لم تكن الاحداث المؤسفة التي واكبت الانتخابات المحلية باليمن مفاجأة للمراقبين السياسيين والمتابعين للشأن اليمني العام, فالضحايا الذين سقطوا بين قتيل وجريح واولئك الذين اقصوا من العملية الانتخابية برمتها.. كل هؤلاء يسجلون في خانة ضحايا التحول الديمقراطي الذي يشهده وطن في اطراف الجزيرة العربية, قريبا من مواطن النفط لكنه يعاني من أزمات واستحقاقات كبيرة يجيىء اغلبها بصورة دموية كما هو الحال في الانتخابات المحلية الاخيرة. الا ان التجربة اليمنية تشكل تحديا سافرا للقوى الفاعلة في اليمن, وفي دول الجوار حيث يبرز تساؤلا ملحا لا يمكن الهروب منه, هل يمكن لدولة محدودة الموارد كاليمن ان تشق الدرب الديمقراطي وسط حالة اقليمية راكدة ووضع دولي لايزال ينظر لهذا البلد على انه مصدرا للقلاقل والانفلاتات الامنية والسياسية المؤثرة بشكل كبير على الحياة السياسية في المنطقة؟ فما حدث لليمن قبل عشر سنوات شيء عظيم, حيث تمكن من توحيد اراضيه, واعلان دولة المؤسسات والسماح بالتعددية الحزبية كتعبير شكل عنوانا بارزا لدولة الوحدة, بيد ان التركيبة الداخلية التي تشكل القبلية فيها حالة معقدة جدا لم يتمكن الحزب الاشتراكي ابان دولة اليمن الديمقراطي في الجنوب من تفكيكها ووضع العناصرالرئيسية للمجتمع المدني, ناهيك عن الشطر الشمالي سابقا الذي تعتبر فيه المسألة القبلية انتماء وجد تداعياته في بعض صور الاختطاف التي حدثت لبعض الاجانب انطلاقا من مطالب قبلية او مناطقية بحتة.. هذه التركيبة تفجرت في الانتخابات المحلية, فسالت دماء وارتفعت درجة حرارة التعاطي في العلاقات بين الحزب الحاكم وحليفه (الاصلاح) وكذلك مع القوى المعارضة وعلى رأسها الحزب الاشتراكي اليمني الذي يعاني من حالة تهميشية قاسية واحتمالات تشطيره الى عدة احزاب تنهي دوره الفعلي على الساحة المحلية. هذه الاشكاليات والتشكيك في النتائج النهائية للانتخابات والاستفتاء على التعديلات الدستورية والمترافقة مع التوتر في العلاقات الحزبية لدرجة الاقتتال في بعض المواقع, لم تكن الا بعض افرازات المرحلة الماضية والراهنة والتركيبة الداخلية المعقدة, على الرغم من ان الانتخابات المحلية تعتبر مرحلة مهمة في بناء الدولة القائمة على المؤسسات, وتشكل محطة مهمة نحو تمدين المجتمع لجهة المزيد من الديمقراطية وتفكيك قبضة السلطة المركزية على مفاصل الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لصالح الانتشار الافقي للديمقراطية اليمنية الحديثة. ربما يحتاج اليمن لسنوات طويلة لكي يشهد استقرارا سياسيا حقيقيا تفعل الديمقراطية فيه فعلتها لتؤسس دولة القانون والمؤسسات القادرة على حماية احزاب المعارضة من بطش الاغلبية وعقليتها الاقصائية وحتى تلك اللحظة سوف تستمر الخضّات المتفاوتة التي لن تخلو من الدماء التي ستسفك!