كشف المشهد السياسي اليمني في الأيام والأسابيع التي دارت قبل وبعد العشرين من فبراير 2001 عن استمرار تعقد التجربة الديمقراطية اليمنية, حيث تداخلت في ذلك الثلاثاء أدوات الانتخابات لاختيار أعضاء المجالس المحلية مع أدوات الاستفتاء التي لا تتيح أكثر من نعم أو لا لإدخال تعديلات على الدستور, الانتخابات والاستفتاء على موضوعين لا صله واضحة بينهما, كما تداخلت أدوات العنف المسلح التي أنجزت عددا من القتلى والجرحى في عدة محافظات مع أدوات الاختيار الحر المفترض أن يحاط بالرعاية لكي ينجز نوابا للمجالس المحلية, كما تداخلت الولاءات السياسية الحزبية مع الولاءات القبلية, وتداخلت الآمال في التعبير والتطوير الديمقراطي مع الاتهامات بتكريس أوضاع الفساد والسعي نحو الانفراد بالحكم عبر التعديلات الدستورية. التعديلات الدستورية وعلى الرغم من أن الاستفتاء على التعديلات الدستورية قد أسفر عن موافقة أكثر من 74%من الناخبين وفقا للبيانات الحكومية, فإن أحزاب المعارضة التي كانت تراهن على إسقاط تلك التعديلات, وتحالفت في صف واحد جمع أكثر القوى تناقضا وصراعا عبر التاريخ من أجل ذلك الهدف, قد شككت في النتائج المعلنه, واستمرت في إعلان موقفها الرافض للتعديلات الدستورية. ذلك أن تكتل المعارضة اليمنية الذي يجمع جملة من القوى من أبرزها : التجمع اليمني للاصلاح والحزب الاشتراكي اليمني والتنظيم الوحدوي الناصري وحزب البعث وحزب الحق, يرى أن التعديلات الدستورية تجعل الدستور عرضة للأهواء السياسية وتطوعه للمصالح الحزبية ومصالح الحكم, وأن تلك التعديلات تمثل مؤشرا خطيرا لنية التراجع عن النظام الديمقراطي, وتكرس الشمولية التدرجية في الحكم وتحدد مصير القوى السياسية والحزبية وفقا لنزعات السلطة وأهوائها وتوجهاتها. والتعديلات الدستورية التي تم الاستفتاء عليها في يوم الثلاثاء 20 فبراير 2001 في تزامن مع انتخابات المجالس المحلية التي هي الأولى بعد وحدة شطري اليمن في 22 مايو سنة ,1990 كان الرئيس اليمني علي عبد الله صالح قد قدم مشروعا بها إلى مجلس النواب اليمني في منتصف عام ,2000 وشددت وسائل الاعلام اليمنية على أن التعديلات الدستورية التي قدمها الرئيس تستند إلى متطلبات ومتغيرات وطنية ومعطيات سياسية واقتصادية تكرس الاتجاه نحو الإصلاحات الشاملة, لتعزيز النظام الديمقراطي القائم على التعددية الحزبية والتداول السلمي للسلطة. وبين رأي السلطة ورأي المعارضة في التعديلات الدستورية شهدت التعديلات عملية تطوير وحذف وإضافة, لكنها لم ترض المعارضة اليمنية في صيغتها النهائية. صلاحيات الرئيس ويبدو أن الرفض الذي استمر للتعديلات الدستورية قد إنطلق من الصلاحيات التي تضيفها لرئيس الجمهورية, فوفقا للمشروع الأول للتعديلات يتم منح رئيس الجمهورية صلاحية حل مجلس النواب من دون استفتاء عام, وإعطاء مجلس النواب الحق في إدخال تعديلات على الدستور باستثناء البابين الأول والثاني منه, بدون العودة إلى استفتاء عام أيضا, فضلا عن إنشاء مجلس شورى يعين أعضاءه رئيس الجمهورية, ويمنحه صلاحيات تشريعية على حساب البرلمان المنتخب, وتزيد التعديلات في المدة الزمنية لولاية مجلس النواب إلى 6 سنوات بدلا من أربعة, على أن يتم تطبيق ذلك على الدورة القائمة, أي تأجيل الانتخابات النيابية من 27 ابريل 2001 إلى ابريل ,2003 كما تجعل ولاية الرئيس 7 سنوات بدلا من خمس. ولم تستطع المعارضة أن تغير كثيرا في مشروع التعديلات, سوى أن حق الرئيس في حل مجلس النواب قيد بحالة الضرورة التي منها عدم توافر الأغلبية البرلمانية, وسحبت الحقوق التشريعية من المجلس المعين, وأكدت الصيغة النهائية التي تم الاستفتاء عليها على ضرورة توفر موافقة ثلاثة أرباع أعضاء المجلس النيابي ليتمكن من ممارسة حق تعديل مواد في الدستور لا تشمل البابين الأول والثاني, على أن تخضع التعديلات لاستفتاء عام. عبرت الدوائر الحاكمة وعلى رأسها علي عبد الله صالح رئيس الجمهورية, عن ارتيارحها للنتائج, واعتبرها رئيس الجمهورية اليمني متوافقة مع ما كان يأمل ويتوقع, وقال أن النتائج في مجملها ممتازة. لكن أجواء الانتخابات كانت ومازالت معبأة بحوادث وأحداث العنف الدموي التي رافقت انتخابات فبراير , 2001 وبينما لم يعترف الحكم بأكثر من 13 مواطنا قتلوا في الانتخابات, منهم 8 من قوات الأمن و5 مواطنين فضلا عن 34 جريحا, ترى دوائر المعارضة أن قتلى العنف الانتخابي يزيدون على 30 قتيلا وأكثر من 50 جريحا, فضلا عن الذين تم اعتقالهم. وربطت أحزاب المعارضة بين العنف ومحاولات تزوير الانتخابات عبر التدخلات الأمنية والضغوط الحكومية على الأفراد والقبائل, والعبث في جداول الناخبين وقوائم المرشحين, خاصة في الدوائر التي تحظى بنفوذ الأحزاب المعارضة في المحافظات الشرقية والجنوبية, ووصلت حدود العنف إلى الدرجة التي طالبت فيها قيادات معارضة من تجمع الإصلاح بقبول التزوير شرط أن يكون تزويرا سلميا. لكن العنف في الانتخابات المحلية اليمنية 2001 التي تمت لأول مرة بعد 10 سنوات من عمر الوحدة لا ينتمي كله للحاضر, بل يتعداه إلى التاريخ, وإلى أعماق قبلية وسياسية, حيث يمكن الحديث عن استمرار العنف طوال سنوات ما بعد الوحدة اليمنية كتعبير عن تداخل الصراعات السياسية مع الصراعات القبلية, وكتعبير عن تداخل الصراعات السياسية مع الصراعات الجهوية. وبسبب تلك التدخلات اتسمت الصراعات السياسية في اليمن بالعنف, واتسم المجتمع اليمني بأنه مجتمع مسلح, لذلك يشهد المجتمع اليمني وقواه السياسية نموا لاتجاهات حسم الصراع السياسي بالعنف. لكن أول انتخابات برلمانية بعد الوحدة تلك التي أجريت عام 1993 أسفرت عن استمرار اقتسام المواقع القبلية في الشمال بين المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح, واستمرار بقاء المواقع الجنوبية للحزب الاشتراكي, فهل كان يمكن تفادي عمليات تنامي تلك النتائج نحو خطابات العنف والاتهامات بالفساد والخيانة والإنفصالية؟ وهل كان يمكن تفادي إندلاع العنف المسلح في صورة حرب الشمال والجنوب عام 1994؟ وكما انتجت انتخابات 1993 إئتلافا ثلاثيا لحكم اليمن ضم المؤتمر والاشتراكي والإصلاح, أسفرت حرب 1994 عن جراح عميقة, وخطابات عنف وتخوين, ومحاكمات ومصادرات, وأحكام عنيفة, واستبعاد الاشتراكي من الحكم بعد تدمير الكثير من كوادره, مع استمرار تحالف المؤتمر والإصلاح مع اقتسام رئاسة الدولة ورئاسة البرلمان. مستقبل العنف وكما يمكن التعرف على خطابات وممارسات العنف بين المؤتمر الشعبي والحزب الاشتراكي في اختلافات المواقع الفكرية والسياسية والجهوية, والتعرف على تجسداتها في حرب 1994 الشمالية الجنوبية وما تلاها من مصادرات ومحاكمات وإتهامات, يمكن التعرف على تنامي خطابات العنف وممارساته في الانتخابات الأخيرة 2001 بين المؤتمر الشعبي الحاكم والتجمع اليمني للإصلاح الذي كان شريكه في الحكم, فهل عبرت عملية اصطفاف المعارضة من اليمين إلى اليسار, من القبلية والدينية إلى المدنية والعلمانية عن واقع انفضاض التحالف بين المؤتمر الشعبي والإصلاح؟ يعبر الرئيس علي عبد الله صالح في مؤتمره الصحفي الذي عقده الخميس أول مارس 2001 بعد ثمانية أيام من انتخابات الثلاثاء 20 فبراير 2001 التي أسفرت عن أغلبية مريحة في المجالس البلدية وعن الموافقة على تعديلاته الدستورية, عن ذلك الواقع الجديد, حيث استبعد العودة إلى الدخول في حكومات إئتلافية, وعبر عن نيته عن تشكيل حكومة انفرادية, وقال أن الفساد وهو تهمة المعارضة الموجهة للحكومة بدأ يستشري في جسم الحكومة وأجهزتها المختلفة منذ قيام الإئتلافات وأهمها الإئتلاف الثلاثي الذي ضم المؤتمر والإصلاح والاشتراكي عام 1993 لقد أكدت انتخابات 2001 البلدية في اليمن, أن عشر سنوات من عمر الوحدة والتعددية الحزبية لم تتمكن من استبدال خطابات العنف السياسي والقبلي ومنتجاته في الممارسة بخطابات التنافس السياسي والعقلاني والديمقراطي. بقلم : محمد فرج _ كاتب مصري