لم تعد مسألة ارتفاع اسعار النفط مشكلة كبرى تؤرق بال الدول الصناعية الكبرى, انما الذي يؤرقها هو عدم ضمان انسياب النفط بغض النظر عن أسعاره لمدى مستقبلي طويل, وفي تقرير اثر تقرير, يبث الخبراء الاستراتيجيون المخاوف من احتمالات انقطاع النفط عن الغرب. إن للولايات المتحدة احتياطيها الطبيعي والاستراتيجي من النفط, ولها احتياطي لا بأس به من الغاز الطبيعي, ولها مصادر متعددة لتوليد الطاقة الكهربائية, أما ذخائرها من الفحم فهي تكفيها لمدة ستة قرون على الأقل, ومع ذلك فإن الولايات المتحدة هي أكثر الدول الغربية اشفاقا من انقطاع أو انحسار المد النفطي اليها من الخارج. النبوءات الكاذبة ذلك لأن المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين مسكونون كثيراً بالهواجس في موضوع النفط, ومن هنا فإن أكثر استنتاجاتهم تنتهي الى الخطأ. كانوا في السابق قد تنبأوا ــ بناءً على صور الأقمار الصناعية ــ بأن النفط السوفييتي سينضب في الثمانينيات, وقالوا إن السوفييت يعرفون ذلك, وأن ذلك سيدفعهم لا محالة الى احتلال مناطق النفط بإيران والعالم العربي, وعندما اتجهت جحافل الجيش السوفييتي لاحتلال أفغانستان, بدا ذلك وكأنه تصديق لتلك الاستنتاجات, واندفعت أمريكا بكل قوتها, لتصد ذلك الزحف مستخدمة في الأساس بطولات الأفغان الذين مدتهم بأحدث الأسلحة من الصواريخ. وقد انتهت تلك المعركة كما هو معروف بانسحاب السوفييت من أفغانستان, ثم تآكل امبراطوريتهم فيما بعد, ولكن لم يكن لذلك الأمر بكليته, أية علاقة بنظرية الاستراتيجيين الأمريكيين حول مستقبل النفط السوفييتي, فها هو النفط يكتشف ويستخرج بأضخم كمياته من نواحي بحر قزوين, وهي نواحٍ كانت تخضع سالفاً لتلك الامبراطورية المنهارة. وهكذا فإن فزع أولئك المخططين وحده هو الذي أدى بهم لإطلاق تلك النبوءة الكاذبة, التي زجّت بأمريكا في معركة أفغانستان الفادحة! والغريب أن أولئك المخططين لا يرتدعون فهم ينتقلون من شطحة, الى شطحة أكبر. فعلى اثر الشطحة الأولى, جاءوا يزعمون بأن السنوات الأولى من هذا القرن ستشهد استنزاف معظم كميات النفط العالمي. ففي أغسطس 1979 أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية وثيقة مزعجة سمتها: نفط العالم ٌىد لٌُْط ذكرت فيها أن كميات النفط المذخورة ببطن الأرض تبلغ 6.641 بليون برميل, بينما يبلغ الاستهلاك العالمي اليومي من النفط نحو 60 مليون برميل. وبعملية حسابية بسيطة اتضح ان تلك الكميات تكفي الاستهلاك العالمي لمدة 000.10 يوم فقط, ولكن ها هي تلك الايام تكاد ان تنقضي, ولما تبدو بعد أمارات ونذر نضوب النفط العالمي! بل اتضحت شناعة الاخطاء التقديرية لوكالة الاستخبارات الأمريكية, ولمستشاري وزارة الخارجية, من المهتمين بشئون النفط أكثر من ذي قبل, إذ تأكد ان حجم الاحتياطي العالمي من النفط (بتقديرات هذا العام) هي بحدود 330.2 بليون برميل, أي قرابة أربعة أضعاف التقديرات السابقة, وهذا من دون خصم الاستهلاك العالمي للسنوات العشرين الماضية. هذه التقديرات الأخيرة لم تنبثق من دوائر (سي.آي.ايه) ولا دوائر وزارة الخارجية, وانما من دائرة علمية رصينة هي وكالة الاستطلاع الجيولوجي الأمريكي, ووفقاً لهذه التقديرات يمكن القول إن العالم بعد ان دخل القرن الحادي والعشرين, لم يستنفد أكثر من ثلث كميات النفط المتوارية ببطن الأرض, وأن ما بقي منها يمكن أن يكفي العالم لو استمر معدل الاستهلاك السنوي شبه ثابت (بحدود 22 بليون برميل في العام) لمدة تناهز قرناً من الزمان. اختلاق الأمراض صدمت هذه التقديرات الرصينة الجديدة أولئك المخططين المهووسين في الصميم. إذ أن هؤلاء لا يمكن أن يقبلوا أبداً بأي دعوى مطمئنة. فمثل تلك الدعوات تعني إنهاء الحاجة الى خدماتهم كمستشاري أزمات, فانعدام الأزمات يودي بهم الى البطالة, لذا لابد أن يفتعلوا الازمات, ويصطنعوها لكي يبرروا بقاءهم في مراكزهم وممارستهم لمهامهم, مثالهم في ذلك مثال الطبيب الذي يحدث الأصحاء باكتشافه لعلل وهمية بأجسادهم, ثم يقاضيهم أثماناً باهظة عن تشخيصها وعلاجها! إن أكثر الحقائق تبدو في غير صالح أولئك المخططين, من أصحاب الهواجس ومثيريها. فالنفط كمصدر للطاقة أخذ يمثل نسبة متناقضة بين مصادر الطاقة الأخرى, وهذا مؤشر مطمئن يدل على أن مصادر الطاقة الأخرى, سوى النفط, تسهم بنسب أعلى منه في تزويد العالم بالطاقة. ففي أوائل السبعينيات كان النفط يمثل نسبة 50% من مصادر الطاقة العالمية, أما الآن فهو لا يمثل أكثر من 40% وهذه هي تقديرات وكالة الطاقة العالمية للموضوع, وهي هيئة علمية عالمية متخصصة ومحايدة. وتقول الوكالة إن تلك النسبة ستظل ثابتة تقريباً الى عام ,2010 وذلك مع ارتفاع درجة الطلب العالمي للطاقة بأنواعها, وهو أمر يعني ارتفاع درجة طلب النفط بنفس درجة طلب مصادر الطاقة الأخرى. ووفقاً لتقديرات تلك الوكالة, فإن معدل الاستهلاك اليومي العالمي للنفط سيصل الى نحو 76 مليون برميل, وهو معدل ارتفاع معقول لا يهدد بأي أزمة وشيكة, لا سيما ان هناك اكتشافات بترولية حديثة يعلن عنها في كل صقع, وفي كل حين, وهي اكتشافات تشمل القارات بمجملها, وتعلن عن وجود كميات سخية من النفط, بأماكن كان يظن خلوها الكامل منه. الإصرار على المكابرة وإزاء تتابع تلك الاكتشافات عاد أولئك المخططون المعاظلون ليقولوا ان تلك الزيادات مهما تكن ستكون زيادات عرضية طفيفة, وان النفط الحقيقي الذي يمكن التعويل عليه هو فقط نفط الشرق الأوسط. وعندما سئل هؤلاء: ما بال النفط الفنزويلي, وهو نفط وفير, وأقرب جغرافياً بكثير الى المرافىء الأمريكية؟ فإنهم أجابوا بأن النفط الفنزويلي, نفط ثقيل يحتاج الى تلطيف, وعلاج كثيف, كثير التكاليف, وهي نفس الدعوى التي يرفعونها عندما يواجهون بكميات الفحم الاسطورية المذخورة بأرض الولايات المتحدة والتي تكفيها حسب أكثر التقديرات (تشاؤماً) لمدة ستة قرون! يصر هؤلاء المخططون ان على دول (أوبك) ان تقوم برفع سقف انتاجها خلال العقدين المقبلين, من نحو 27 مليون برميل يومياً, الى نحو 48 مليون برميل, أي بمعدل 78% وهم لا يشعرون مع ذلك بتناقض خطوطهم في التفكير والتدبير. فكيف يحذرون ساسة بلادهم من احتمالات نضوب النفط, ثم يطالبون في ذات الوقت بزيادة ضخه بذلك الحجم الضخم الوفير؟! إن ذلك التعارض النظري كان يكفي للتشكيك في مصداقية وموضوعية تقديرات وتدبيرات أولئك المستشارين, الذين كانوا أيضاً وراء انشاء الاحتياطي الضخم المسمى بـ (الاحتياطي الاستراتيجي النفطي) الذي اعد لمجابهة احتمالات قوية (كما قالوا) بانقطاع النفط, وإذا به لا يستخدم جدياً منذ انشائه في السبعينيات الا مرة واحدة فقط, حتى تداعى البعض لاستخدامه كثيراً خلال هذا الشتاء, لمواجهة انخفاض درجات الحرارة بشكل (غير متوقع), كما قيل!! حتى في المرة التي استخدم فيها الاحتياطي الاستراتيجي جدياً فقد استخدم لتثبيت أو تخفيض الاسعار العالمية, لا لمواجهة اي طوارىء تتعلق بانقطاع النفط. ومن هنا بدأت الفكرة الطريفة الأخيرة باستخدام الاحتياطي الاستراتيجي من النفط الأمريكي لتدفئة المنازل في هذا الشتاء تدفع بالكثيرين لإعادة النظر في سياسات الطاقة عموماً, وسياسة النفط خصوصاً, وربما تدفع نحو تسكين كثير من الهواجس التي ظل يبثها أولئك الخبراء والمستشارون المهووسون باحتمالات نضوب النفط أحياناً, واحتمالات انقطاع وصوله أحياناً أخرى.