الهاجس السوري يطارد عبدالإله ، واشنطن تتحمس لتحرك عراقي ــ اردني ـ تركي للاطاحة بالنظام في دمشق لم يثن الفشل المستمر الذي اصاب جهود العراق الدبلوماسية الأمير عبدالإله عن بذل مساعيه لضمان نجاح مشروع الاتحاد. لاسيما بعد وصول الاسلحة الروسية الى سوريا وعزم الاتحاد السوفييتي على ارسال خبراء لتدريب الجيش السوري, مما أثار مخاوف العراق, فضلا عن الولايات المتحدة وبريطانيا ودفع برئيس الوزراء نوري السعيد إلى الاعلان بأنه لم يبق من حل لهذه المسألة غير الحل الذي يأتيها من الخارج ويجب ان يأتي بسرعة. لذلك صمم الامير عبدالإله على الأخذ بزمام الامور في سوريا واقامة نظام موال له في دمشق بأي طريقة وبأي ثمن ولم يعد طموحه بامتداد الحكم الهاشمي الى دمشق هو الدافع الاول لذلك التصميم, بل برزت دوافع اكثر اهمية هذه الحقيقة هي التي اشار لها الباحث باتريك سيل بقوله: (في عام 1956 ومرة اخرى اتخذت الخطط الموضوعة لتغيير نظام الحكم في سوريا شكل ضرورة ملحة, فقد اصبح صراع نوري ــ عبد الناصر الذي قام حول حلف بغداد والذي شنه الطرفان بدون كلل أو ملل بواسطة محطات الاذاعات السرية والعلنية, اصبح هذا الصراع حربا حتى الموت. وبدا التقارب السوري ــ السوفييتي اكثر جدية يوما بعد يوم, بينما بدأت مناداة حزب البعث بوحدة سورية ـ مصرية تسبب الهلع في بغداد. وكان من الواضح انه ستكون هنالك حاجة الى شيء أكثر من الاساليب التقليدية اذا ما اريد ازاحة عبدالناصر عن سوريا وكبح جماح التسلل الشيوعي. وهكذا لم يكن هنالك بد من اقحام الجيش العراقي في التآمر على سوريا). الشيشكلي على مسرح الاحداث أثار التحول المضطرد في سياسة سوريا الخارجية, وحصولها على الاسلحة الروسية, قلق الأمير عبدالإله فدعا الى عقد اجتماع في البلاط برعاية الملك حضره رئيس الوزراء نوري السعيد وعدد من المسئولين السياسيين والعسكريين, لمناقشة ما قد يترتب على سياسة سوريا الجديدة من نتائج, واحتمالات تأثيرها في العراق. وبعد مناقشات مستفيضة اتضحت امام المجتمعين حقيقة مهمة مفادها انه (اذا لم يقم العراق بدعم الفئات المعارضة والمستعدة لقلب نظام الحكم السوري, فإن تلك الفئات سوف تتجه الى طلب المساعدة من جهات اخرى مثل فرنسا) من هذا المنطلق كلف الأمير عبدالإله اللواء غازي الداغستاني بالسفر الى سويسرا لاجراء اتصالات مع اديب الشيشكلي الذي طلب ارسال شخصية لمقابلته, والاتفاق معه على اسس العمل المقبل الذي سيقوم به بمساعدة الحكومة العراقية. وبعد ان التقى غازي الداغستاني بأديب الشيشكلي في سويسرا عاد الى العراق ونقل للأمير عبدالإله في اجتماع عقد في البلاط طلبات الشيشكلي التي تقرر قبولها, فأوعز الامير عبدالإله الى الداغستاني بالسفر الى بيروت لمقابلة الشيشكلي وتسليمه المبلغ المطلوب. وعلى الرغم من احجام الشيشكلي عن تحمل مسئولية قيادة الحركة الانقلابية فإن الاخبار التي نقلها الداغستاني الى الامير عبدالإله عن اجتماعه بالفئات السياسية التي كانت ستساهم بالمحاولة الانقلابية كانت مشجعة. لذا تكررت تنقلات الداغستاني بين بغداد وبيروت لنقل آراء المتآمرين السوريين الى الامير عبدالإله وتحقيق طلباتهم من المال والسلاح واشرف الامير عبدالإله بنفسه على الجهود المبذولة في هذا الخصوص. ولكن تلك الفعاليات انفضح امرها عندما وضعت السلطات السورية يدها على الاسلحة المرسلة للمتآمرين الذين جرت محاكمتهم وصدرت احكام الاعدام بحق من ثبت اشتراكهم في هذا المخطط فأرسل وزير الخارجية برهان الدن باش اعيان برقية الى الامير عبدالإله, الذي كان يومها في زيارة رسمية إلى الرباط, اقترح فيها أن يبحث الأمير عبدالإله مع الملك محمد الخامس امكانية استغلال نفوذ الملك سعود مع الحكومة السورية لتخفيف الاحكام المذكورة, مؤكدا ان الحكومة العراقية تبذل مساعي مماثلة مع بعض الدول العربية وكذلك مع الباكستان والولايات المتحدة. ادى تورط العراق في التآمر على سوريا الى تدهور العلاقات بين البلدين الى درجة كبيرة, وكان احد الاسباب المهمة التي دفعت بالمعارضة الى المطالبة بتنحية نوري السعيد عن الحكم. ولقد بذل رئيس الوزراء الجديد علي جودة الأيوبي جهودا كبيرة في تحسين العلاقات بين البلدين وردم هوة الخلاف والسير في طريق الحياد ازاء سوريا الا ان الامير عبدالإله استمر في دعم سياسة التدخل في شئون سوريا التي تبناها نوري السعيد بالرغم من ابتعاده عن السلطة رسميا. في الرابع والعشرين من يوليو 1957 رافق الامير عبدالإله الملك فيصل الثاني في زيارة لتركيا بحجة الاصطياف وقد استغل الساسة الأتراك وجود الأمير هناك لإثارة موضوع تسرب النفوذ السوفييتي الى سوريا بحضور ممثل عن الحكومة الامريكية. ففي السادس والعشرين من اغسطس 1957 اقيم حفل عشاء خاص في قصر (يلدز) في اسطنبول حضره من العراق الملك فيصل الثاني والأمير عبد الإله والدكتور فاضل الجمالي ووزير الدفاع احمد مختار بابان ورئيس اركان الجيش رفيق عارف. كما حضره رئيس وزراء تركيا عدنان مندريس ولوي هندسرن مساعد وكيل وزارة الخارجية الامريكية, والسفير البريطاني في انقرة, كرس الاجتماع لبحث الوضع في سوريا, وخطر تزايد نفوذ الاتحاد السوفييتي هناك. وكشفت المحادثات عن رغبة الولايات المتحدة اعطاء الفرصة لعمل يقوم به العراق والاردن باسناد تركيا للإطاحة بنظام الحكم القائم بدمشق. فقد أكد هندرسن استعداد بلاده لتقديم كل المساعدات المطلوبة للعراق في حالة قيام جيشه بالتدخل في سوريا لوضع نهاية للخطر الشيوعي هناك. تحمس الأمير عبدالإله للفكرة كثيرا, بينما ابدى احمد مختار بابان تحفظه عليها, وأوضح لهندرسن انه لم يتوقع إثارة موضوع سوريا في اسطنبول ويرى انه لا يحق لاحد التدخل في هذا الموضوع باسم العراق سوى مجلس الوزراء, فأثار كلامه نوعا من الوجوم, وبدت علائم الانفعال الشديد على وجه الأمير عبدالإله الذي لم يعلق بشيء على ذلك. الهاجس السوري ظل امر سوريا يتلبس الامير عبدالإله, وبلغ به الأمر ان يضع خطة ارتجالية قرر مناقشتها مع رئيس الوزراء علي جودة الأيوبي, فقطع زيارته الى تركيا وعاد الى بغداد في السابع والعشرين من اغسطس 1957. استندت الخطة على مراحل, ومنها التحريض على احداث شغب في سوريا ضد المسئولين الحكوميين, يتزامن مع تحرك قبلي واسع على الحدود, يمهّد لتدخل عسكري عراقي تحت ذريعة المحافظة على الامن يطيح بالفئة السورية الحاكمة. لكن الأيوبي شرح للأمير عبدالإله المخاطر التي قد تنجم عن التدخل في امور سوريا بالقوة وتأثير ذلك على وحدة الصف العربي كما استدعى الأميرعبدالإله رئيس اركان الجيش رفيق عارف ووكيله غازي الداغستاني وسألهما عن امكانية ارسال قوات عرقية الى سوريا, فردا بالنفي بحجة عدم كفاءة وسائط النقل وعدم تيسر العدد الكافي من الطائرات. من جانب آخر, لم تجد نفعا محاولات السفيرين الامريكي والبريطاني في بغداد لحمل رئيس الوزراء علي جودة الايوبي على تبني موقف مناهض للسياسة السورية. وعندما زار الأيوبي انقرة في السادس عشر من سبتمبر 1957, لحضور مراسم خطوبة الملك فيصل الثاني اكد لرئيس وزراء تركيا عدنان مندريس موقف العراق الرافض لاستعمال (القوة لتبديل الوضع في سوريا). وفي طريق عودته زار دمشق, وصرح بأن أي اعتداء على سوريا يعد اعتداء على العراق وجميع الاقطار العربية, مما ترك صدى طيبا في الأوساط السياسية العراقية. كان امرا طبيعيا ان تثير سياسة الايوبي هذه, الأمير عبدالإله الذي أظهره الندم على اختيار الأيوبي رئيسا للوزراء واخذ يتحين الفرص لإقالته. وعندما رغب الايوبي في حل مجلس النواب, انتخاب مجلس جديد يمكنه من تنفيذ برنامجه الاصلاحي الذي اشار اليه في منهاج وزارته, عرض الأمر على الامير عبدالإله في طهران فلم يجد منه آذانا صاغية, ولما عاد الوفد الى بغداد كرّر الأيوبي طلب حل المجلس فاقترح الملك ان يؤخذ رأي الامير عبدالإله وكان يومها خارج البلاد. وقد استغل الامير هذه الفرصة ليظهر للآخرين ان القرار بين الملك فعندما تسلم برفية الملك التي يطلب فيها رأيه بحل مجلس النواب, رد بأنه يترك الأمر بين يديه (وإن استشارته في الأمر مخالفة لأحكام الدستور). ويعلق السفير البريطاني مايكل رايت على ذلك بالقول: (كان ولي العهد بعاطفته غير المتذبذبة نحو ابن اخته وعدم انانيته نحوه يشجع الملك على ان يأخذ على عاتقه مسئوليات متزايدة. ان تعارض وجهات نظر علي جودة الايوبي مع الامير عبدالإله ولاسيما الموقف مع سوريا اشعرته بالعجز عن مواصلة الحكم, فقدم استقالته إلى الملك الذي قبلها بتوجيه من ولي عهده في الرابع عشر من سبتمبر 1957 وكلف عبدالوهاب مرجان بتأليف الوزارة في اليوم التالي. وبتحرر الامير عبدالإله من رئيس وزراء لا ينسجم معه في توجهاته, وبتشجيع قوي من نوري السعيد, اعتقد ان الفرصة اصبحت مؤاتية لإقحام الجيش العراقي في شئون سوريا والتخطيط لإحداث انقلاب عسكري فيها تمهيداً لوحدتها مع العراق. وحول هذا الامر يورد الحسني على لسان رئيس الوزراء عبدالوهاب مرجان ان نوري السعيد بعد أن عاد من انقرة, حضر معه للقاء الأمير عبدالإله, حيث تحدث السعيد قائلا: ان سوريا مقبلة على ثورات ومن الواجب على العراق اسناد دمشق, ان ادى الامر الى تدخل الجيش العراقي. فأجابه عبدالوهاب مرجان بأنه ليس من المصلحة زج الجيش العراقي في احداث سوريا الداخلية. ولكن قبل ان يتاح للأمير عبدالإله ومؤازريه اتخاذ قرار حاسم بشأن سوريا, جاءت الاحداث على نحو أجبره على صرف النظر عن احلامه في تحقيق وحدة عراقية ــ سورية, وأول هذه الاحداث واهمها قيام الجمهورية العربية المتحدة, وما تلاها من اعلان اتحاد العربي. في مواجهة الوحدة كان أبرز النتائج التي اعقبت فشل العدوان الثلاثي على مصر من جهة, وكشف مؤامرات البلاط ونوري السعيد للاطاحة بنظام الحكم السوري من جهة ثانية, زيادة التقارب بين مصر وسوريا الذي توّج في الاول من فبراير 1958 بقيام الوحدة بينهما باسم (الجمهورية العربية المتحدة). قابلت الاوساط العراقية الرسمية اعلان الوحدة بوجوم شديد, مبعثه القلق من ان اتحاد سوريا مع مصر امر يهدد اساس الحكم الهاشمي في العراق والاردن, فقد تلقى الامير عبدالإله نبأ الوحدة بالغم, واضطرب له على نحو لافت للنظر, حتى قيل انه (لم يتمالك نفسه وانفجر باكيا لبالغ انفعاله وتأثره). يقول عبدالكريم الأزري: (كنت في زيارة لولي العهد الأمير عبدالإله في البلاط فوجدته في حالة اضطراب وذعر بالغ, وكان التشاؤم يطغى على حديثه, فقال لي ان الوحدة التي تحققت بين مصر وسوريا وحدة غير طبيعية, ولن تدوم لأسباب عديدة أهمها السبب الجغرافي, وانها على كل حال تشكل تحديا خطيرا للعراق وتهديدا لكيانه, الامر الذي يوجب على العراقيين تناسي الخلافات والاحقاد فيما بينهم, وتحقيق التعاون المخلص بين الفئات والافراد للوقوف صفا واحداً امام هذا التحدي السافر لوجود العراق). لقد عد الامير عبدالإله قيام الوحدة المصرية ــ السورية سلبا لحق العراق بالاتحاد مع سوريا, لذا كان امرا طبيعيا ان يتبنى موقفا معاديا منها, ينسجم وآماله بامتداد العرش الهاشمي الى دمشق, أو إقامة حكم موال للعراق في أقل تقدير. ولمناقشة ما قد يترتب على قيام الوحدة المصرية ــ السورية من نتائج, واحتمالات تأثيرها على العراق والاردن, اجتمع الامير عبدالاله مطلع فبراير 1958 بالسفيرين البريطاني والامريكي في بغداد, وتبادل معهما وجهات النظر بشأن الاجراءات التي سيتخذها العراق لمواجهة تلك الوحدة. وفي هذا الصدد قال وزير الخارجية برهان الدين باش أعيان امام المحكمة العسكرية الخاصة, إن الأمير عبدالإله أوعز إليه بألا يعترف العراق بدولة الوحدة لا اعترافا قانونيا ولا واقعيا. مما دفع بالرئيس عبدالناصر الى مهاجمة العراق في خطبه المتلاحقة مصرحا بأن (عبدالإله يعتبر سوريا ملكا له, ولهذا أوعز بما أوعز به). وكان نوري السعيد قد دعا ممثلي دول حلف بغداد المجتمعين في أنقرة في الثالث والعشرين الى التاسع والعشرين من يناير 1958, الى عرقلة قيام الوحدة المصرية ـ السورية بحجة انها ستكون (تحت السيطرة الشيوعية) فاقترح وزير خارجية بريطاني سلوين لويد اقامة اتحاد بين العراق والاردن والسعودية لخلق نوع من التوازن السياسي تجاه الجمهورية العربية المتحدة كان على الاسرة الهاشمية ان توحد جناحيها قوة تواجه بها المد القومي المتصاعد, فطرحت فكرة اقامة دولة وحدة من العراق والاردن تناظر الجمهورية العربية المتحدة. وجاء اقتراح لويد ليشجع البلاطين على الشروع في تنفيذ المشروع. فقد وجه العاهل الاردني الملك حسين الدعوة الى الملك فيصل الثاني والأمير عبدالإله لزيارة عمان لبحث أمر الاتحاد بين البلدين وعلى الأثر عقد اجتماع لمجلس الوزراء رأسه الملك والأمير عبدالإله كرس لمناقشة الاسس القانونية والامكانات المالية للاتحاد المنشود, وتشكيل الوفد المفاوض. في الحادي عشر من فبراير 1958توجه الملك فيصل الثاني على رأس وفد رسمي الى الاردن ويؤكد الحسني ان الامير عبدالإله رفض الاشتراك في الوفد المفاوض لعدم تحمسه لفكرة الاتحاد. ولدى الباحث بعض التحفظ على هذا الرأي لأن الملك فيصل الثاني لم يكن يمضي قدما في امر لا يحظى بتأييد الامير عبدالإله وتشجيعه. وأثناء المناقشات التي دارت بين الجانبين العراقي والاردني حول الاتحاد برزت عقبة رئيسية تجسدت في مطالبة الاردن بانسحاب العراق من حلف بغداد شرطا لتحقيق الاتحاد فاتصل توفيق السويدي بالأمير عبدالإله هاتفيا لاستشارته في الامر, فأجاب الامير (انه لا يمكن التضحية بحلف بغداد, الذي يشكل الضمان الرئيسي لكيان العراق, في سبيل الاتحاد مع الاردن). ويبدو أن الامير عبدالإله خشي ان يقدم الوفد العراقي بعض التنازلات بتأثير من المفاوضين الاردنيين, فقصد عمان في الثالث عشر من فبراير 1958 ليشرف بنفسه على مفاوضات الاتحاد. كان حدس الأمير عبدالإله في محله, فقد ذكر الملك حسين في مذكراته) وافق فيصل ان نترأس الاتحاد العربي نحن الاثنين بالتناوب. وعندما وصل ولي العهد, الامير عبدالإله, برزت الاحداث الاولى.. بدأ يعارض اتفاقنا بشدة, وخلال ليلة كاملة كانت اطول الليالي التي استغرقتها مفاوضاتنا, اذكر اننا تشاجرنا حتى تم التوصل الى هذا الخيار, اما ان يتزعم الملك فيصل الاتحاد دون تناوب, أو ان صيغة التناوب يجب ان تؤمن للعراق عدداً كبيراً من النواب في البرلمان المشترك. وبعد عدة اجتماعات حضرها الامير عبدالإله توصل الجانبان في الرابع عشر من فبراير 1958 الى اتفاق بإنشاء (الاتحاد العربي) بين الدولتين برئاسة الملك فيصل الثاني والملك حسين نائبا للرئيس, على أن يبقى هذا الاتحاد مفتوحا للدول العربية الأخرى.