واقع مجتمعات المنطقة الأفريقية... طموح تحقيق اتحاد ينقذها من معاناة شعوبها... رؤية أوروبا للقارة السوداء... عقبات النمو في الشعوب الأفريقية... دور الاتحاد في استقرار المنطقة. التقى (الملف السياسي)، في بروكسل بالدكتور أرنولد بيركهاود (خبير الشئون الأفريقية) في حوار صريح حول قضايا حساسة تشغل أفريقيا طرحنا عليه كثيراً من الأسئلة... تالياً نص الحوار: * هل يحقق الاتحاد الأفريقي التقدم لشعوب المنطقة؟ ــ لدينا شكوك على الاقل في المرحلة الراهنة, في ظل وجود انظمة ديكتاتورية تقهر شعوبها وتعرض حاضره ومستقبله للخطر, وإهدار حقوق الانسان الافريقي يحرمه من ممارسة حقوقه الطبيعية, والجفاف والفيضانات تضرب الاخضر واليابس, والمجاعات تنتزع الحياة من البشرية وتلقي بها اجسادا مهملة في باطن الارض, هذه هي الحقائق المرة عن القارة السوداء, والتي تشكل سياسة صناع القرارات الاوروبية, وتؤكده التقارير الاستراتيجية التي درست اوضاع افريقيا من شتى جوانبها, تلك التقارير والابحاث التي تخطط وترسم ابعاد (العلاقات الاوروبية ــ الافريقية). وملف هذه العلاقات موضوع على اجندة اوروبا للسياسة الخارجية منذ عام ,85 يرقى هذا الملف حينا لدرجة يحتل معها قمة جدول الاهمية, ومرات اخرى يتوارى في ادراج رجالات السياسة, واحيانا كثيرة يسيطر على ملف افريقيا الصراع القديم للحضارات, فتقوم بعض المؤسسات الاعلامية الغربية على ترسيخ افكار لدى المجتمعات الاوروبية تفيد ان القارة الافريقية تريد فصل نفسها عن الغرب, وان تقديم المساعدات أو اقامة المشروعات في هذه المنطقة من العالم لا توجد منها جدوى. * ماذا تقصد بالتقارير الاستراتيجية؟ ــ مثلا في تقرير للاتحاد الأوروبي اعدته مجموعة من خبراء الاقتصاد والاجتماع أكد بأن النصف الافريقي الجنوبي يشكل 1% من حجم التجارة العالمية, والقارة الافريقية بصفة عامة أقرب لأوروبا من أي وقت مضى عبر التاريخ, ومشاكل الديون تشكل عائقاً أمام تقدم هذه الشعوب, واستشهد التقرير بعدة حقائق أهمها: ــ حاجة أفريقيا لمنتجات ومشروعات أوروبية. ــ على أوروبا تقديم مساعدات تنموية قائمة على أسس اقتصادية طويلة المدى بديلاً عن المساعدات الغذائية المؤقتة. * هل للغرب مصلحة في قيام مثل هذا الاتحاد؟ ــ العلاقات الافريقية الاوروبية التاريخية قديمة, والغرب لا يريد تعرض هذا التاريخ للضياع, كما ان تفاقم الاوضاع الاقتصادية في افريقيا يؤثر سلبا على اوروبا, وإن لم تبادر باتخاذ خطوات فعالة نحو 630 مليون مواطن في وسط وجنوب افريقيا, على اعتبار انهم اهم شريك مستقبلي لأوروبا فإن المشاكل ستطال أوروبا, وقد وعد الغرب مراراً بتقديم مساعدات لأفريقيا, وهناك توصيات لعديد من المؤتمرات معظمها لم تنفذ, ولا تزال حبيسة الملفات, منها ما جاء في المؤتمر العالمي للغذاء عام ,1974 عندما وعد زعماء العالم (خاصة الدول المتقدمة) بأنه خلال عشر سنوات سوف لا يكون هناك طفل واحد في العالم يعاني من الجوع, وبدلاً من تنفيذ هذه الوعود ومكافحة الفقر, وبدلاً من إقامة مشروعات منتجة ترفع اقتصاد هذه الدول, قدمت الدول الغنية مساعدات بسيطة فقط لمناطق الصراعات الافريقية, كما سبق وأن وعدت امريكا مؤخرا بتقديم معونات تتمثل في 400 ألف طن أغذية, ووعدت دول الاتحاد الأوروبي بتقديم 800 ألف طن أغذية, وهي في مجملها معونات لا تحل الأزمة وإن كانت تؤجل فقط الكارثة الحقيقية. * إذن لماذا لا يساعد الغرب على انقاذه, وربما تساعد تحسن الاوضاع الاقتصادية في قيام الاتحاد الأفريقي؟ ــ التقدم الاقتصادي لافريقيا لن يتحقق الا بمعرفة ابنائه, وهذا هو الاساس قبل الحديث عن اتحاد, وكل المنظمات العالمية على علم تام بمشاكل افريقيا, فمنظمة الزراعة والأغذية التابعة للأمم المتحدة نبهت بأن 16 دولة افريقية تعاني من نقص الاغذية والمرض, لأسباب كثيرة من اخطرها الحروب والصراعات, فبسبب الجوع توفي 100 الف مواطن صومالي في ابريل عام ,99 وفي يونيو من العام نفسه هددت المجاعات ملايين البشر في القرن الافريقي, اضافة الى ان اثيوبيا دقت ناقوس الخطر في ديسمبر 99 ونبهت العالم من حدوث مجاعات جديدة, وهناك واحد من بين كل ثلاثة افارقة يعاني من نقص الوزن, في اثيوبيا وحدها واحد من كل اثنين, 40% من مواطني كينيا وزامبيا وسيراليون يعانون من الجوع, ذلك في الوقت الذي يعاني فيه 55% من الشعب الامريكي و50% من الشعب الألماني من زيادة الوزن بسبب زيادة الغذاء, وتؤكد احصائيات رسمية للأمم المتحدة ان الجفاف في شرق أفريقيا أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة, فمنذ عام 1970 عرفت المنطقة ست حالات من الجفاف ادت الى موت 36 مليون انسان في السودان واثيوبيا وكينيا. هذا بجانب المجاعات والصراعات التي تهدد 4.12 مليون مواطن في سبع دول شرق افريقية وحوالي 50% منهم يعيشون في اثيوبيا التي انخرطت في حرب حدودية مع جارتها اريتريا منذ عام ,1998 فهل يسمح هذا المناخ بقيام اتحاد أفريقي؟ اعتقد ان حلم تحقيق الاتحاد الأفريقي يبقى خيالا ومشروعاً في ذهن قادة وزعماء المنطقة الأفريقية, ما لم يكن لديهم خطة سياسية واضحة لحل المشاكل العاجلة للمنطقة, وأهمها الفقر والجوع والقضاء على الصراعات. * ما صحة المعلومات التي تقول ان السبب في الصراعات والحروب ليس أفريقيا وحدها فأوروبا لها دور أيضاً؟ ــ نعم... أعرف ذلك... وقد تورط خبراء عسكريون في أوروبا مع وزير خارجية بريطانية ببيع أسلحة لمنطقة في حالة حرب, ويتنافى ذلك مع سياسة بريطانيا المعلنة, وبلد مثل سيراليون شأنها مثل عدد من البلاد الأفريقية تعاني من عدم استقرار بسبب الميليشيات العسكرية المتصارعة التي تعيش حالة الصدام المسلح لانتزاع السلطة أو بسبب الخلافات القبلية, وتعترف بذلك الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية, وقد أكد تقرير لاتحاد منظمات حقوق الانسان بأن الغرب يقف في صف المتفرج, ولا يتدخل الا في حالة حدوث ما يهدد مصالحها, وان عدداً من البلاد الاوروبية تدفع بقوات من المرتزقة المسلحة للمناطق الافريقية لحماية شركاتها هناك...! وهذا الوضع يشبه مرحلة القرن التاسع عشر حينما كانت الشركات الغربية الدولية تتدخل في شئون الدول الافريقية تبحث عن القوة والنفوذ والمال, وتقوم بمغامرات سياسية وعسكرية لتحقيق مصالحها, ولا أخفي أن عددا من البلاد الأوروبية لا تلتزم بقوانين حظر تصدير الأسلحة لمناطق الصراع. * هل تحتاج أفريقيا للاستقرار والديمقراطية أم إلى قيام الاتحاد؟ ــ أولاً كما ذكرت لك من قبل لابد من خطة لتحسين الاوضاع الاقتصادية, ثم الاصلاحات السياسية التي هي طريق طبيعي للديمقراطية, لكن ديمقراطية افريقية تناسب شعوبه وليست مستوردة من عندنا في أوروبا, وتوجد مؤشرات جيدة, نعم هي قليلة لكنها مفيدة لو أحسن استثمارها, فالمد الديمقراطي لأفريقيا قائم, حيث أن رياح التغيير الحقيقية قد هبت منذ أكثر من عقد مضى, حينما حملت مؤثرات سقوط الشيوعية وتحطيم حائط برلين بين الألمانيتين موجات الديمقراطية لأفريقيا, وهو الأمر الذي أفرز اعتلاء قادة من الشباب والزعماء لكراسي السلطة في رواندا وأوغندا واثيوبيا, فمن الساحل الشرقي للساحل الغربي افسح القادة القدامى الذين انفردوا بالسلطة لسنوات طويلة المجال لنظام التعددية الحزبية, والكاتب والناشر الكاميروني (Kabou) قال: إن افريقيا هي الخاسر الأكبر من الحرب الباردة). وليس ذلك فقط لأن الغرب توجه بمساعداته لأوروبا الشرقية على حساب الدول الأفريقية, بل لأن الديمقراطية منهج مستورد من الخارج ليس له جذور افريقية حتى الآن. ويجب ألا نغفل ان افريقيا لا يحيطها مناخ ديمقراطي, والتوجه نحو التقدم والديمقراطية تقوده زعامات لا ننكر انها صادقة, لكنها لا تأخذ الفرص بسبب الولاءات القبائلية التي تؤدي لنزاعات وصراعات تكون نتيجتها حروب عرقية تهدر محاولات الديمقراطية, ومن هذه الامثلة ما يحدث في ساحل العاج حيث ان الجنرال Guei ْمقُز وسابقه ملم اللذين اتبعا اسلوب اغلاق منافذ السلطة والحكم على عائلاتهم والمحاسيب, وكذلك الرئيس الكيني Moi الذي دأب خلال الـ 33 عاماً المنصرمة على احاطته بأقاربه وأنصاره ضاربا بالديمقراطية عرض الحائط, اضافة لدور القوات العسكرية صاحبة المصالح التي تنتمي للسلطة وترجح كفة الحكام على الديمقراطية والمعارضة. وتوجد مفارقات وتناقضات تستحق ايضا التوقف عندها فقد لاحظنا ان الرئيس عبده ضيوف خسر الانتخابات الرئاسية في السنغال وضرب مثالا مشرفا حينما سلم الحكم لمنافسه عبدو لايا وادي, وهذا لم يكن بمحض الصدفة بل لأن السنغال هي واحدة من الدول الافريقية القليلة التي لم تعرف الانقلابات العسكرية منذ حصولها على الاستقلال, وذلك على عكس بلاد مثل رواندا والكونغو وكينشاسا ونيجيريا التي تلعب فيها القوات المسلحة دورا سياسيا منحازا يعطل مسيرة الديمقراطية. * قبل نهاية الحوار... هل تعتقد ان قيام اتحاد افريقي سينجح فيما أخفقت فيه منظمة الوحدة الافريقية؟ ــ اتصور ان اصلاح منظمة الوحدة الافريقية ستكون له جدوى افضل بكثير من قيام اتحاد جديد وليد, ونحن في أوروبا ما زلنا نطور ونصلح شئون الاتحاد الأوروبي, ولا عيب في ذلك, والمسألة ليست بكثرة المنظمات والاتحادات بقدر ما هي تفعيل القائم, بدلا من الدخول في تجارب جديدة لا يعرف احد الى اي طريق ستوصل المن أجرى الحوار في بلجيكا: د. سعيد السبكي