رغم كل ما قيل وسيقال عن المآسي التي صاحبت الانتخابات المحلية في اليمن, وعشرات القتلى والجرحى الذين سقطوا في الشوارع والمساجد على خلفيات انتخابية, فان اليمن خرج منتصرا لمجرد اجراء هذه الانتخابات. وما لايدركه كثيرون ان الشارع العربي, والشارع اليمني جزء منه يفتقد بشدة لفكرة التعود على اجراء الانتخابات, والذهاب الى الصناديق, وعندما يحدث ذلك ويتكرر, حتى لو كانت النتائج من عينة (التسعات الخمس) المصاحبة لاي انتخابات او استفتاءات عربية, فانه قد يأتي وقت ليس ببعيد, نجد العملية الانتخابية في الوطن العربي وقد اصبحت مسألة طبيعية كالماء والهواء, اذا حدث ذلك فالمؤكد ان كل مشاكلنا المستعصية داخليا وخارجيا ستجد طريقها الى الحل. المسألة بالطبع ليست ميكانيكية او متعلقة بقرار اداري فوقي, بل مرتبطة بالعديد من العوامل المتشابكة واهمها التطور الاجتماعي والثقافي والفكري, ما يؤدي الى افراز تطور سياسي, هذه المسألة تحتاج وقتا, لكنها تحتاج في الاساس لارادة سياسية من الجميع نخبة وجماهير حتى تبدأ العملية في الانطلاق. وبجانب هذا المكسب الاستراتيجي, فلا يمكن اغفال الظواهر السلبية التي رافقت هذه الانتخابات, واخطرها ليس فقط تحكيم الاسلحة في صراعات انتخابية يفترض ان تحسم في صناديق الاقتراع, او اسالة دماء لأبرياء. لكن المشكلة الحقيقية, ربما كانت في علاج القضايا الساخنة والشائكة بطريقة (المراهم والمسكنات). معروف تماما ان للمجتمع اليمني تركيبته الاجتماعية القائمة اساسا على فكرة القبيلة, وبالتالي فان مسألة الانتماء السياسي تأتي في مرتبة دنيا. وكثير من التنافس الانتخابي كان يجري على هذا الاساس وليس طبقا للبرامج الحزبية. وانطلاقا من هذه القاعدة فأن النخبة اليمنية بأكملها, حكومة ومعارضة مطالبة اساسا بسرعة ازالة اثار المعركة الانتخابية. اما اللعب على فكرة التحالفات المؤقتة والراهنة فقد تكون صالحة لبعض القوى ولفترة معينة آنية, لكنها قد تقود لكوارث مستقبلية, وخير دليل على ذلك ان البلاد مازالت تحاول التخلص من آثار معركة الانفصال الفاشلة عام 1994. المطلوب ان يبادر حزب المؤتمر الحاكم الى سرعة استرضاء كافة القوى السياسية, والا يتصرف باعتباره المالك للاغلبية, والمطلوب من تجمع الاصلاح ان يفصل بين خلفيته الايديولوجية, وتحالفاته السياسية المتغيرة كل فترة, اما المعارضة الناصرية والاشتراكية فعليها اعادة طرح خطاب لا يكتفي فقط بالحديث عن الشعارات والنوايا الطيبة, بل خطاب يلمس مباشرة هموم الشارع. اليمن ليس بحاجة لمشاكل جديدة, فاذا كان بعض ممن تتأخر رواتبهم يقومون بخطف السائحين, فماذا سيفعلون عندما يقتل لهم شقيق او قريب في المعركة الانتخابية؟!