شهدت الانتخابات اليمنية التي جرت في العشرين من فبراير الماضي, أعمال عنف راح ضحيتها أكثر من 40 شخصا وأصيب نحو مئة آخرين, مما أثار التساؤل حول مستقبل التجربة الديمقراطية في اليمن وعزز قلق المتشائمين من امكانيات الاصلاح السياسي في بلدان العالم الثالث ومنها دولنا العربية. وكانت الآمال معقودة على ان اجراء الانتخابات البلدية لأول مرة منذ أكثر من عقد من الزمان سيكون خطوة اضافية لترسيخ المسار الديمقراطي والتعددية السياسية في اليمن, اضافة الى تعزيز الوحدة الوطنية وايجاد شكل من اشكال اللامركزية الادارية التي تمنح فرصا وصلاحيات أكبر لاجهزة التحكم المحلي في مختلف مناطق البلاد, بدلا من عراقيل وعقبات البيروقراطية التي تنشأ عن تركيز السلطات في أيدي الجهاز المركزي للدولة وتشل حركة التطوير والاصلاح, وتزيد الهدر في الموارد وفي الوقت المتاح لتحريك عجلة التنمية ومواكبة احتياجات كل منطقة على حدة, خاصة في بلد ذي مساحة شاسعة وتكوينات سكانية وجغرافية متعددة. كما ان التعديلات الدستورية التي طرحت للاستفتاء في وقت واحد مع انتخابات المجالس المحلية, كان من الممكن ان ينظر اليها على انها وسيلة من وسائل الاستقرار السياسي لتمكين السلطتين التنفيذية (الرئاسة) والتشريعية (مجلس النواب) مع وضع وتنفيذ السياسات والخطط الضرورية لتجاوز مرحلة التشطير وتخطي آثار الحرب الاهلية التي كلفت البلاد ثمنا باهظا على المستويين البشري والمادي. غير ان الممارسات التي صاحبت الانتخابات والاقتراع حول التعديلات الدستورية, جاءت بما لا تشتهيه سفن المحبين لليمن والحريصين على استمرار ونجاح تجربته الوحدوية والديمقراطية الرائدتين على المستوى العربي والعالم الثالث. إن التعديل الدستوري الذي طرح للاستفتاء العام (قد يحول النظام السياسي في البلاد الى نظام الحزب الواحد بقيادة حزب المؤتمر الشعبي العام). واتهمت أحزاب المعارضة بارتكاب مخالفات خلال الحملة الانتخابية التي شهدت أحداث عنف ومواجهات مسلحة في بعض المناطق. ووصف زعيم حزب التجمع رئيس مجلس النواب الشيخ عبدالله الأحمر في تصريحات صحفية التعددية في اليمن بأنها فريدة من نوعها, قائلا: (الحزب الحاكم يرفع شعار الديمقراطية, ويقاتل في الوقت نفسه الاحزاب السياسية). وأضاف ان الحزب الحاكم (يهمش الاحزاب الاخرى ليجعل منها مجرد زينة للديمقراطية التي يتبناها). وكان الشيخ عبدالله الأحمر قد أعلن قبل الانتخابات في أواخر يناير الماضي ان (الانتخابات المحلية تعتبر نقلة نوعية في الممارسة الديمقراطة). وعلى صعيد صحف المعارضة تواصلت الحملة ضد التعديلات الدستورية التي وصفتها بعض الصحف وجهات معارضة بأنها (باطلة) وصفها احد الكتاب بأنها (نموذج لمسلك متخلف يحمل في جذوره عصبية عشائرية). وذهبت بعض أطراف المعارضة مثل (هيئة الدفاع عن المشروعية) الى حد رفع دعاوى قضائية ببطلان انتخابات المجالس المحلية والاستفتاء على الدستور. ويرى المعرضون ان الانتخابات الاخيرة معابة من الناحية الشكلية والقانونية, حيث ان فئة واسعة من المجتمع حرمت من المشاركة في الاستفتاء والانتخابات, وهذا ينفي حقا رئيسيا من حقوق المواطن الذي لم يشارك لأنه لم يجر تحرير جداول الناخبين, وسيشارك من ليس له حق في ذلك, إذ ان جداول سنة 1996 (ملغية قضائيا وبالتالي فهي في حكم العدم) حسب تعبير هؤلاء. ويضيفون ان ضمن المسجلين في هذه الجداول سجلوا بغير وجه حق, وانه كان يجب تصحيح هذا الوضع قبل اجراء الانتخابات والاستفتاء. الرأي الآخر من جانبه يرى الحزب الحاكم والاحزاب المؤيدة له ان الظروف مواتية الآن أكثر من السابق, وان الامكانيات متوفرة لاجراء الانتخابات والتعديلات, وان هذه الامكانيات (هي التي فرضت هذا التزامن, ولا توجد مبررات اخرى). وفي هذا الصدد يقول احمد يحيى الكبسي العضو الناشط في حزب المؤتمر الحاكم ان (التعديل اصلاح وحذف واضافة لأمور جديدة) مستشهدا في هذا الصدد بتعديلات الدستور الأمريكي التي بلغت 26 تعديلا, وأكد ان التعديلات (تتطلبها المرحلة ونحن نتحول الى نظام العولمة, وفي ظل العولمة الاقتصاد الحر مطلوب). وكان الرئيس علي عبدالله صالح قد صرح بأن (المجالس المحلية ليست وجاهة, ولكن لتقديم الخدمات للمواطنين) حيث حث الناخبين على منح ثقتهم للعناصر الكفؤة والصادقة المجربة, بعيدا عن المجاملات والانتماءات, حسب ما جاء في تصريحات نشرتها الصحف اليمنية قبل الانتخابات بقليل. وأشادت الصحف الرسمية بهذه (النقلة النوعية), حيث أكدت صحيفة (الثورة) ان الانتقال من الانتخابات البرلمانية الى الرئاسية وصولا الى المحلية بمثابة (مكسب ديمقراطي وتحول غير مسبوق), وانه (تحول نوعي عظيم). وأكدت صحيفة (26 سبتمبر) ان الانتخابات المحلية والاستفتاء على التعديلات الدستورية (حدثان هامان في حياة الشعب اليمني), موضحة ان (الاستفتاء على بناء الدولة المؤسسية الحديثة والانتخابات المحلية, هي التجسيد الحقيقي لمبدأ اللامركزية). وحملت الصحف الرسمية احزاب المعارضة مسئولية الاحداث الدامية وأعمال العنف التي جرت اثناء الحملة الانتخابية وخلال الاقتراع وبعده. وفي اطار الاتهامات المتبادلة اتهم المؤتمر الشعبي حليفه حزب الاصلاح بالتحالف ضد وحدة وأمن واستقرار اليمن) في اشارة الى تحالف (الاصلاح) والحزب الاشتراكي اليمني الذي ان يعتبر لفترة طويلة عدوه الأول على الساحة السياسية الحزبية هناك. وبالغت صحيفة (الميثاق) في حملتها على حزب الاصلاح منتقدة (تحالفه مع الاشتراكي كورقة ضغط انتخابية, وتلويحه احيانا بالخيار العقائدي وما يعني الارهاب والفتنة). وذهبت أبعد من ذلك الى حد وصف الحزب بأنه (عبارة عن الحركة الاسلامية الموصوفة بالارهاب عالميا, والمحظورة من النشاط في الدول العربية), مشيرة الى ان (مستقبله في خطر مرتقب). ونسب حزب المؤتمر المواجهات التي حدثت بعد الانتخابات بيوم واحد الى حزب الاصلاح, وأكد المؤتمر في بيان له ان من وصفهم بالمجرمين (لن يفلتوا من ايدي العدالة). حوادث ومفارقات حشدت السلطات اليمنية نحو 60 ألفا من قوات الأمن والجيش لتأمين سير الانتخابات, ورغم ذلك حدثت أعمال عنف ومواجهات مسلحة راح ضحيتها نحو 40 شخصا, وكان أعنفها في محافظة إب بعد المرحلة الأولى من الانتخابات بيوم واحد. وقد قتل خلال هذه المواجهات اثنان من أفراد الحرس الجمهوري وجرح أربعة آخرون. وحسب رواية حزب الاصلاح فإن المواجهات التي حدثت في منطقة الرضمة التابعة لمحافظة إب نشأت بين المواطنين والحماية الأمنية عندما أمر رئيس اللجنة الانتخابية الاشرافية في المحافظة بتوقيف اعلان نتيجة الاقتراع في احد المراكز, مما أثار المواطنين الذين حاصروا اللجنة الانتخابية, وبعد ذلك تدخلت كتيبة من الجيش وحاولت نقل الصناديق بالقوة. كما شهدت عدة مناطق أخرى أعمال عنف مماثلة كان ضحيتها بعض المواطنين وأفراد الأمن. وكان الرئيس علي عبدالله صالح أدان العنف الانتخابي وقال انه (مستعد لمحاربة جميع انواع العنف والارهاب وتقديم مزيد من الضحايا لتثبيت الأمن والاستقرار في أرجاء اليمن). وقد أعيدت الانتخابات في أكثر من 140 مركزا انتخابيا بعد تعذر ادلاء الناخبين باصواتهم في اليوم الأول. وقد صوت 73.36% من الناخبين لصالح التعديلات الدستورية, كما فاز حزب المؤتمر بأغلبية مقاعد المجالس المحلية, وأعلن الحزب الاشتراكي, أحد أكبر احزاب المعارضة, قبوله بالنتائج (رغم التزوير) ورحب بدعوة الحزب الحاكم للحوار مع احزاب المعارضة. ورغم العنف والحوادث الدامية, فقد شهدت الانتخابات عدة مفارقات لا تخلو من الطرافة والعبرة, ومن هذه المفارقات تقديم عازر ابراهيم ترشيحه للجنة الانتخابات لعضوية المجلس المحلي في احدى مديريات محافظة عمران شمالي صنعاء, مع ان هناك نصاً في قانون الانتخابات البلدية يشترط ان يكون المرشحون لهذه الانتخابات من المسلمين. وعازر هو أحد أفراد الطائفة اليهودية التي لا يتجاوز عددها 250 شخصا. كذلك ذكرت احدى الصحف المحلية ومصادر اعلامية اخرى ان الولايات المتحدة الامريكية (نصحت) اليمن بتأجيل الانتخابات المحلية قبيل اجراء هذه الانتخابات بفترة وجيزة, ولكن اليمن على ما يبدو لم يلتزم بهذا النصح (السامي). أما أطرف هذه المفارقات فكانت حضور الرئيس علي عبدالله صالح الى مكان الاقتراع للادلاء بصوته, دون ان يصطحب بطاقته الانتخابية, ولم يسمح له بالادلاء بصوته الا بعد ان أكد احد الاشخاص هويته, وفقا لما تقتضيه قواعد الانتخابات. ومهما قيل عن هذه الانتخابات وما تخللها من حوادث مؤسفة, الا انها تظل خطوة الى الامام في اتجاه تعزيز الديمقراطية ودولة المؤسسات,ولكنها لاتزال بحاجة الى الكثير من الجهود والتضحيات, ومن طرفي المعادلة: الحكم والمعارضة, من اجل (بناء رصيد تراكمي من النجاحات وتكريس المشاركة). وهذا ما يستحقه الشعب اليمني الشقيق, وهو جدير بالوصول اليه. اعداد: هويدا بن طوق _ مركز المعلومات والدراسات بـ (البيان)