شهدت مدينة سرت الليبية اعمال القمة الاستثنائية الثانية لرؤساء الدول الاعضاء في منظمة الوحدة الافريقية التي شارك فيها اكثر من 45 رئيس دولة وحكومة افريقية, كما شارك في القمة ياسر عرفات ونيلسون مانديلا رئيس جنوب أفريقيا السابق كضيفي شرف. وقد أقرت القمة قيام الاتحاد الافريقي الذي صادقت عليه 22 دولة من الدول الـ 53 الاعضاء في منظمة الوحدة الافريقية التي سيكون الاتحاد بديلا لها بعد مصادقة ثلثي الدول الاعضاء عليه. وأسفرت نتائج القمة عن ثلاث ركائز للاتحاد الجديد, الركيزة الأولى هي انشاء مصرف مركزي افريقي, ومن الملاحظ ان افريقيا تئن بمديونية تتجاوز 340 مليار دولار, وقد بح صوتها من التوسلات طلباً لشطب أو تقليل الديون, أو اعادة جدولتها, او تجميد ارباحها, ولم تجد من يستجيب لها, وبالرغم من هذا فإن هناك من يحلم بتوحيد العملة الافريقية, وجيش افريقي واحد ومجلس امن يوازي مجلس الامن الدولي. الركيزة الثانية انشاء برلمان لعموم افريقيا يتألف من البرلمانات الافريقية. وكانت هذه التوصية موضع خلاف كبير في اجتماع المجلس الوزاري لوزراء الخارجية حيث تحفظت مصر ونيجيريا واثيوبيا على مبدأ العضوية المتساوية, متمسكة بضرورة الأخذ بالتمثيل النسبي, فتعداد هذه الدول الثلاث يشكل ما يقرب من نصف سكان القارة التي يبلغ عدد دولها 53 دولة. وتتضمن الركيزة الثالثة قيام محكمة عدل افريقية, ومن أولويات هذه المحكمة حماية حقوق الانسان الافريقية, ففي الغالب حقوق الانسان في افريقيا منتهكة ومسلوبة من قبل الكثيرمن الدول والحكومات الافريقية, ولا شك ان قيام مثل هذه المحكمة لن يتحقق الا في ظل مناخ ديمقراطي تكون فيه سيادة القانون فوق الجميع دون اعتبار لحكام أو محكومين. ويشكل كل من الفساد واللاجئين والمرض ثالوثاً ينخر الجسد الافريقي ويعيق قيام الاتحاد الافريقي. فلو تطرقنا للفساد, فسنجد ان الدراسات التي اجراها معهد الدراسات الامنية في جنوب افريقيا تشير الى ان وضع الفساد المالي والاداري في مؤسسات الدولة المختلفة مستشر ومنتشر بشكل كبير, وان 2% من الجنوب افريقيين يقعون سنويا كضحايا للرشوة, ويعتقد ان 50% من اجمالي الموظفين في الحكومة مرتشون, ويلاحظ ان انخفاض المستوى المعيشي للافراد مع قلة وعيهم السياسي يساعدان على انتشار انماط معينة من الفساد السياسي مثل شراء اصوات الناخبين والفساد الحزبي. ومع التغيرات التي شهدها النظام العالمي منذ أواخر الثمانينيات والتي فرضت ضغوطا متزايدة للاخذ بنظام السوق الحرة, فإن كثيرا من الدول الافريقية اعلنت عن تبنيها مجموعة من السياسات التي تدعم المبادرات لخاصة والانفتاح على الخارج, ورغم ثراء الدول الافريقية بمواردها الطبيعية من الألماس والبترول وغيرهما من الثروات الطبيعية, لكن فساد بعض الانظمة الحاكمة هو الذي يؤدي الى ضياع هذه الموارد دون اي فائدة حقيقية على عمليات التنمية. قضية اللاجئين تعتبر العائق الثاني امام الاتحاد لأنها تشكل اهمية كبيرة كونها تكشف العديد من الظواهر والازمات الاخرى وبالذات منها ازمة بناء الدولة الافريقية, وتنتج عنها الحروب الاهلية والصراعات الداخلية التي تنجم عنها مخاطر جسيمة على حياة الافراد في مناطق الصراع, اضافة الى ما تسببه هذه الحروب من تدمير في البنية الاقتصادية, كما انها تحدث تبدلات في الخريطة البشرية للقارة الافريقية, ويمكن ادراك فداحة هذا الخطر بالنظر الى حجم اللاجئين, اذ انهم يمثلون نسبة عالية من اجمالي سكان الدول التي فروا اليها, وتشير المفوضية العليا للاجئين الى ان هذه المشكلة اصبحت اكثر تعقيدا خلال عقد التسعينيات, ففي العقد الاخير من القرن العشرين اتسع نطاق الصراعات المسلحة الداخلية والاقليمية وفشلت آليات التعامل الدولي مع هذه المشكلة, سواء من حيث عدم تخصيص الموارد الكافية لمواجهتها أو لأن النظام العالمي للتعامل مع مشكلة اللاجئين كان قد نشأ عقب الحرب العالمية الثانية وتعامل مع نوع مختلف تماما من اللاجئين, وفي نظام عالمي جديد مختلف في الكثير من النواحي عن الوضع القائم في اواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحالي. وتؤثر مشكلة اللاجئين سلبا على الوعاء السكاني للأطراف المتصارعة, حيث ان الحكومة وجماعات المعارضة تستمد قوتها البشرية من حجم ما يتوافر لها من طاقات بشرية, وتؤدي هذه الظاهرة الى تفاقم أزمة الاندماج الوطني في دولة المنشأ لأن هروب اللاجئين يكون في الكثير من الحالات نتاجا لممارسات عدوانية لإبادتهم أو اخضاعهم أو دفعهم الى الهرب من مناطق اقامتهم الاصلية, ويتحول اللاجئون الى سبب للتوتر الداخلي في دول الملجأ اثناء فترة التحول الديمقراطي لأن الانتخابات والمنافسة السلمية على السلطة تؤديان الى مناقشة جميع القضايا ومن بينها ملف اللاجئين. أما العائق الثالث فهو مرض نقص المناعة المكتسب ــ الايدز ــ ففي افريقيا وحدها يموت نحو ستة آلاف شخص يومياً بسبب مرض الايدز, ويفوق هذا الرقم ضحايا الحروب والمجاعات والفيضانات وينتج عن ذلك ازدياد في اعداد الاطفال الذين يطلق عليهم ايتام الايدز بصورة تنذر بالكارثة. ووفقاً لاحصاءات منظمة الصحة العالمية فإن وباء الايدز يقتل اكثر من مليوني شخص كل عام في افريقيا, وتقدر الامم المتحدة عدد الافارقة الذين فقدوا حياتهم نتيجة المرض منذ تشخيصه للمرة الاولى بأحد عشر مليونا, وفي الواقع بدأ المرض يتخذ طابعا وبائياً, وتحتاج القارة الافريقية لثلاثة آلاف مليون دولار كل عام لمكافحة هذا الوباء المستشري, ويعني ذلك ان المبلغ الحالي المخصص لمكافحة الايدز في افريقيا يجب ان يتضاعف عشر مرات. ولعل ما جرى في سرت 2 يعتبر ظاهرة خارجة عن الرؤية الدولية العامة, بالذات بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية التي لن تسمح بنجاح مثل هذه السياسات التي اذا ما نجحت قد تجترىء دورها على المستوى العالمي, وهي التي كانت قد كنست اقرب حلفائها في نهاية القرن الماضي. وقد اكدت هذه الحقيقة كاتبة الدولة الامريكية المكلفة بالشئون الافريفية سوزان رايس, وذلك في محاضرة لها في جامعة اكسفورد, وما صرحت به وزيرة الخارجية الامريكية السابقة مادلين اولبرايت عقب انتهاء اشغال القمة الافريقية التي عقدت في نهاية عام 1999 لهيئة الاذاعة البريطانية, من ان افريقيا اصبحت تشكل اولوية من أولويات الدبلوماسية الامريكية, وان واشنطن سترتكب خطأ فادحاً اذا ماطلت أو تأخرت في بناء شراكة قوية مع الدول الافريقية شريطة ان تدمج الدول الافريقية اقتصادياتها داخل حركة العولمة. وأن اي دولة اوروبية تحاول العودة الى احلامها الافريقية, ستلقى النتيجة ذاتها التي لقيتها فرنسا في ساحل العاج وغيرها. خاصة وان الاعلام والدبلوماسية الامريكية لا تزال تذكر بمذابح رواندا. وتحاول وضع هذه المذابح كلها في ظهر فرنسا, بحيث ظهرت على انها دولة استعمارية بغيضة, بنظر كل الشعوب الافريقية وغير الافريقية, وفقدت رصيدها على مستوى العلاقات البينية في العالم, بينما تحاول الولايات المتحدة الظهور بمظهر الحامي والمحافظ على حقوق الانسان والغيور على مستقبل الشعوب الفقيرة! رغم تأكد دور اسرائيل وعلاقتها بقبائل الهوتو, ومن خلال الدعم الامريكي الخفي واللامتناهي. ويرى مراقبون ان الفقر والديون يظلان عقبة على طريق توحد القارة. وتواجه ثماني دول على الاقل من الدول الاعضاء بمنظمة الوحدة الافريقية ــ وهي من بين الدول الاكثر فقراً في العالم بينها غينيا والنيجر والصومال ــ تعليق عضويتها بالمنظمة وحقها في الحديث في الاجتماعات الرسمية بعجزها عن دفع حصتها في ميزانية المنظمة. وبلغت الديون الخارجية سنة 1990 في افريقيا 250 مليار دولار أمريكي وتجاوزت 600 مليار دولار في عام , 1995 وستبلغ 1500 مليار دولار في عام ,2002 قد تبدو الديون الواقعة عليها صغيرة بالمقاييس العالمية ولكنها ضخمة بالمقارنة باقتصادات تلك البلدان, مما يتطلب معالجتها على نحو خاص. ومنذ سنة 1980 حدث ارتفاع كبير لم يسبق له مثيل في كلفة خدمة الديون.