يشهد المجتمع الدولي في غضون الأشهر القليلة المقبلة ولادة تنظيم دولي قاري جديد اسمه الاتحاد الأفريقي, بعد ان اقر قادة الدول الأفريقية في القمة الطارئة التي عقدها في مدينة سرت الليبية في بداية مارس الحالي، اقامة هذا الاتحاد كمنظمة أفريقية بديلة لمنظمة الوحدة الأفريقية, وذلك بعد أن تستكمل الاجراءات القانونية الخاصة بإقامة هذا الاتحاد مثل: توقيع ثلثي الدول الأفريقية الـ 53 على الاتفاقية الخاصة به وإقرار هيئات ومؤسسات ومقرات هذا الاتحاد السياسية والاقتصادية والإدارية حيث من المتوقع أن تكون مدينة سرت مقر رئاسة الاتحاد الأفريقي وأن تكون بريتوريا مقراً للبرلمان الأفريقي, ومن المقرر ان يسفر الاتحاد عن إقامة عدد من الهيئات الأفريقية بينها محكمة عدل أفريقية عليا وسوق أفريقية مشتركة اضافة إلى بنك ونقد أفريقي. ويعتبر اقرار القادة الافارقة اقامة هذا الاتحاد فيما بين دولهم بمثابة قرار أو حكم بإعدام منظمة الوحدة الأفريقية التي أسسها القادة الأفارقة في عام 1963 بعد مضي 38 عاماً على وجودها. وقد لعبت هذه المنظمة من خلال مؤتمرات القمة السنوية التي عقدها القادة الأفارقة ومن خلال اجتماعات الوزراء المختصين دوراً مهماً في نضال الدول الأفريقية من أجل الاستقلال والتخلص من كل أشكال الحكم الاستعماري والعنصري وفي النضال من أجل مكانة أفضل للقارة الأفريقية على المستوى الدولي ومن أجل حياة أفضل للأفارقة, وإلى جانب ذلك فقد لعبت دوراً مهماً جداً في صيانة وحدة وسلامة الدول الأعضاء وفي السعي من أجل تسوية المنازعات بين الدول الأفريقية بالطرق السلمية ورفض الاعتراف بالاتجاهات والتمردات الانفصالية التي شهدها العديد من دول القارة. إلا ان المنظمة فشلت في تحقيق العديد من الأهداف التي رسمها لها الميثاق التأسيسي المعروف بميثاق أديس أبابا, وفي مقدمتها الهدف الكبير المتمثل بتحقيق الوحدة الأفريقية لأسباب شتى بعضها أفريقي محض والآخر دولي. ويبدو القادة الأفارقة من خلال اقرارهم في قمة سرت تأسيس الاتحاد الأفريقي يقرون ضمناً بأن الوحدة الأفريقية التي لم تتحقق في الماضي لن تتحقق في الحاضر ولا في المستقبل, وانطلاقاً من ذلك فقد تنازلوا عن هدف الوحدة واستعاضوا عنه بالسعي الى تحقيق اتحاد لا وحدة بين دول القارة الـ ,53 ورغم هذا التنازل أو هذه الاستعاضة وما تضمره من تواضع طفيف ومحدود في الهدف يبدو أن القادة الأفارقة ما زالوا مشدودين إلى حلم أو طموح أكبر بكثير من الامكانات الواقعية لدول القارة سواء حلم الوحدة الذي استحال تحقيقه على امتداد 40 عاماً أو حلم الاتحاد الذي يتوجهون نحوه اليوم, والسؤال الذي يطرح نفسه على هذا الصعيد: لماذا لا يكون قادة الدول الأفريقية أكثر تواضعاً؟ لقد أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية منظمات إقليمية وقارية ودولية عديدة إلا ان قادة الدول المشاركة فيها امتنعوا عن جعل الوحدة هدفاً مركزياً لهم ولم يجعلوا من الوحدة اسما لتلك المنظمات. ومن ذلك مثلاً قادة الدول العربية حين أسسوا جامعة الدول العربية وقادة دول أمريكا الوسطى والجنوبية حين أسسوا منظمات الدول الأمريكية وحتى دول أوروبا الغربية لم تصل إلى الاتحاد الأوروبي قبل سنوات إلا بعد مسيرة دامت نحو نصف قرن تم خلالها التقدم خطوة خطوة على مختلف الصعد الاقتصادية والسياسية وغيرها إلى ان تم تتويج ذلك بالاتحاد الحالي, والواقع الأفريقي يقول إن القادة الذين حكموا اليوم بالفشل والإعدام على منظمة الوحدة الأفريقية لن يكون من السهل عليهم انشاء اتحاد أفريقي فعلي كالاتحاد الأوروبي ولن يكون من السهل عليهم إنشاء ولايات أفريقية متحدة كما الولايات الأمريكية المتحدة, والعقبات الواقعية التي تحول دون ذلك وتجعل من الصعب ان لم يكن من المستحيل, تحقيقه فعلياً عديدة جداً ولعل أهمها: أولاً: الأزمات المزمنة التي تعاني منها دول القارة والتي لا تقدر تلك الدول على مجابهتها بإمكانياتها الذاتية, مثل: الفقر المدقع والجوع والتخلف الشامل, والأوبئة والأمراض والكوارث والتلوث البيئي. ثانيا: انخفاض معدلات النمو الاقتصادي وتراكم الديون الكبيرة على دول القارة. ثالثا: افتقاد الاستقرار سواء بسبب الصراعات والحروب الأهلية ضمن العديد من الدول الأفريقية وكذلك الحركات الانقلابية والانفصالية أو فيما بين العديد من دول القارة, حيث استهلكت هذه الصراعات جزءاً كبيراً من قدرات هذه الدول. رابعا: افتقاد معظم دول القارة للأنظمة الديمقراطية وغلبة الأنظمة الديكتاتورية فيها الى جانب قوة البنى والروابط والأنظمة العشائرية والقبلية والإثنية. خامسا: التكتلات والائتلافات الجهوية أو الإقليمية بين دول القارة, تبعاً لمواقعها واهتماماتها المشتركة مثل الدول المشاركة في نهر النيل, دول القرن الأفريقي, دول جنوب القارة, دول الساحل الشرقي. سادساً: انتماء عشرات من دول القارة إلى منظمات اقليمية غير أفريقية وما يفرضه ذلك على هذه الدول من التزامات تجاه هذه المنظمات, وأبرزها: 1ــ انتماء الدول العربية والأفريقية الى جامعة الدول العربية. 2ــ انتماء الدول الإسلامية الأفريقية الى منظمة المؤتمر الإسلامي. 3ــ انتماء الدول التي كانت مستعمرة سابقاً من قبل بريطانيا الى رابطة دول الكمنولث. 4ــ انتماء الدول التي كانت مستعمرة سابقاً من قبل فرنسا الى المجموعة الفرانكفونية. سابعاً: قوة التنافس بين الدول الصناعية الكبرى على موارد القارة الأفريقية وأسواقها وأبرزه التنافس الأمريكي مع مجموعة الدول الأوروبية وخصوصاً بريطانيا وفرنسا, إضافة إلى كل من روسيا واليابان والصين. يبدو واضحاً من خلال ما تقدم أن القارة الأفريقية هي بمثابة قارة أزمات بامتياز متفوقة في ذلك على ما عداها من القارات الأخرى, فهي أسيرة ماض مأساوي بكل ما في الكلمة من معنى, حيث تعرضت على امتداد مئات ومئات من السنين لأبشع أنواع وأساليب القهر والظلم والاستغلال: عمليات قتل وإبادة للأفارقة ترافقت مع اصطيادهم ونقلهم إلى قارات أخرى (أمريكا) للعيش والعمل كزنوج وعبيد يمارس ضدهم أسوأ أنواع التمييز العنصري حتى الآن وقد حال هذا الماضي وما زال يحول الى اليوم دول تمكن دول القارة من استعادة القدرة على تحقيق الاستقرار والنمو الكفيل بالتقدم خصوصاً بعد أن تم تقسيم القارة إلى دول تبعاً للصراع والتنافس الاستعماري عليها وبعد أن تم نهب مواردها الأساسية وتحويله الى قارة للجوع والفقر والأوبئة, بحيث احتلت المرتبة الأولى في التخلف من بين القارات الثلاث التي تشاركها التخلف: أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا. وقد فشلت الدول الأفريقية, بعد أن أحرزت غالبيتها استقلالها في الستينيات وبعد أن شكلت ما عرف بمنظمة الوحدة الأفريقية, في برامجها الهادفة إلى التغلب على هذه المشكلات, وربما كان هذا الفشل سبباً رئيسياً من أسباب المجاعات التي تعيشها شعوب القارة والحروب الأهلية التي تشهدها بين الفينة والأخرى في العديد من دولها. فالماضي المأساوي للقارة معززاً بما تعانيه حاضراً من أزمات متفجرة يدفع بالخبراء والمراقبين الأفارقة والدوليين الى توقعات متشائمة جداً حيال المستقبل. من حق الأفارقة بالطبع التفاؤل بمستقبل أفضل, ومن حقهم السعي من أجل هكذا مستقبل, ومن حقهم التطلع إلى مساعدات دولية غير مشروطة من أجل إنقاذ شعوب القارة ومستقبلها, وربما كان توجه القادة الأفارقة الى إقامة الاتحاد الأفريقي بإرادة واحدة نحو سوق اقتصادية أفريقية موحدة وبنك أفريقي وغير ذلك من منظمات وهيئات اقتصادية وصحية وثقافية واجتماعية من أجل تخليص القارة من الجوع والفقر والأوبئة ومن أجل تحقيق تنمية سياسية واقتصادية واجتماعية متوازنة بين دولها تحفظ لشعوبها القدرة على الحياة الحرة والكريمة, فالرسالة الأفريقية التي تتردد منذ عقود في الفضاء الدولي كله تؤكد ان إنقاذ القارة الأفريقية وبقدر ما هو مسئولية دولها وشعوبها فهو أيضاً مسئولية المجتمع الدولي كله خصوصاً من دوله التي سبق وان استعمرت ونهبت القارة بشراً وموارداً. بقلم: عمر كيلاني ، كاتب فلسطيني ــ دمشق