ما الذي نقرأه من نتائج الانتخابات المحلية الاولى في اليمن الموحد والاستفتاء على التعديلات الدستورية المقترحة من قبل الرئيس علي عبدالله صالح والتي يقضي احد نصوصها بتمديد فترة رئاستها الى سبع سنوات بدلاً من خمس سنوات؟ انه سؤال الساعة الذي يشغل بال اليمنيين جميعاً وفي مقدمتهم الطبقة السياسية في الحكم والمعارضة, ولأن الاجابة عن هذا السؤال الكبير والتلقائي تمت بتبادل وجهات النظر حوله منذ اجراء هذين الاستحقاقين في الـ 20 من فبراير الماضي ومن قبل اكثر من طرف داخل اليمن وخارجه فمن الطبيعي ان تختلف وتتباين القراءات والاستنتاجات كل حسب موقعه السياسي, وكل حسب رؤيته السياسية وخلفيته الفكرية والاجتماعية ونظرته الى مكونات وخصائص المشهد السياسي اليمني قبل وبعد الوحدة الاندماجية وإعلان الجمهورية اليمنية 1990 وما تلاها من حروب وصراعات دامية كادت ان تعصف بوحدة اليمن نفسه فضلاً عن تجربتها الديمقراطية التعددية الناشئة الا انه ومع هذا الاختلاف والتباين حول الاجابة (المفترضة) عن السؤال آنف الذكر هناك شبه اجماع لدى الاوساط الحزبية ولدى وسائط الاعلام المختلفة بما فيها اوساط الحزب الحاكم ووسائل اعلامية ورسمية ان هذين الاستحقاقين الدستوريين (المحليات والاستفتاء على التعديلات) قد اتسما بخروقات وتجاوزات واسعة للقانون والدستور. يبقى أن نقول ان حوادث العنف السياسي التي رافقت هذين الاستحقاقين لم تكن هي القضية الوحيدة التي يوجد حولها اجماع بين فرقاء العمل السياسي في اليمن اليوم بل ان هنالك حقائق ونتائج هامة ايجابية افرزتها الانتخابات المحلية والاستفتاء على التعديلات الدستورية وبعضها كان غائباً ومغيباً وبعضها الآخر لم يكن في الحسبان اصلاً خصوصاً لدى النخبة السياسية وفي اوساط المعارضة والسلطة. ولعل هذه النتائج والحقائق التي اعيد اكتشافها لو تم صياغة معالمها من خلال هذين الاستحقاقين يمكن ملاحظتها في الآتي: في هذا السياق وتحت هذا العنوان يمكن القول إن واحدة من الحقائق الايجابية التي افرزتها الانتخابات المحلية وعملية الاستفتاء على التعديلات الدستورية هي تلك التي تشير وبوضوح الى ان شرائح واسعة من ابناء المجتمع اليمني بمختلف انتماءاتهم السياسية وتنوع اماكنهم الحيوية (المناطقية) يتمتعون اليوم وبعد عشر سنوات من الوحدة والمسيرة الديمقراطية بنسبة عالية من الوعي والمعرفة بالحقوق المدنية والسياسية وبضرورة الحفاظ على ما هو مكتسب منها وبأهمية النضال السلمي الديمقراطي من اجل توسيعها على مستوى القانون وعلى مستوى الواقع والممارسة والأهم هو الوعي بإمكانية انتزاع هذه الحقوق المنقوصة أو المستقبلية بواسطة الصوت الانتخابي بدلا من انتزاعها بواسطة السلاح واستخدام العنف كا هو شائع اليوم على الشعب اليمني (المسلح) لدى المراقبين والوسائط الاعلامية العربية والعالمية وقد تأكد هذا المعنى بوضوح بالمشاركة الحزبية الواسعة في هذه الانتخابات من ناحية ومن خلال الحضور الشعبي المكثف امام صناديق الاقتراع وسواء كان ذلك بالنسبة للناخبين الذين وصل عدد المشاركين منهم الى حوالي مليوني ناخب وناخبة أو من حيث عدد المرشحين والمرشحات لعضوية المجالس المحلية الذين وصل عددهم الى اكثر من ستة وعشرين الف مرشح يتنافسون على حوالى سبعة آلاف مقعد محلي. وكان الملفت للنظر في هذه الانتخابات هو ان عدد مرشحي الحزبين يفوق عدد المرشحين بصفاتهم المستقلة بحوالي الف وخمسمئة مرشح منهم اكثر من مئة وخمسين امرأة وهي ظاهرة جديدة في المجتمع اليمني لم تكن موجودة البتة في الانتخابات النيابية السابقة حيث كان عدد المرشحين المستقلين لعضوية المجلس النيابي يفوق عدد الحزبيين بنسبة 4:1 وحينها كان الحزب الاشتراكي اليمني ثم المؤتمر الشعبي العام وبدرجة اقل هما الحزبان اللذان تقدما بمرشحات لعضوية المجلس النيابي وقد اختلف الامر الآن وبصورة كبيرة ما يشير الى قبول المجتمع اليمني المتسم بالانغلاق والنظام العشائري التقليدي للنظام الحزبي من ناحية وحق المرأة في ان تشارك في الحياة السياسية من ناحية اخرى, غير ان الاهم فيما يخص تنامي الوعي الشعبي بالحقوق والحريات وبقيمة الصوت الانتخابي في عملية التغيير السلمي هو ان نتائج الاستحقاقين الدستوريين الاخيرين قد كشفت وبما لا يدع مجالا للشك ان نسبة عالية من ابناء الشعب اليمني قد شاركوا بفعالية فيها وكان لاصواتهم واراداتهم المستهدفة التغيير نحو الافضل الدور الحاسم في النتائج المعلنة للانتخابات والاستفتاء على الدستور وان الغالبية العظمى من شرائح المجتمع يرفضون الاستبداد والحكم الفردي وغير راضين عن سياسات الحزب الحاكم فضلا عن رفضهم القاطع للفساد والمحسوبية المستشرية في مفاصل السلطة اليمنية, ورغبتهم الواضحة في كبح جماح مراكز القوى ومؤسساتها والمتمثلة اليوم في مؤسستي القبيلة والجيش وهو ما يفسر لنا حصول مرشحي التجمع اليمني للاصلاح ــ المنافس الحقيقي للحزب الحاكم ـ بالاضافة الى مرشحي الحزب الاشتراكي اليمني وأحزاب المعارضة الاخرى على اعداد هائلة من اصوات الناخبين والناخبات حصدت بواسطتها المعارضة وبالذات حزب الاصلاح ما يساوي 35% من مقاعد المحليات على مستوى محافظات ومديريات الجمهورية. ان المؤشرات الميدانية وما بدا من تضارب في اعلان النتائج النهائية من قبل اللجنة العليا للانتخابات تؤكد ان غالبية المشاركين في عملية الاستفتاء على التعديلات الدستورية قد صوتوا ضدها بمن فيهم عدد كبير من اعضاء وانصار الحزب الحاكم ونسبة لا بأس بها من افراد القوات المسلحة والأمن واذا ما سلمنا بآخر رقم اعلنته اللجنة المسئولة عن الانتخابات ــ وهو رقم غير نهائي ــ فإن اكثر من سبعمئة الف ناخب وناخبة قد قالوا (لا) للتعديلات الدستورية المقترحة من قبل رئيس الجمهورية وذلك يكفي كمؤشر لتنامي الوعي داخل المجتمع اليمني بضرورة التمسك بالحقوق والحريات المكتسبة والتي يراد لها ان تنتقص من خلال مشروع التعديلات الدستورية والتي من اهمها تحديد فترة رئيس الجمهورية في الحكم ومد فترة مجلس النواب ذي الغالبية المؤتمرية الى ست سنوات بدلا من اربع واستحداث مجلس شورى معين يشارك في مهام مجلس النواب المنتخب فضلا عن تعديل النص الدستوري الخاص بانتخاب المجالس المحلية ورؤساء الوحدات الادارية وبما يعطي رئيس الجمهورية حق تعيين رؤساء الوحدات الادارية والمحافظين ومدراء المديريات.. الخ. اما اذا ما تأكدت وجهة نظر المعارضة التي تقول بأن اكثر من 75% من الناخبين قد صوتوا بـ (لا) على التعديلات الدستورية وهناك قرائن عديدة تؤكد هذا الرأي فإننا نكون امام متغير حقيقي يحصل اليوم في اليمن لصالح الديمقراطية والنظام السياسي التعددي يتمثل في وعي الناس بأهمية الطريق السلمي والآليات الديمقراطية الحديثة في احداث التغيير المنشود والضروري الذي نحتاجه اكثر من أي وقت آخر خصوصا بعد ان ثبت بأن الحروب والصراعات الداخلية والعنف والعنف المضاد ليست اداة الحسم الوحيدة لحل اشكاليات السلطة والمواطنة ولم يؤد الى شيء بل ادخل اليمن في نفق مظلم لم يستطع الخروج منه حتى اليوم. ويبقى ان نقول ان درس الانتخابات المحلية اليمنية الاخيرة يتمثل في ان لعبة الديمقراطية الشكلية التي استهوت العديد من الانظمة السياسية العربية وعديد من انظمة بلدان العالم الثالث لا يمكن ان تستمر على حالها (لعبة) بدون نتائج على الارض فهي اما ان تقود مع توالي اجراءاتها الى ديمقراطية فعلية ذات مضامين حقيقية وتقود بالتالي الى التغيير والتبادل السلمي للسلطة أو ان اصحابها يتخلون عنها ويكفون عن (اللعب) كورقة سياسية فارغة لا معنى لها ولا هدف. في مكان آخر كشفت الانتخابات المحلية والاستفتاء على التعديلات عن ملامح خارطة حزبية جديدة تختلف كثيراً عن الخارطة الحزبية السابقة سواء من حيث المواقع الاجتماعية والحضور الشعبي للاحزاب أو من حيث التحالفات والتنسيقات بين هذه الاحزاب. بل ان المؤتمر الشعبي العام على معرفة تامة عن حصول تحالف حقيقي مخطط له قضى بتصويت اعضاء الاشتراكي والمعارضة لصالح مرشحي الاصلاح في اكثر من دائرة انتخابية وحيث لا يكون للمعارضة فيها مرشحون منافسون للمؤتمر الشعبي العام مقابل تصويت اعضاء الاصلاح ضد التعديلات الدستورية المرفوضة علناً من قبل الاشتراكي وأحزاب المعارضة, الأمر الذي يفسر ارتفاع نسبة التصويت لمرشحي الاصلاح من ناحية ونسبة المصوتين بـ (لا) حول التعديلات الدستورية من ناحية اخرى ومثل هذا التنسيق والتحالف الجزئي بين الاشتراكي والاصلاح يحصل لأول مرة في تاريخ العلاقة بين الحزبين ولعل التقائهما في هذه النقطة بالذات هو ما ساهم في تصاعد حدة الخلافات بين الحزب الحاكم وحزب التجمع اليمني للاصلاح والاشتراكي اليمني وحلفائه في المعارضة, وبالضرورة فإن ذلك يعد متغيرا سياسيا حقيقيا في تركيبة الخارطة الحزبية اليمنية ومواقفها لابد وان يقود الى تداعيات اخرى في المستقبل قد تؤثر على مسار النظام السياسي والتجربة الديمقراطية اليمنية ايجابيا. في السياق ذاته نزلت احزاب مجلس التنسيق الاعلى للمعارضة والتي تضم بالاضافة الى الحزب الاشتراكي اليمني كلا من التنظيم الوحدوي الناصري واتحاد القوى الشعبية وحزب البعث وحزب الحق, بقائمة انتخابية مشتركة في معظم الدوائر والمراكز الانتخابية التي كان للمعارضة فيها مرشحون ومع ان هذه الاحزاب الخمسة تقوم بتنسيق العمل فيما بينها اعلاميا وسياسيا منذ نهاية حرب صيف 1994 الا ان التحالف الانتخابي والقائمة المشتركة لمرشحيها امر يحصل لأول مرة ايضا خصوصا اذا ما استثنينا الانتخابات الرئاسية التي كانت المعارضة قد اتفقت فيها على مرشح واحد مقابل مرشح الاصلاح والمؤتمر الشعبي العام قبل ان تحجب السلطة الثقة عن مرشح المعارضة من خلال مجلس النواب. وإذا كانت الحرب الاهلية التي خرج فيها الاشتراكي اليمني مهزوما قد تسببت في اقصاء الاشتراكي اليمني من المعادلة السياسية الى حين وقام بتعزيز وتأكيد هذا الاقصاء بنفسه حين قاطع انتخابات 1997 البرلمانية فإن الانتخابات المحلية للاستفتاء على التعديلات الدستورية قد اعادت الاشتراكي اليمني من جديد وبقوة الى ساحة الفعل والتأثير السياسي والاجتماعي ما يؤكد ان قرار مشاركته في هذه الانتخابات كان قرارا صائبا وحكيما وبه ومن خلاله يمكن له ان يستعيد دوره السياسي. وإذا كان هنالك من كلمة نقولها في خاتمة السرد التحليلي حول الخارطة الحزبية اليمنية فهي ان اليمن سيشهد خلال السنتين المقبلتين تغييرات دراماتيكية كبيرة قد تؤثر سلباً أو ايجاباً على مسار التجربة الديمقراطية برمتها. بقلم: محمد المقالح _ كاتب يمني