أخيرا أغلق أثر بارز من مخلفات الحرب الباردة أبوابه في ألمانيا وهو الخندق النووي الحكومي في ارتال بالقرب من العاصمة الفدرالية السابقة بون. وكان لا يسمح لاي إنسان عادي بالدخول إلى هذا المكان الضخم الذي أقيم تحت الارض والذي كان يطلق عليه السكان المحليون بمسحة من الدعابة التشاؤمية الساخرة (فندق الساعة الاخيرة). وفي تلك الربوع حول الخندق كان الناس يتهامسون سرا حول هذا المكان الغامض القابع على عمق 312 مترا من سطح الارض تحت غطاء من التلال المزروعة بالكروم, الذي قيل أن الخبراء يستعدون فيه لاهوال حرب نووية محتملة. ويمتد المجمع على مساحة 83 ألف متر مربع على شكل عنكبوتي من ممرات بطول 19 كيلومترا و936 سريرا و 897 مكتبا و25 ألف باب وخمسة مطابخ ضخمة ومركز قيادة, فضلا عن كافة الانظمة اللازمة للابقاء على الحياة, بما فيها صالون لتصفيف الشعر وأعمال الطباعة. ومنذ عام 1960 إلى عام 1972 كان الخندق مخصصا رسميا ليصبح (مقرا بديلا للاجهزة الدستورية الفيدرالية) حيث يعقد برلمان طوارئ جلساته. وكان الخندق يوفر الحياة لثلاثة آلاف (شخص مختار) لحمايتهم من اعتداءات العدو. على أية حال يمكن للناجين البقاء على قيد الحياة لمدة 30 يوما تحت الارض. وكانت التدريبات تتم في الفترة من عام 1966 وحتى عام 1989 هنا كل عامين. وعقدت البروفات المصممة بالحاسب الالى والتي شارك فيها كافة أعضاء منظمة حلف شمال الاطلسي من الولايات المتحدة إلى تركيا. ولم يرسل جندي واحد أو دبابة للخارج في مناورات بل كانت تدريبات (ذروة الشتاء) المدنية ــ العسكرية, افتراضية تماما. وقد وصف الذين شاركوا في تلك المناورات في ارتال الاجواء في الخندق العملاق بأنها (موحشة) و(باعثة على الكآبة). ولم يكن يسمح للعاملين في عالم تحت الارض أن يذكروا حتى لاقرب الاقربين منهم أين يعملون. وقد بدأ البناء الضخم كنفق للسكك الحديدية في عام 1910 حتى انتقل زمام المشروع إلى أيدي الجيش. ويذكر أن آخر التدريبات كان من المفترض أن تمت في عام 1991 ولكن بعد أن أصبحت الحرب الباردة مجرد ذكرى ومع ظهور وضع جغرافي ــ سياسي مختلف, ألغى الناتو تلك التدريبات. ومنذ ذلك الحين والمسئولون يحاولون إيجاد غرض جديد للمجمع. وكان يمكن أن يزرع فطر عيش الغراب في هذه الظروف الرطبة المظلمة بنجاح باهر, ولكن المزارعين كرهوا الفكرة تماما. كما بدت خطة إنشاء مركز للترفيه أو الاجتماعات مكلفة للغاية, وقرر رجال المال والاعمال في مدينة كوبلنتس القريبة, آسفين, إعادة المستودع للطبيعة ــ وهو ما سيكلف دافعي الضرائب 60 مليون مارك ألماني (28 مليون دولار). ويعني هذا أن المستودع بأكمله سوف يخلى, حتى أنه سيكون على العمال أن يزيلوا الطلاء من على الجدران للتأكد من أن المياه التي تتسرب عبره مع الزمن لن تحمل ملوثات إلى التربة. وعندما ينتهي العمل تماما ستوصد أبواب هذا العالم السفلي الذي ربما لن يرى النور أبدا. د.ب.ا