اختتمت قمة سرت الثانية أعمالها في الثاني من مارس 2001 باعلان قيام الاتحاد الأفريقي والاتفاق على استكمال باقي الاجراءات التنفيذية للتوقيع على ميثاقه في قمة لوساكا المقبلة في يوليو 2001 ومن المنتظر، أن يحل الاتحاد الأفريقي محل منظمة الوحدة الافريقية خلال عام من اكتمال اجراءات التصديق, وقد أعلن العقيد معمر القذافي في خطابه في ختام أعمال القمة أن القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي يعد في حكم المصدق عليه وإن كانت هناك بعض الدول التي لم تصادق, فإن ذلك لا يخرج عن كونه مسألة اجراءات دستورية سوف تتم خلال فترات زمنية قد لا تتجاوز الأيام أو الشهور, وأكد القذافي أن افريقيا لا يمكن أن تبني وحدتها إلا من خلال قيادة جماعية متمثلة في قادتها الحاليين الذين أخذوا على عاتقهم تحقيق الآمال والطموحات التي رسخها الآباء المؤسسون للوحدة الافريقية كعبد الناصر ونكروما ولومومبا. والواقع أن اشارته الى هذه الأسماء في خطابه, لها مدلول هام حيث أن هؤلاء القادة تبنوا فكرة وحدة القارة الافريقية ككل, في حين كانت هناك آراء أخرى مطردة إبان مرحلة انشاء منظمة الوحدة الافريقية في الستينيات حول الفصل بين التجمع الأفريقي لدول شمال افريقيا وتجمع آخر للدول الافريقية جنوب الصحراء حيث أصر هؤلاء القادة على رفض هذا الفصل باعتبار أن الصحراء لم تكن منطقة عزل بين شعوب القارة في شمالها وشعوب القارة في جنوبها, بل كانت منطقة تفاعل حضاري وثقافي بين الشعوب, وهو ذات الاتجاه الذي تبناه العقيد القذافي الذي دعا الى انشاء تجمع الساحل والصحراء في فبراير ,1998 وبالفعل تأسس هذا التجمع من مجموعة من الدول تمثل الشريط الفاصل والواصل في نفس الوقت بين ساحل افريقيا الشمالي وجنوبها الصحراوي وقد وقعت على الوثيقة التأسيسية لهذا التجمع ست دول هي ليبيا, مالي, النيجر, تشاد, بوركينا فاسو, السودان, ثم اتسعت العضوية خلال السنوات الثلاث الأخيرة لتصل الى ست عشرة دولة كان آخرها من حيث الانضمام مصر وتونس والمغرب ونيجيريا والصومال التي تم قبول عضويتها في اجتماع الخرطوم في فبراير 2001. وبالرغم من تحمس العقيد القذافي للاتحاد الأفريقي ورؤيته بأن القانون التأسيسي للاتحاد في حكم المصدق عليه إلا أن هناك صعوبات فعلية قد تواجه تحقق وقيام الاتحاد من الناحية العملية, ولعل تعليق د. بطرس غالي الأمين العام للمنظمة الفرانكفونية والخبير بشئون القارة الافريقية يعبر عن هذا الرأي بوضوح إذ قال في تصريح صحفي على هامش القمة (علينا ألا نقلل من حجم الصعوبات التي تواجه قيام الاتحاد الافريقي, وهو ما سنعرض له تفصيلا. الصعوبات التي تواجه امكانية تحقق الاتحاد الافريقي تتعدد العوامل التي تمثل عقبات أمام قيام وتحقيق الاتحاد الأفريقي عمليا بعضها يرجع الى الظروف والرؤى الافريقية وبعضها يرجع الى عوامل خارجية وتتمثل هذه العوامل في: * تعدد الرؤى حول طبيعة الاتحاد الافريقي. هناك عدة رؤى افريقية بصدد طبيعة الاتحاد الأفريقي الدولي, الرؤية الاتحادية التي يتحمس لها العقيد معمر القذافي ويبذل جهدا كبيرا في اقناع القادة الافارقة وتقوم على أساس اقامة الولايات المتحدة الافريقية ككيان دولي كبير يضم دول القارة وتكون له مؤسساته السياسية والاقتصادية والأمنية والقضائية والاجتماعية والثقافية المشتركة, على غرار الاتحاد الأوروبي, على أن يتم ذلك بأسرع وسيلة ممكنة وفي أقرب وقت ممكن, وهذه الرؤية الليبية أقرب من الناحية الفنية الى الصياغة الفيدرالية, التي تؤدي الى قيام كيان سياسي متعدد المستويات من حيث السلطة السياسية, حيث توجد السلطة الاتحادية التي تعلو على المستويات الأخرى, ثم السلطة الوطنية الخاصة بكل دولة من الدول الأعضاء. * الرؤية الثانية ضرورة التمسك والالتزام بمفهوم وأساليب التكامل الاقتصادي تمهيدا لبناء وتفعيل الجماعة الاقتصادية الافريقية وفقا لمعاهدة أبوجا عام ,1991 والتي حددت ست مراحل لبناء الجماعة تستمر لمدة أربعة وثلاثين عاما, حتى يمكن الوصول الى الاتحاد الافريقي, وقد تضمنت اتفاقية أبوجا وملاحقها مخططا مفعلا لهذه المراحل. * الرؤية التوفيقية التي تتحمس للشق المتعلق بانشاء تكتل اقتصادي وتجاري, وفقا لمعاهدة أبوجا وفي ذات الوقت تأخذ بالرأي الليبي حول الاسراع ببناء الاتحاد الافريقي, وقد عبر عن هذه الرؤية رئيس بوركينا فاسو في قمة سرت الأولى حيث ذكر أن الزعماء الأفارقة قد شعروا بأن الموعد المحدد لاقامة مثل هذا التكتل عام 2025 بعيد جدا وهو بذلك يكون قد وفق بين الرؤيتين السابقتين حيث ركز على أهمية الجانب الاقتصادي وفي ذات الوقت أشار الى عامل السرعة في انشاء هذا التجمع ذي الأساس الاقتصادي أولا وفقا لرؤيته. * الرؤية الوظيفية والتي عبر عنها الأمين العام لمنظمة الوحدة الافريقية في قمة لومي ,2000 حيث أشار الى أن الاتحاد الأوروبي قد قضى خمسين عاما من عمره في التجريب والتكيف والتفاوض وأن أساس البناء الأوروبي كان عام 1951 بانشاء جماعة الفحم والصلب التي على أساسها تم التقدم نحو السوق الأوروبية المشتركة, ثم تفاوضت الدول الأوروبية بعد ذلك لسنوات حتى وصلت الى ماستريخت و قيام الاتحاد الأوروبي, ومن هذا المنطلق دعا الأمين العام الدول الافريقية في قمة لومي الى انشاء منظمة للنفط والألماس كمدخل وظيفي سياسي لانشاء الاتحاد الأفريقي في المستقبل على أن تعمل هذه المنظمة المقترحة تحت مظلة اتفاقية الجماعة الاقتصادية الافريقية الموقعة في أبوجا عام 1991. * الرؤية الخامسة رؤية تركز على طبيعة التحول المؤسسي الذي سيحدث حيث سيتم تعديل البناء المؤسسي لمنظمة الوحدة الافريقية وهو البناء الذي يتسم ويتعانق معها كمنظمة اقليمية تقليدية الى بناء جديد يطور هذه المنظمة بما يتناسب والمتغيرات الجديدة, ليكو ن هذا البناء المؤسسي أشبه بالبناء المؤسسي بالاتحاد الأوروبي, وقد عبر عن هذا الرأي وزير الخارجية المصري عمرو موسى وهكذا تتعدد الرؤى حول طبيعة الاتحاد الافريقي, بالرغم من الحماس النسبي للرؤية الليبية, إلا أن الدول الافريقية التي تتبنى الرؤى الأخرى لا يمكن التقليل من أهميتها أو تجاهل تأثيرها. * الطبيعة المعقدة للتركيبة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسكانية لأفريقيا, والتي لا يمكن تجاوزها من خلال اعلان الرغبة في تخطي الفوارق اللغوية والعقائدية والاثنية والوطنية, فالواقع أكثر تعقيدا من النوايا الطيبة المعلنة من قبل القادة الأفارقة بدليل أن هذه الطبيعة المركبة والمعقدة تهدد الأوضاع الداخلية في داخل العديد من الدول الافريقية ذاتها. * صراع المصالح بين القوى الكبرى على افريقيا والتدخل الأجنبي المباشر في شئون الدول الافريقية, والروابط القائمة بالفعل بين الدول الافريقية والدول الاستعمارية السابقة, وهذه العوامل من شأنها أن تتقاطع مع الطموحات والرؤية الليبية المطروحة لقيام الاتحاد الأفريقي بل وقد تلجأ بعض هذه القوى الخارجية الى إحياء الصراع الثقافي بين الثقافة الافريقية والثقافة العربية الاسلامية, بحكم الثقل العربي الواضح في الدعوة الى قيام الاتحاد الافريقي, وقد حذر العقيد القذافي في خطابه في ختام قمة سرت الثانية من التدخل في الشئون الداخلية لافريقيا, بهدف الاطاحة بفرص تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في القارة الافريقية, وقال إن افريقيا التي ناضلت طويلا من أجل حريتها واستقلالها, أصبح من حقها الآن أن تدخل عالم اليوم كتكتل واحد له برلمان يماثل الكونجرس الأمريكي أو مجلس الدوما الروسي. هذه بعض الصعوبات التي تواجه التحقق العملي للاتحاد الأفريقي وفقا للرؤية الليبية, ويبدو أن الفترة من الآن وحتى انعقاد قمة لوساكا في يوليو 2001 سوف تكون فترة حاسمة في تحديد الصيغة النهائية التي سيكون عليها الاتحاد الافريقي, ولاشك في أنه في حالة قيام الاتحاد الأفريقي وفقا للرؤية الليبية, فإنه سوف يكون حدثا كبيرا على المستوى الدولي والاقليمي, حيث أنه سيؤثر على توازن القوى والمصالح للقوى الدولية الكبرى ذات المصالح الهامة في افريقيا, كما أنه سيقدم نموذجا لامكانية تحالف دول الجنوب من أجل مواجهة المخاطر التي تتعرض لها في ظل المتغيرات العالمية الجديدة. الاتحاد الأفريقي والعلاقات الافريقية العربية لاشك في أن الحضور العربي والدور العربي أمر واضح في الاتحاد الأفريقي الذي يضم سبع دول عربية, وهو ما يمثل تجسيدا للدعوة الليبية الى اقامة تحالف عربي افريقي, وتقوية جسور التواصل والتكامل بين الجانبين, خاصة وأن هناك مقومات متاحة لتحقيق ذلك, وقد مرت العلاقات العربية الافريقية بعدة مراحل, الأولى مرحلة النضال المشترك ضد الاستعمار من 1952 الى ,1967 الثانية مرحلة التعاطف الأفريقي تجاه العرب من 1967 حتى ,1973 فمرحلة التضامن العربي الأفريقي 1973 ,1978 ثم مرحلة الجمود المؤسسي في العلاقات العربية الافريقية 1978 , 1998 ثم المرحلة التي بدأت عام 1998 من خلال التحرك الليبي في القارة الافريقية. ولاشك في أن افريقيا قد تغيرت, وأن هناك عوامل جديدة قد تداخلت لتؤثر على العلاقات العربية الافريقية, وأخطرها التغلغل الاسرائيلي في افريقيا, والصراع القائم بين القوى الدولية الكبرى على مناطق النفوذ في افريقيا, والصراع الثقافي بين الفرانكفون والانجلوفون, كل هذه العوامل لابد من أخذها في الاعتبار عند صياغة العلاقات العربية الافريقية خلال المرحلة المقبلة, ولاشك في أن الاتحاد الأفريقي أيا كانت الصيغة التي سيتبلور بها سوف يوفر فرصة ملائمة لوضع أسس جديدة للعلاقات العربية الافريقية, تتوافق والمستجدات والمخاطر التي تواجه الدول العربية والافريقية على السواء, مع ضرورة الاستفادة من تجارب المراحل السابقة وما شابه من سلبيات من الجانبين لتلافيها, وما تحقق خلالها من ايجابيات بهدف دعمها والبناء عليها. والواقع أن التركيز على الجانب الاقتصادي في نطاق الاتحاد الأفريقي ربما يكون المدخل الملائم لوضع الأسس القوية لهذا الاتحاد, خاصة وأنه يحظى باتفاق على كافة المستويات, حيث تتوافر المقومات الاقتصادية في الدول العربية والافريقية على السواء التي يمكن توظيفها التوظيف الذي يحقق المصالح والمنافع المتبادلة, من خلال صياغة تعاونية ملائمة, الأمر الذي يجعل من المشاركة في الاتحاد الافريقية مشاركة لها مردود ايجابي واضح على أعضائه, بما يؤدي الى ازدياد تمسكهم به, وسعيهم الى تطويره المستمر, وإن كنا ندعو الى التركيز على الجانب الاقتصادي أولا فإن هذا يرجع الى التعقيد المتوقع أن يواجهه العمل المشترك على الأصعدة الأخرى, ذلك لأن معظم التجمعات الاقليمية الأخرى لم تحرز نجاحا كبيرا في العديد من المجالات, خاصة في مجال حل النزاعات الداخلية والحدودية في افريقيا, بالرغم من أنه من المفترض أن مثل هذه التجمعات بحكم تكوينها هي الأكثر تناغما والأكثر قدرة على التعامل مع مثل هذه النزاعات, فعلى سبيل المثال فشلت منظمة الايكواس وهي الجماعة الاقتصادية لغرب افريقيا والتي بين البعد الاقتصادي والبعد السياسي والأمني في ميثاقها, في حل النزاعات الداخلية في ليبيريا عام ,1990 سيراليون من عام 1991 وحتى الآن, غينيا بيساو من 1998 وحتى الآن, بالاضافة الى فشلها في علاج الصراع الحدودي الذي تفجر بين ليبيريا وسراليون, وغينيا كوناكري, والنزاع بين نيجيريا والكاميرون حول جزر باكاس. كما فشل تجمع ايجاد في التوصل الى حل سلمي لوقف الحرب في جنوب السودان وفشل تجمع دول الجنوب الأفريقي ساداك في حل مشكلة الكونغو. لهذه الأسباب نرى أن التركيز على الجانب الاقتصادي في نطاق الاتحاد الأفريقي يمكن أن يكون له مردود ايجابي على الاتحاد ذاته وعلى العلاقات العربية الافريقية. بقلم: د. محمد سعد أبو عامود أستاذ العلوم السياسية ــ جامعة حلوان