مثل الإعلان عن قيام الاتحاد الأفريقي في قمة سرت الثانية بليبيا كبديل لمنظمة الوحدة الأفريقية خطوة مهمة وجديدة على طريق إحياء حركة الجامعة الأفريقية أو (البان أفريكانزيم) ,Pan-Africanism والتي برزت في أواخر القرن التاسع عشر, وبدأت مؤثراتها في أوائل القرن العشرين على يد مثقفين زنوج من ديبواه وجارفي وغيرهم, ثم تطورت داخل القارة الأفريقية على يد زعماء وطنيين مثل نكروما وموديبوكيتا وسيكوتوري وعبد الناصر. غير أن المفارقة التاريخية في إحياء (البان أفريكانزيم) هذه المرة هي أن ما انتهت إليه أفكار نكروما في الخمسينيات والستينيات عن الولايات المتحدة الأفريقية من اختزال تمثل في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963 التي تعبر عن ارادات مستقلة للدول المنضوية فيها, ونفس الأمر تقريباً انتهى إليه المشروع الطموح للرئيس الليبي معمر القذافي حول ولايات متحدة إفريقية حيث انتهى الأمر إلى إقرار اتحاد أفريقي عبارة عن كيان كونفدرالي (تعاهدي) يقترب إلى حد ما من صورة الاتحاد الأوروبي. ولعل هذا التشابه في اختزال مشروعي نكروما والقذافي اللذين يمثلان سقفاً لطموحات حركة البان أفريكانزيم إلى صيغ براجماتية تحفظ للدول الأفريقية استقلاليتها يطرح استفهامات عديدة أبرزها, كيف كان كل من مشروع نكروما, ومشروع القذافي, يمثلان جزءاً من تطور حركة (البان أفريكانزيم), ولماذا لم يتم تجسيد الشكل المثالي للحركة (ولايات متحدة أفريقية) وما الفرق بين كل من المشروعين, نكروما الذي انتهى إلى منظمة الوحدة الأفريقية عام ,1963 والقذافي الذي انتهى إلى الاتحاد الافريقي وهو المشروع المطروح حالياً ؟ وهل يمكن أن يكون الاتحاد الأفريقي بداية نحو إحياء البان أفريكانزيم بتوحد أفريقيا سياسياً واقتصادياً وثقافياً. نشأت حركة (البان أفريكانزيم) في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على يد مجموعة من المثقفين الزنوج في الدول الغربية الذين رفضوا الاضطهاد والعنصرية التي تمارس آنذاك تجاه الجنس الأسود حيث لم يحظ الزنوج بأية حقوق آدمية, وقد دفع ذلك هؤلاء المثقفين إلى بلورة عدد من الأفكار حول رفض العنصرية والمطالبة بالمساواة للجنس الأسود مع الأجناس الأخرى, وقد أعطيت هذه الأفكار أبعاداً حركية ومؤسسية (حركة البان أفريكانزيم) من خلال مؤتمرات بدأت عام 1900 على يد سيلفستر ويلمز ثم انتقلت لوليم ديبواه الذي أعطى الحركة أبعاداً أيديولوجية أعمق بتحديد الهدف من قيامها وهو (التفاهم والتعاون الفكري بين كل الجماعات من أصل زنجي من أجل تحقيق التحرير المادي والروحي للشعوب الزنجية)., وقد عقد ديبواه عدة مؤتمرات في بروكسل ولشبونة ونيويورك في أعوام ,1919 ,1921 ,1923 1927. غير أن اتجاه ديبواه الاعتدالي في رؤية حركة الأفريكانزيم قد واجهه اتجاه راديكالي قاده ماركوس جارفي الذي واجه العنصرية البيضاء بعنصرية سوداء,وذلك من خلال محاولته إقامة امبراطورية مستقلة للزنوج,وإقناع رئيس ليبيريا بالفكرة عام 1924 إلا أنه فشل,وانتهى به المطاف للسجن عام 1940. وعقب مؤتمر مانشستر لمع نجم الدكتور كوامي نكروما كزعيم أفريقي وغاني تبنى أفكار حركة (البان أفريكانزيم) وجسدها من خلال إعلانه عن مشروعه (الولايات المتحدة الأفريقية) التي تعني لديه نظاماً مالياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً أفريقيا موحدا. وحاول نكروما البدء بتطبيق أفكاره في غرب أفريقيا من خلال تكوين الاتحاد الفيدرالي لغرب أفريقيا حتى يكون نواة للولايات المتحدة الأفريقية, كما نظم نكروما أول مؤتمر للدول الأفريقية المستقلة بأكرا 1958 والذي شاركت فيه جميع الدول الأفريقية المستقلة آنذاك بما فيها الدول العربية., وفي ظل هذه الأجواء ساد شعور لدى الأفارقة بضرورة الوحدة, فانعقدت مؤتمرات للشعوب الأفريقية في تونس 1960 والقاهرة عام 1961 . غير أن أفكار نكروما لم تحظ بتأييد غالبية الدول الأفريقية, وبرزت آنذاك اتجاهات متعددة, فمنها من أيد تلك الأفكار مثل سيكوتوري في غينيا وموديبو كيتا في مالي وتمت بلورة هذا الاتجاه في مجموعة (الدار البيضاء) التي كانت تضم بالإضافة لهاتين الدولتين الجمهورية العربية المتحدة والمغرب وليبيا والجزائر بحكومتها الموقتة. أما (الاتجاه الرافض) أو ما يطلق عليه المحافظ فقد رأى أن الاندماج الكامل بين أرجاء القارة الإفريقية لابد وأن يسبقه تعاون اقتصادي إقليمي, وقاد هذا الاتجاه سنجور في السنغال وهوافييه بو انييه في ساحل العاج, وعبرت عنه كذلك في مجموعتين هما (برازفيل) التي ضمن الدول الخاضعة للاستعمار الفرنسي, ومجموعة (منروفيا) . غير أنه بين هذين الاتجاهين ظهر اتجاه وسطي تزعمته في النهاية مصر تحت قيادة الزعيم جمال عبد الناصر وكذلك كل من الامبراطور الأثيوبي هيلاسلاسي و الرئيس الأوغندي آنذاك ميلتون اوبوتي وتلخص رأيهم في ضرورة التوفيق بين الرغبة في الوحدة الاندماجية وإقامة بنية إقليمية واقتصادية لهذه الوحدة كذلك فمن الممكن أن تتنازل الدولة عن جزء من سيادتها لانشاء جهاز أفريقي ذي سلطات محددة. وقد انتهت هذه الا تجاهات إلى إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963 التي سعت للحفاظ على استقلال كل دولة منضمة لها, ولم ييأس نكروما بعد إنشاء المنظمة فقد طرح مشروع (الحكومة القارية الأفريقية) في المؤتمر الأول بالقاهرة عام 1964 إلا أنه تم تأجيل مناقشته إلى مؤتمر أكرا عام 1965 الذي أحاله للجنة, ثم وأد المشروع بعد الإطاحة في هذا العام بكوامي نكروما. وهكذا فإن السقف الأعلى لحركة (البان الافريكانزيم) الذي طرحه نكروما من خلال مشروعه للوحدة الاندماجية تم اختزاله إلى الحد الأدنى من التعاون بين الدول الأفريقية الذي تمثل في إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية. القذافي ومشروع (ولايات متحدة أفريقية) (1999) : وظلت منظمة الوحدة الأفريقية منذ انشائها عام ,1963 ولعقود طويلة تنعقد بانتظام لكن بفعالية محدودة سواء في حل النزاعات المسلحة في القارة الأفريقية أو تفعيل التعاون المشترك اللهم إلا إقرار المنظمة لمعاهدة أبوجا عام 1991 التي استهدفت الوصول لاتحاد جمركي عام 2014 وسوق مشتركة عام 2020 وجماعة اقتصادية أفريقية عام 2034 وكذلك إقرار آلية منع وإدارة وتسوية النزاعات الأفريقية في قمة القاهرة يونيو 1993. وفي السنوات الأخيرة دشنت السياسة الخارجية الليبية توجهاتها الأفريقية وذلك أثر عدد من المواقف أبرزها انفراج أزمة لوكيربي, والمساندة التي أولتها الدول الأفريقية لليبيا خلال قمة واجادجو سبتمبر ,1998 وكذلك إدراك القيادة الليبية لضرورة التأقلم مع التغييرات في النظام العالمي والتي فرضت عليها انتهاج سياسة مرنة للخروج من الحصار الغربي الذي فرض على طرابلس عام 1992 و العمل من خلال التجمعات الإقليمية مثل (تجمع الساحل والصحراء الذي أنشئ بمبادرة ليبية في فبراير 1998. وحشدت ليبيا في قمة سرت كل الأساليب التي تدفع الرؤساء الأفارقة على الموافقة على وحدة اندماجية, فقد حرصت ليبيا على دعوة جميع الرؤساء الأفارقة السابقين وأبنائهم الذين ساهموا في دفع عملية الوحدة الأفريقية (جمال عبد الناصر نكروما أحمد بن بلا مختار ولد داده ابن الرئيس لومومبا). وقد عرضت ليبيا على قمة سرت مشروعين هما : الأول يدعو لعمل وحدة أفريقية اندماجية (ولايات متحدة أفريقية) على غرار الولايات المتحدة الأمريكية, بمعنى توحيد كامل في السياسات الخارجية وهيئات الدولة من وزارات وقضاء وجيش وبرلمان موحد, ويكون للولايات المتحدة الأفريقية رئيس يتولى السلطة التنفيذية للاتحاد ويقر ترشيحه من قبل رؤساء الولايات الأعضاء.. الخ. أما المشروع الثاني فهو يتضمن إقامة اتحاد أفريقي أشبه بالاتحاد الكونفدرالي والتي تحتفظ فيه كل دولة بدستورها وقوانينها الخاصة وجيشها وعلاقاتها الخارجية غير أن لهذا الاتحاد صلاحيات اتخاذ قرارات في شأن قضايا الحرب والسلم وموارد القارة الطبيعية, وهناك برلمان للاتحاد ويضم برلمان دول الاتحاد,وكذلك محكمة عليا أفريقية تبت في النزاعات المختلفة بين الدول الأفريقية. ورفضت الدول الأفريقية المشروع الليبي الأول الذي يجسد احياء السقف الأعلى لأفكار (البان أفريكانزيم) لأنه يقتضي ضمنياً تنازل الدول الاعضاء في الولايات المتحدة الأفريقية عن سيادتها, كما اعتبرت دول أفريقية أخرى المشروع خيالياً وغير قابل للتحقيق في ضوء المشكلات والبنى الاجتماعية والاقتصادية المفتتة للقارة الأفريقية, ومن ابرز الدول التي رفضت المشروع الاندماجي هي الجزائر ونيجيريا وجنوب أفريقيا وهي ذات ثقل في منظمة الوحدة الأفريقية. أما المشروع الثاني (الاتحاد الأفريقي) فقد حظي بتأييد أغلبية الدول الأفريقية التي حضرت قمة سرت, غير أنها طلبت إحالته للجنة لإعداد النص النهائي للاتحاد الافريقي, ويتم عرضه في قمة لومي رقم 36 تمهيداً لإمكان التصديق النهائي عليه في قمة استثنائية أخرى بسرت. وإضافة لذلك فقد أكدت قمة سرت في قراراتها على الاسراع بتنفيذ مقررات قمة أبوجا لعام 91 وتقصير آجال الوصول للسوق الأفريقية المشتركة, كما قررت تفعيل مؤسسات اقتصادية مثل صندوق النقد الأفريقي,والبنك المركزي الأفريقي, وسرعة إنشاء محكمة العدل الأفريقية والبرلمان الأفريقي, وتفعيل جهاز فض المنازعات بزيادة ميزانيته وتزويده بلجان للإنذار المبكر للأزمات المتوقع تفاقمها. وبعد قمة سرت سادت حالة من التوجس لدى الدول الأفريقية حتى من مشروع الاتحاد الافريقي لأنه لا يمكن الوصول لصيغة تماثل الاتحاد الأوروبي, خاصة في ظل واقع أفريقي متنافر ليس فقط بين الدول بل داخل كل دولة, كما أبدت بعض الدول مخاوفها من أن يكون الاتحاد الأفريقي تغطية للدور الجديد للقذافي في أفريقيا, أو هو رد فعل عاطفي للتأييد الأفريقي لليبيا إبان أزمة لوكيربي, وهو ما دفع البعض إلى القول إن الحفاظ على منظمة الوحدة الأفريقية بكل عيوبها أفضل من اتحاد أفريقي قد يلفظ أنفاسه في أي أزمة محتملة بين ليبيا والدول الأفريقية. وقد نجح هذا الحشد الليبي في إقرار قمة لومي للقانون التاسيسي للاتحاد الافريقي, كما قررت القمة أن يعقد القادة الأفارقة قمة استثنائية في سرت لاستكمال إجراءات التوقيع ثم التصديق عليه من قبل باقي الدول الأفريقية حيث يلزم نفاذ الاتحاد الافريقي التصديق عليه من قبل ثلثي دول منظمة الوحدة الأفريقية (36 دولة) ورغم أن 31 دولة فقط هي التي صدقت عليه حينما عقدت قمة سرت في الأول من مارس 2001 إلا أنه تم إعلان قيام الاتحاد الأفريقي بقرار سياسي اتخذته القمة وذلك حسب ما قاله سالم أحمد سالم الأمين العام لمنظمة الوحدة الأفريقية. ان الصياغة النهائية للاتحاد الأفريقي لا ترقى بالطبع إلى طموحات القذافي الذي كان يرغب في إقامة كيان اندماجي افريقي على غرار الولايات المتحدة الأمريكية برئيس وبرلمان بل أن هذا الاتحاد يمثل قارة يقودها مجلس من رؤساء الدول مع برلمان عموم أفريقيا ومحكمة عدل, ويؤكد القانون التأسيسي للاتحاد عدم انتهاك الحدود التي خلفها الاستعمار بين الدول الأفريقية لكنها تسمح للأعضاء بالتدخل في دولة عضو عندما تهدده حرب أهلية أو إبادة جماعية. وفي كل الأحوال فقد تغلب منطق السيادة الوطنية على ميثاق الاتحاد الأفريقي كما يعني الابتعاد عن الأفكار الليبية المثالية كما عرضها الاختيار الأول والذي يجسد سقف طموحات البان افريكانزيم. وهكذا فمشروع القذافي قد اختزل في نهاية الأمر مثله مثل مشروع نكروما لصالح المصالح الوطنية للدول الأفريقية غير أنه يظل هناك فارق مهم هو أن الاتحاد الافريقي يصلح كبديل أولي أو مبدئي يمكن البناء عليه لتجسيد أحلام الأفارقة في الوحدة الاندماجية أو كما قال بطرس غالي عندما علق على الاتحاد الأفريقي (إنها خطوة ايجابية مشجعة لكن فقط الخطوة الأولى.. فهذا الاتحاد إطار يرسم خطة توجيه أفريقيا وإذا فشل ستقام حوائط بين القارة والعالم الخارجي). بقلم: خالد حنفي علي ، باحث في الشئون الأفريقية