريبي موحد وعدم استخدام الفواتير وعدم وجود شبكة حاسوبية تربط سوريا بكاملها. ـ غياب جهاز مكافحة التهرب الضريبي وضعف الاجراءات العقابية بحق المتهربين والاكتفاء بالغرامة المالية تجعل التهرب مغريا. ــ ضعف الرواتب والحوافز للعاملين في الدوائر المالية الى حدود لا تضمن لهم حد معيشة لائق ولا تتناسب مع الدور الهام الذي يقومون به ومع الخبرات التي يتطلبها عملهم مما يجعل مقاومتهم للفساد ضعيفة.