في كل منعطف تاريخي حاسم في حياة الأمم والشعوب, لابد من تضحيات جسام وضحايا قد يكون معظمهم من الأبرياء أو ممن يمكن تسميتهم (ضحايا بالصدفة). الحالة اليمنية ليست بدعاً ولا استثناء من هذه القاعدة التاريخية. فاليمن شهد خلال عقد واحد انعطافتين هامتين: الأولى استعادة الوحدة التي كسرت حاجز اليأس العربي, وأعطت بصيص أمل بأن نفق الانتكاسات المتلاحقة والتشتت, لسبب ومن غير سبب, ليس قدرا أبديا أو نفقا بلا نهاية, رغم كل الاخطاء والخطايا التي رافقت أو أعقبت هذا الانجاز. أما الانعطافة الثانية الكبرى فتمثلت في السماح بالتعددية السياسية والتوافق على أسس المشاركة الشعبية, بكل ألوانها وتنوعاتها السياسية والأيديولوجية التي أفرزت حتى الآن أكثر من ثلاثين حزبا مصرحا له. بعد هذين الانجازين الكبيرين, بكل المقاييس العربية والاقليمية, جاءت الانتخابات اليمنية الاخيرة لتعيد المجالس المحلية المنتخبة بعد انقطاع دام اكثر من عشر سنوات منذ آخر انتخابات محلية عام 1989. لكن هذه الانتخابات والاستفتاء الذي صاحبها لتعديل بعض مواد الدستور, شهدت احداثا راح ضحيتها العشرات من القتلى والمصابين, مما عكر المزاج السياسي الداخلي وأثار مخاوف وقلق الكثيرين ممن يراهنون على نجاح التجربة الديمقراطية العربية في اليمن ويحرصون على سلامة وحماية وحدته الوطنية وانجازه الوحدوي. في الوقت ذاته, فإن هذه الاحداث ومارافقها من اضطرابات وتوتر, قد تفتح شهية بعض القوى الاقليمية والدولية الساعية دوما لفرض اولوياتها واجندتها الخاصة على المنطقة العربية, ولضرب اي امكانية للبناء والتطوير تتيح للدول العربية مزيدا من القوة الذاتية واستقلال القرار السياسي. اليمن, كل اليمن حكومة واحزابا سياسية وفعاليات اهلية, مطالب بحماية انجازاته وتفويت الفرصة على كل من يحاول الوقوف في طريقه أو ابطاء مسيرته نحو التقدم والتنمية الشاملة. والعرب, كل العرب أيضا, يتحملون جزءا من هذه المسئولية, ليس من أجل المصلحة اليمنية فحسب, وانما لأن ما يؤثر في اليمن وفي أمنه واستقراره سينعكس حتماً على أمن واستقرار المنطقة كلها. فهل نحن, عربا ويمنيين, مستعدون لتحمل هذه المسئولية بكل التزاماتها وما تتطلبه من تضحيات وتبعات بما في ذلك الاعتراف بالخطأ وتحمل نتائجه؟ أم اننا نريد فقط حرق المراحل واستلاب الثمار قبل أن تنضج أو يحين أوان حصادها؟!