(وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت). صدق الله العظيم (الرقيق الجديد), (السقف الزجاجي) (البنات المفقودات) هذه الثلاثية حكمت الاحتفالات بيوم المرأة العالمي, الاسبوع الماضي. منظمة الهجرة الدولية, ومقرها في جنيف, كشفت في تقرير نشرته صحيفة (هيرالد تريبيون) ان 700 الف امرأة يتم عرضهن سنويا في سوق الرقيق الجديد, وبينهن اطفال, لممارسة البغاء. وان هذه التجارة باتت عالمية يحصد من ورائها اعضاء الجريمة المنظمة مليارات الدولارات سنويا. وهو ما دفع المجموعات المدافعة عن حقوق المرأة الى طلب انعقاد البرلمان الأوروبي في جلسة خاصة يناقش خلالها منح حق اللجوء لضحايا التجارة الجنسية, اذا ما قرر الضحايا تقديم معلومات حول هؤلاء التجار الذين يتولون تهريبهن عبر الحدود, وغالبا من دول الاتحاد السوفييتي السابق, واحيانا رغم ارادتهن, وتحت التهديد بالقتل, لممارسة البغاء في دول اوروبا الغنية وصولا الى اسرائيل. وفي تقرير حول (الرقيق الجديد) سبق ان نشرته المنظمة الجنائية لمكافحة الجرائم الدولية قبل عامين, وردت روايات عن (مزادات) تعقد في المدن الاوروبية يتم فيها بيع الفتيات, وفي مزاد عقد في مدينة ميلانو الايطالية وصل سعر الفتاة التي يتراوح عمرها بين 19 و23 عاما الى مبلغ 800 دولار امريكي فقط. أما عن عمليات البيع فقد اورد التقرير ان رجال الجريمة المنظمة يملكون شبكات اتصال تغطي العالم كله تقريبا, وهؤلاء يملكون مكاتب محترمة يستخدمونها كواجهات, يعلنون خلالها عن فرص عمل نادرة ومعظم هذه المكاتب يقع في دول الاتحاد السوفييتي السابق او في بلدان اوروبا الشرقية وأخيراً في يوغسلافيا السابقة, وعندما تستجيب الضحية للاعلان تقوم بتسليم جواز سفرها للمكتب, وهذا بدوره يقوم بتصديرها عبر الحدود, لتنتهي في دولة غربية لا تعرف لغتها, وفي ماخور مقفل من دون شرفات او نوافذ مفتوحة, ومن دون جواز سفر ويروي التقرير عشرات الحكايات عن اختفاء فتيات او العثور على جثث مجهولة لفتيات قتلن خنقا, ومن بينها حكاية فتاة من اوكرانيا انتهت في مبغى في اسرائيل, وعندما حاولت ان تتوقف بعد ثلاثة اشهر عن العمل, قال لها صاحب المبغى: اسمعي انت ملكي. وقام بإحراق جواز سفرها امام عينيها, وكانت الصدفة وحدها هي ما دفع احد ضباط الشرطة في اسرائيل لاكتشاف المبغى وانقاذ الفتاة. اما صاحب المبغى اليهودي فقد تم الافراج عنه بكفالة مالية زهيدة. ان مناقشة البرلمان الاوروبي لهذه الظاهرة العالمية بقصد منح حقوق اللجوء التي كانت تقتصر على السياسيين او للدول التي تعيش ويلات الحروب تكشف ان (الرقيق الجديد) سوف يبقى على الاجندة العالمية وحتى اشعار آخر. السقف الزجاجي (السقف الزجاجي) كان عنوان ندوة عقدت في جنيف ايضا, تحت رعاية الامم المتحدة, لمناسبة يوم المرأة العالمي, وشارك فيها كل من المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية جرو هارلم ورئيسة منظمة حقوق الانسان في الامم المتحدة ماري روبنسون والمؤلفة النسائية جيرمين جارير. والمقصود بعبارة (السقف الزجاجي) هو الحاجز غير المرئي الذي يمنع تقدم المرأة سواء في عملها او في المجال السياسي, وفي تلك الندوة لخصت جرو هارلم وضع المرأة في مطلع القرن الواحد والعشرين بعبارة واحدة هي (ليس هناك في العالم كله بلد واحد او مؤسسة واحدة تتمتع فيها المرأة بحقوق مساوية للرجل وبفرص متكافئة). اضافت جرو وهي رئيسة وزراء سابقة في النرويج: (مع اننا ناضلنا على مدى عقود لفرض تغييرات جذرية الا ان علينا الاعتراف بأنه ما زالت امامنا مسافة طويلة لنقطعها). بنات في خطر ولعل طول هذه المسافة يظهر في دراسة وضعتها المنظمة الدولية للعمل السكاني وشملت 133 دولة كشفت ان معدل وفاة المرأة في دول العالم الثالث اثناء الحمل أو الولادة يفوق 33 مرة معدل وفاة المرأة في الدول الصناعية, اي ان المرأة في العالم الثالث تكاد لا تملك حتى الحق في الحياة, وهذه المسألة بالذات كانت موضوعا لكتاب صدر مؤخرا في بريطانيا للمؤلفة اليزابيث كرول تحت عنوان (بنات في خطر) يحذر من ان البنات في آسيا هن من فصيلة يهددها الانقراض, وتطرح المؤلفة نماذج من الصين والهند, وهما اكثر البلدان كثافة سكانية في العالم, عن التمييز ضد الفتاة حتى قبل ولادتها, فتشير الى ان الصين عندما فرضت قانون (طفل واحد لكل عائلة) اكتشفت انه يصعب تطبيق هذا القانون في المناطق الريفية خاصة, لأنه اذا كان المولود انثى وليس ذكرا, تعتبر الاسرة انها منيت بخسارة كبيرة, لذلك كانت تلجأ سراً الى ولادة ثانية على امل الحصول على صبي ذكر, والسبب هو ان الاسرة في الصين كما في الهند, كما في باقي الدول الفقيرة, تعتبر ان رعاية الصبي هي نوع من الاستثمار في ثروة ومستقبل العائلة نفسها, فهو رصيد للوالدين عندما يداهمهما الكبر والشيخوخة, في غياب نظام للضمان الاجتماعي, بينما بالمقابل فإن رعاية البنت تعتبر استثماراً لعائلة أخرى, فالبنت بعد أن تستهلك من مدخرات العائلة طعاماً وثياباً ونفقات أخرى, تنتقل الى بيت زوجها لتصبح رصيداً لعائلة أخرى, ومن هنا فإن الهنود يقولون ان (الفتاة تصل من غير دعوة) بينما ترتبط ولادة الصبي (باشراقة الشمس في حضن الآلهة). ولعل هذا ما يفسر الضجة التي اثارها كتاب آخر صدر في مطلع التسعينيات من القرن الماضي, وحاز مؤلفه (أمارتيا سون) على جائزة نوبل في الاقتصاد, وكشفت فيه انه قياسا على معدلات الولادة في آسيا فإن هناك 100 مليون فتاة يعتبرن في عداد المفقودات, اما قبل الولادة بالاجهاض او بعد الولادة بالاهمال. ومع تطور وسائل معرفة نوع الجنين, قبل ولادته, فإن حالات الاجهاض في حال كان المولود انثى سوف تضرب ارقاما قياسية. وهذا التمييز ضد الفتاة لا يقتصر على الدول الفقيرة وحدها في آسيا, اذ ان كوريا الجنوبية وهي تعتبر من الدول الغنية نسبيا, فإن العائلات فيها تنجب 114 ذكرا مقابل كل 100 انثى, اي ان هناك عائلات تتخلص من الانثى قبل ولادتها. اي ان الموروث الشعبي يبقى مسيطرا رغم زوال الظروف الاقتصادية التي تفرضه غالبا. وهو ما يبدو واضحا في مملكة نيبال, اذ ان القوانين المدنية في تلك المملكة ما زالت تمنع وراثة المرأة الا في حالتين: الاولى ان تكون عانسا غير متزوجة, أو ان تكون ارملة فقدت زوجها بعد فترة زواج دامت لفترة لا تقل عن 15 عاما, والسبب هو ندرة الاراضي الزراعية في تلك المملكة الجبلية. مما يجعل الارض ثروة جماعية للعائلة تتوارثها عبر الصبيان الذكور فقط. والنتيجة الطبيعية لهذه القوانين, كما يقول تقرير لمنظمة (هيومان رايتس ووتش) المعنية بحقوق الانسان هو ان عشرات الآلاف من الفتيات النيباليات ترغمهن ظروف العيش على الانتقال للهند المجاورة لممارسة اقدم مهنة في التاريخ. ... والوأد ما زال مستمراً, وإن بطرق عصرية.