تفاءل الكثيرون, حين أعلن رؤساء الدول والحكومات الأعضاء في منظمة الوحدة الافريقية عن قيام الاتحاد الأفريقي وذلك في قمتهم الاستثنائية الخامسة التي عقدت بمدينة سرت الليبية يومي 2,1 مارس الجاري, والمعروفة بقمة سرت 2. هذا الاتحاد الأفريقي من المقرر أن يحل محل منظمة الوحدة الافريقية, ويدخل قانونه التأسيسي حيز التنفيذ بعد 30 يوما من إيداع وثائق التصديق عليه من قبل ثلثي عدد الدول الأعضاء في المنظمة (أي من قبل 36 دولة). ولن يبدأ عمله الفعلي إلا بعدما يمر عام على الأقل, من دخوله حيز التنفيذ كفترة انتقالية يمكن خلالها إنشاء الأجهزة والمؤسسات الجديدة من ناحية, وتتمكن منظمة الوحدة الأفريقية من تحويل أصولها وخصومها وجميع المسائل ذات الصلة إلى الكيان المؤسسي الجديد. وإذا سارت الرياح كما تشتهي السفن, فسيكون اجتماع القمة الافريقية العادية رقم 37 والمقرر في لوساكا في يوليو المقبل (2001) بمثابة آخر اجتماع لقيادات أفريقيا تحت مظلة منظمة الوحدة الأفريقية بعدما لبثت تمثل المظلة القارة وتقود العمل الجماعي الأفريقي لمدة تناهز الأربعين عاما. والسؤال الذي يتبادر الى الاذهان الآن هو: هل يمكن أن ينظر الى الاتحاد الأفريقي المزمع اقامته باعتباره آلية تنظيمية أكثر فاعلية من منظمة الوحدة الافريقية؟ وكيف سيقود الاتحاد الأفريقي قارة أفريقيا في القرن الواحد والعشرين في ظل مشكلاتها المعقدة والتحديات الجسيمة التي تفرضها العولمة والعالم الجديد؟ كيف سيتم التنسيق بين الاتحاد الجديد والمنظمات والتجمعات الاقليمية الفرعية التي تنامى دورها في الساحة الافريقية في السنوات الأخيرة؟ الاتحاد الأفريقي كآلية بديلة لمنظمة الوحدة الافريقية من المهم أن نشير بداية الى أن منظمة الوحدة الافريقية التي تأسست في مايو 1963 قد أنجزت أهدافها الرئيسية التي وردت بالميثاق, ونخص منها هدفين رئيسيين: الأول وهو تصفية الاستعمار التقليدي في القارة وقد تحقق هذا الهدف على نحو كامل بفضل جهود شعوب القارة وحركات تحريرها وحكوماتها, سواء فرادى أو من خلال آليات المنظمة وأهمها (لجنة التنسيق لتحرير أفريقيا) وهي لجنة مستقلة كانت مهمتها تتلخص في تنسيق المعونات لحركات التحرير الوطني. وحينما انتهت مهمة التحرير والاستقلال انتهت مهمة اللجنة ذاتها في أواخر عام 1994. أما الهدف الثاني فكان مكافحة التمييز العنصري ومقاومة نظم حكم الاقلية البيضاء عن الجنوب الأفريقي. وقد انجز هذا الهدف أيضا بعد التحول السياسي الذي حدث في روديسيا الجنوبية (زيمبابوي الآن) عام ,1980 والتحول السياسي في جنوب افريقيا من نظام الأبارتهيد الى نظام الحكم الديمقراطي حيث تحكم الأغلبية الافريقية السوداء الآن منذ عام 1994. ولا ننسى, بجوار ما تقدم, أن المنظمة رغم ما تعرضت له من أزمات, قد أسهمت ايجابيا في تعزيز تضامن شعوب القارة ودولها, وأرست قواعد لتسوية النزاعات بين الدول الأعضاء خاصة نزاعات الحدود, وذلك حسبما أقرت مبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار عند الاستقلال الوطني, وأقرت كذلك مبدأ عدم الاعتراف بالانفصال والحركات الانفصالية في سياق الحروب الأهلية, كما قطعت المنظمة شوطا في سبيل دفع التكامل الاقتصادي والتعاون بين دول واقاليم القارة, وسعت منذ عام 1993 لبناء آلية لمنع وادارة وتسوية النزاعات, تركزت جهودها المتواضعة على مجال الدبلوماسية الوقائية أكثر من معالجة الأزمات والعمليات التي استشرت وعظم خطرها. ومنذ التسعينيات على الأقل, اصبح دور منظمة الوحدة الافريقية محل تساؤل, خاصة في ظل المتغيرات الجديدة التي صاحبت انتهاء الحرب الباردة من موجة تحول ديمقراطي, وأزمات اقتصادية وتهميش أفريقيا في ظل التقسيم الدولي الجديد للقوة والعمل ومخاطر العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية.. الخ, وهو الامر الذي نشط من التيار الرامي لتعديل ميثاق المنظمة, وانتهى مؤخرا باعلان القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي ليحل محل ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية. والاتحاد الأفريقي الجديد, رغم قيامه على صيغة تعاهدية مبنية على الحفاظ على سيادة الدول الأعضاء ووحدة أراضيها واستقلالها في تحقيق الوحدة والاندماج القاري, بالتأكيد أكثر من المنظمة التي سيخلفها, وذلك من عدة جوانب, أولها, النصوص الواردة في القانون التأسيسي, في كل المواضع, تؤكد كلها بعبارات واضحة على هدف تحقيق الوحدة والاندماج القاري بشكل أكبر مما تحقق من قبل في ظل منظمة الوحدة الأفريقية. ففي المقدمة نجد النص الآتي: (واذ نستلهم بالمثل النبيلة التي استرشد بها الآباء المؤسسون لمنظمتنا القارية وأجيال من انصار الوحدة الشاملة في عزمهم على تعزيز الوحدة والتضامن والتلاحم والتعاون فيما بين الشعوب والدول الافريقية), وفي الفقرة (جـ) نجد النص التالي (التعديل بتكامل القارة السياسي والاجتماعي والاقتصادي). ثانيها: أن الوحدة أو الاندماج المقصود في ظل الاتحاد ليس فقط بين الدول, كما نرى مثلا في عبارتي (بين البلدان والشعوب الأفريقية) (م3/ف أ). ان كلمة الشعوب تأتي قبل الدول في مقدمة القانون كما سبق حين أوردنا النص. وتشير فقرة أخرى في مقدمة القانون الى الحاجة الى (بناء شراكة بين الحكومة وكافة فئات المجتمع المدني وخاصة النساء والشباب والقطاع الخاص بغية تعزيز التضامن والتلاحم بين شعوبنا). وبالاضافة الى ذلك فان عبارات تعزيز حقوق الانسان للشعوب, وعبارات مثل (تعزيز المشاركة الشعبية والحكم الرشيد) تأتي كلها بمثابة أهداف للاتحاد. كما تتضمن الفقرة الثالثة من المادة الرابعة الخاصة بالمبادئ نصا آخر وهو (مشاركة الشعوب الافريقية في أنشطة الاتحاد), الأمر الذي يعبر بمنتهى الدلالة على أن الشعوب الافريقية باتت شريكا رئيسيا في هذا الكيان الجديد (خاصة بعد أن أصبح برلمان عموم أفريقيا أحد الأجهزة الرئيسية للاتحاد), كما تمثل الشعوب هدفا أيضا لأنشطة الاتحاد في نفس الوقت, ثالثها: أن الاتحاد يسعى الى التعجيل في تنفيذ المعاهدة المؤسسة للجماعة الاقتصادية الأفريقية. ومعنى ذلك أن المعاهدة التي كان مقررا لها أن تؤسس الجماعة الاقتصادية الافريقية على مراحل تنتهي عام ,2025 سوف يتم التعجيل بتنفيذها واختصار هذا الزمن (بغية تعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية في افريقيا, ومواجهة التحديات التي تفرضها العولمة بصورة أكثر فعالية). ومن ناحية أخرى, يعكس القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي رؤية جديدة لدور الاتحاد في مجال حل الصراعات وحفظ السلام وفرضه في القارة, وخاصة بالنسبة لامكانيات تدخل الاتحاد في الصراعات الداخلية التي تمثل الآن أخطر ظاهرة مؤثرة في أمن واستقرار افريقيا, وكانت آليات منظمة الوحدة الافريقية ضعيفة أن لم تكن عاجزة في مواجهتها. فمنذ البداية, أصبح (تعزيز السلام والأمن والاستقرار في القارة) هدفا رئيسيا من أهداف الاتحاد (م,3 فقرة و), لكن الأهم من ذلك في تقديري ماجاء في المادة الرابعة الخاصة بالمبادئ من النص على وضع سياسة دفاعية مشتركة للقارة الافريقية. وهذا المبدأ سيسمح, في ظل مؤسسات نشيطة بتطوير تحديات أفريقية في مجال عمليات حفظ السلام وفرضه وهي نقطة الضعف الرئيسية في آليات منظمة الوحدة الأفريقية المتعلقة بإدارة وحل الصراعات وبناء السلام, خاصة بعدما أصبح من حق الاتحاد التدخل (المقيد بطبيعة الحال) في دولة عضو في ظل ظروف خطيرة مثل جرائم الحرب والابادة الجماعية والجرائم ضد الانسانية, وكذلك في ظل المبدأ الذي تبناه الاتحاد أيضا والخاص بحق الدول الأعضاء في طلب التدخل من الاتحاد لاعادة السلام والأمن. الاتحاد والتجمعات الاقليمية الفرعية رغم أن التجمعات الاقليمية الفرعية كانت تتماشى مع سياسات منظمة الوحدة الأفريقية وثمة قدر من التنسيق كان قائما بين الجانبين, الا أن قدرا ملحوظا من المشاكل والآثار الجانبية كان ملحوظا في الفترة الاخيرة, ومن أهم تلك المشاكل والآثار الجانبية, تعددية الولاءات الاقليمية بفعل تعددية الانتماءات للتجمعات المختلفة, حتى داخل الاقليم الواحد, كما أن التفاوت بين مستوى التنمية ودرجة الاندماج أو التكامل بين تجمع وآخر تثير تعارضا وارتباكا في الغالب, ويفرض ضغوطا متضاربة على بعض الدول الأعضاء, هذا ناهيك عن الأطر والمضامين الأمنية والدفاعية التي توجد هنا أو هناك بدرجات غير متسقة مما يفرض قدرا ليس هينا من الارتباك في حركة العمل الاقليمي الفرعي ويخلق تمايزات ملحوظة. وقد أدركت الدول الأعضاء في الاتحاد هذه الأمور, خاصة حينما نص القانون التأسيسي في المادة الثالثة المتعلقة بالأهداف (ف ب) على أن من أهداف الاتحاد (تنسيق ومواءمة السياسات بين المجموعات الاقتصادية الاقليمية القائمة والمستقبلية من أجل التحقيق التدريجي لأهداف الاتحاد), ومعنى ذلك ان ثمة اتجاها, ربما سينمو فيما بعد, يوضع ضوابط صارمة لعمليات التدخل الاقليمي الفرعي في حل النزاعات, والتي زادت في ظل منظمة الوحدة الافريقية, وضبط حركة الاقاليم لصالح الحركة القارية. فعالية الاتحاد الأفريقي في ظل التحديات القائمة إن مهمة الاتحاد الأفريقي تتلخص في قدرته على نقل أفريقيا من حالة الفوضى وعدم الاستقرار الى حالة من الاستقرار والأمن بحيث يهيئها لعملية التنمية, كما أن مهمته تتمثل أيضا في نقل أفريقيا من حالة الاهمال الدولي والتهميش الى حالة أفضل من الاهتمام والتعاون وبناء شراكات ايجابية مع القوى الدولية المختلفة, وتلك مهمة صعبة وليست هينة, ولا نستطيع في ظل الظروف الراهنة, أن نجزم بنجاح الاتحاد الأفريقي وفعاليته الا من خلال العمل الفعلي والانجاز وليس لمجرد تغيير في النصوص أو المؤسسات. ومع ذلك فإن التغيير بات ضروريا, والأهم منه, في رأيي, توافر الإرادة السياسية للدول الافريقية ولشعوبها في تحدي المشكلات والمصاعب القائمة. تلك الإرادة هي التي ستجعل الافارقة يدافعون عن الاتحاد كما دافعوا عن منظمة الوحدة الافريقية, وستجعلهم يتحدون المشكلات كما تحدوا الاستعمار القديم وتخلصوا منه. صحيح أن الاتحاد الأفريقي يحتاج الى ميزانية ضخمة ربما عشرة أضعاف ميزانية المنظمة القائمة, وتحتاج إلى كوادر مؤهلة وتسهيلات فنية ولوجستيكية, لكن ليس هناك خيار آخر. بقلم: د. محمود أبوالعينين مدير مركز البحوث الأفريقية ــ جامعة القاهرة