بات من الواضح أن الزعيم الليبي معمر القذافي مصرٌ على إنجاح سياسته المتمثلة في التوجه الى أفريقيا, كبُعد استراتيجي أمني واقتصادي وسياسي لبلاده, كما يظهر ان هذا التوجه لم يعد كما سماه البعض مجرد (ردة فعل) ، المقصود منها توجيه الشكر إلى القادة الأفارقة الذين قرروا خرق الحظر المضروب على الجماهيرية بعد قمة واغادوغو ببوركينا فاسو, ورغم المصاعب التي لقيها مشروع القذافي داخلياً بأحداث الشغب التي شهدتها (الزاوية) العام المنصرم, ورغم هذه المصاعب استطاع العقيد أن يعيد ترتيب الملف الأفريقي من جديد, وأن يصل في ذلك الى إقناع العديد من الزعماء الأفارقة بمشروع الاتحاد, مثلما ظهر ذلك في (قمة سرت) مؤخراً, وهي القمة التي حضرها أكثر من أربعين رئيس دولة. القمة وأبعادها تعد هذه القمة الاستثنائية لمنظمة الوحدة الأفريقية نعياً لهذه المنظمة كما يرى بعضهم, خاصة وأنها (المنظمة) باتت عديمة الجدوى في ظل الأطر والصيغ الكونية الجديدة التي أعادت تشكيل العالم, والتي يرى القذافي أن الاتحاد الأفريقي يجب أن يكون منها, وبفاعليتها سياسياً واقتصادياً, لذلك يكرس العقيد الكثير من الجهود لحشد أكبر الأصوات ومطالبات الأفارقة بضرورة إيجاد هذا الاتحاد الجديد, والذي يرى الكثيرون أن ظهوره فعلياً بمؤسساته المقترحة ومنها البرلمان, وصندوق النقد الأفريقي, واللجنة التنفيذية, والبنك المركزي الأفريقي سيجعل من المستحيل الالتفات إلى منظمة الوحدة الأفريقية التي يقال إنها هرمت, ولم تعد سوى صورة باهتة لا معنى لها. وقد علق أحد السياسيين الغربيين أن (العقيد القذافي يكون بهذا قد أطلق رصاصة الرحمة على المنظمة العجوز). ويبدو أن الساسة الليبيين قد خرجوا مرتاحين لنتائج قمة سرت, عكس ما كان عليه الأمر في القمة الأفريقية السادسة والثلاثين في (لومي) عاصمة (توجو) والتي يقال إنها أجهضت المشروع الليبي خاصة من طرف الدول شديدة المعارضة له, كجنوب أفريقيا, وكينيا, ونيجيريا, لكن طول نفس العقيد القذافي, والجهود التي قام بها منذ ذلك الوقت استطاعت أن تجمع حول المشروع من الأصوات والدعم ما يعطيه القوة الكافية للخروج إلى النور. ويبدو جلياً أن العقيد القذافي مستوعب جداً لقضية الأقطاب في ظل العولمة وتكتلاتها, لكن المراقبين يقولون إن مجرد تقليد الهياكل الأوروبية أو الأمريكية القائمة في اطار الاتحاد الأوروبي وغيره لن يكون كثير نفع, لكون المؤسسات الأوروبية وُلدت بين أقوياء, بعكس الاتحاد الأفريقي الذي ولد بين دول تتعاورها المجاعة, والحرب, وعدم الاستقرار, والفقر, والديون, والأمراض, والكوارث, وهو أمر يدرك الليبيون أكثر من غيرهم أنه يعني امتصاص هذه الدول الأفريقية لمقدرات بلدهم, ومزاحمة الملايين من الأفارقة لهم في سوق العمل والكسب, وهو ما كان سبباً في ظهور النزعة المعادية للأفريقي, والتي ظهرت بشكل واضح في أحداث (الزاوية) كما ظهرت قبل ذلك بعام, وبعنف أقل في (شارع الظل), وحي (قرقاش) وغيرها, مع العلم أن ليبيا كانت قد علقت محاكمة جماعية للمتسببين في أحداث الزاوية وهم (331) شخصا, لئلا يؤثر ذلك على أعمال قمة سرت, إذ أن فتح ملف محاكمات لمثل هذا العدد قبل القمة سيضع القائد الليبي في وضع محرج, كما قد يحرك بعض الحساسيات, الأمر الذي قد يجهض (المشروع الحلم) ويصر المتحمسون للاتحاد الأفريقي على اعطاء صورة برّاقة عن أفريقيا, فهي عندهم قارة 96% من مناجم العالم من الماس, وفيها 90% من البلاتين, وأكثر من 60% من اليورانيوم, و80% من الذهب و30 % من الكوبالت المشع, و80% من الكروم. أفريقيا الدوائر الحمراء لكن المناوئين لسياسة الاتحاد الأفريقي كثيراً ما يتحدثون مع الإقرار بهذه الأرقام والنسب عن الخطوط الحمراء التي لا يمكن لأحد مهما كان أن يتجاوزها, ففرنسا مثلاً واستغلالاً لتكلفة الانتاج المتدنية في أفريقيا أغلقت مناجم حديدها الضخمة في (اللودين) واختارت استثمار المناجم الأفريقية, كما أن لأمريكا مصالحها الكبرى في القارة, والتي لا تسمح بتجاوزها أو المساس بها أبداً, أما (الماس) فهو سبب كبير في الحرب القائمة في منطقة البحيرات العظمى والتي عجزت الوساطات والجهود الكثيرة في احتوائها وإخمادها. أما إسرائيل فإن لها حصة الأسد في التواجد الاقتصادي في القارة, وقد أرست لذلك مؤسسات ضخمة إبان التواجد الاستعماري البريطاني بها, وهي المؤسسات التي عجزت فيما بعد أن تحوّلها الى تمثيليات دبلوماسية, وقد كُشف منذ مدة أن الرئيس الاسرائيلي السابق عيزرا وايزمان, ذاته كان يتلقى أموالاً ضخمة من شركات أفريقية, قال هو في دفع التهمة أنه كان يعمل مستشارا لها. وهي تقاطع هذه الدوائر الرهيبة, هل يمكن دخول مشروع أفريقي على الخط؟ وهل تستطيع المؤسسات والشركات الأفريقية الوقوف الندي في وجه الشركات الغربية للقوميات؟!! المشروع القديم ومع كل ما سبق يجب أن نعلم أن للجماهيرية الليبية زخماً كبيراً في توجهها إلى أفريقيا, ففي الشهر الثامن من سنة 1972 وفي اطلاق الوحدة المصرية ــ الليبية, كانت دبلوماسية طرابلس تريد تجميع أفريقيا السوداء حول العرب, وفي فبراير 1989 بمدينة مراكش المغربية, وفي غمار النقاشات حول الاتحاد المغاربي, فاجأ القذافي الجميع حين اقترح ضم النيجر, مالي والسودان إلى الاتحاد, وترتبط الجماهيرية بالدول الأفريقية بأكثر من (500) عقد وبروتوكول تعاون, وبـ (20) لجنة مختلطة, و(30) مؤسسة صناعية, وسياحية, وزراعية, وبـ (6) بنوك مشتركة في كل من بوركينا فاسو, ومالي, وتشاد, والنيجر, وأوغندا, وتوجو. وبين سنة 1960 و1996 قدمت الجماهيرية معونات وقروضا لـ 18 بلدا أفريقيا غير عربي, كما أعانت على تلقيح (12) مليون طفل, وأعطت مئات المنح الدراسية للطلاب الأفارقة. وبين حديث الأرقام الذي يتبناه النظام الليبي لدعم توجهه وبين الحسابات الأخرى التي يراها المراهنون على صعوبة التضاريس السياسية الأفريقية على المغامرة, تبقى الأيام الكفيل الوحيد ببيان ما سينتهي اليه قطار الأفرقة. الاتحاد الأفريقي والواقع الأفريقي إن الاتحاد الأفريقي يشكل من الناحية النظرية ركوباً موفقاً لموجة العولمة, وهو ما يفترض ان الدول الأفريقية تريد مواجهة حركة تاريخية شاملة ستخنق القوى المنفردة في عزفها الأمني والاقتصادي, لكن الواقع الأفريقي ليس هو الواقع الغربي القائد والموجه والمتحكم في لعبة النظام العالمي الجديد, لذلك يقال ان الاتحاد الأفريقي وُلد في وضع وجو وواقع غير ذلك الذي وجدت فيه القوى والاتحادات القوية كالاتحاد الأوروبي, أو (آسيان) أو (المركوسور) أو (الألادي), أو منظمة دول شرق الكاريبي (OECO). وقد ظهرت في أفريقيا قبل هذا الاتحاد صيغ ومواثيق وأطر تكتيكية باءت كلها بالفشل, ومنها: الرابطة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا ,(CEDEAO) والسوق المشتركة لجنوب وشرق أفريقيا (COMESA), والرابطة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا (CEEAC), لكن هذه الهيئات والمنظمات كانت مجرد تقليد متحمس لما يحدث في العالم الأول, لذلك كانت ظروفها تخنقها. إن واقع التمزق والتناحر والفقر المرض الذي تعيشه أفريقيا يجعلها في حاجة الى مستشفى وقطعة خبز قبل حاجتها الى مصنع وبرلمان. إنني آخذ خريطة القارة وأحاول رصد ما يحدث فيها من انفجارات, وبدون عناء أستطيع أن أسمي الكثير, ومن ذلك حركة (أرومو) الاثيوبية المطالبة بالانفصال لتكوين دولة اسلامية, وفي شمال (مالي) يطالب الطوارق بالاستقلال منذ سنة ,1995 وفي (جزر القمر) حركة تمرد عاتية لفصل جزيرة (انجوان), وفي الكاميرون يطالب (الأنقلوفون) وهم حوالي 25% من السكان بإقامة كيان سياسي مستقل في الجزء الذي كان يحكمه البريطانيون, في أنجولا يتحرك الانفصاليون منذ مطلع التسعينيات لفصل اقليم (كابيندنا) وفي رواندا لجأ (الهوتو) الى شرق (زائير), وفي (السنغال) يوجد تمرد لفصل جزيرة (كازامانست), كما لا ننسى مشاكل البحيرات الكبرى, والقرن الأفريقي المزمنة. أما من ناحية الأمراض ففي أفريقيا اليوم (16) دولة تزيد نسبة المصابين فيها بفيروس الــ (HIV) المسبب لمرض الإيدز على عُشر السكان البالغين من العمر ما بين (15 و49) سنة, وفي الدول الست في جنوب القارة يتوقع أن يكون المرض السبب المباشر في وفاة ما بين 8% و25% من الأطباء الممارسين لمهنتهم, وفي تسع دول من دول جنوب القارة يُقدر أن مواطناً واحداً من بين خمسة مواطنين مصاب بهذا الفيروس, ويتوقع ان يقضي هذا المرض على نحو 80% من السكان. إن هذا الأرقام ستجعل من أولويات القارة صرف مبالغ ضخمة في انعاش استعجالي اجتماعي لا اقتصادي, كما يقول الخبراء إن صيغة الاتحاد الأفريقي تبدو معادلة سيقع فيها الحمل الأكبر على الدول ذات الاقتصاد الأحسن نوعاً ما ونسبياً على المستوى الأفريقي. ومنها دول شمال القارة وجنوبها, لأن الدول المنهكة الأخرى لن تستطيع أن تقدم شيئاً, كما لا يمكن ألا تطلب شيئاً أيضاً من المؤسسات المالية التي ستظهر في اطار الاتحاد, إن كقروض, أو كمعونات, وفي ظل عدم التكافؤ لا يمكن الحديث عن تضحية مستمرة للأقوياء, والذين سيجدون أنفسهم منجذبين أكثر نحو الشاطىء الشمالي للبحر المتوسط وهو الأمر الذي بدأ بانخراط بلد مثل تونس في شراكة مع أوروبا. بل ان هذه الدول المتعافية اقتصادياً نسبياً قد لا تفكر في أفريقيا إلا كونها سوقاً جيدة لمنتجاتها, لذلك كله يبدو تحقيق اتحاد أفريقي أمراً ليس سهلاً رغم جمال اسمه ورنينه. بقلم: محمد جربوعة كاتب وصحفي جزائري مقيم بدمشق