المشهد السياسي في اليمن ظاهرة ملفتة للانتباه, تستدعي التوقف أمامها مليا خاصة خلال الفترة الممتدة من تاريخ اعادة تحقيق الوحدة, وإعلان الجمهورية اليمنية حيث وجد المشهد السياسي في مناخ انتقالي متغير اطلق عليه (التجربة أو العملية الديمقراطية) ولا شك ان مناخ التحول الديمقراطي قد جعل المشهد السياسي يتداخل ويتصادم ويتقاطع مع عدة مشاهد اخرى اجتماعية (قبلية تقليدية), واقتصادية وثقافية وبنيوية متصلة بمفهوم السلطة والحكم وهياكلها, وآلياتها, واحيانا جرى التقاطع بين المشهد السياسي و العنف بمفهومه العام المؤسسي والفردي واذا تجاوزنا الغوص في التقاطع الذي جرى عام 1994 وقاد الى الحرب ومحاولة الانفصال فإن الكثير من التقاطعات والصيغ الاخرى في العلائق بين المشهد السياسي وباقي المشاهد الاخرى قد تحققت, وبدرجة عالية واثناء التجارب او العمليات الانتخابية (الثانية) والرئاسية التي شهدها اليمن خلال العقد الماضي وتكررت الصورة تماماً وربما اكثر حدة خلال العقد الماضي وتكررت الصورة تماما ربما اكثر حدة خلال الانتخابات المحلية والاستفتاء على التعديلات الدستورية التي جرت يوم 20 فبراير الماضي وتواصلت تداعياتها ومعركتها لأكثر من عشرة ايام متتالية اقتصرت فيها عملية التنافس والمواجهة الحادة السياسية والعسكرية (الصدامات المسلحة) على الحليفين التقليديين الاستراتيجيين المؤتمر الشعبي العام الحاكم والتجمع اليمني للاصلاح (ذو الاتجاه الاسلامي المعارض) بينما كان حضور وتواجد الاحزاب المعارضة الاخرى بما فيها الحزب الاشتراكي اليمني محدودا وخافتا الى حد ما في المشهد السياسي الانتخابي الاخير لعدة اعتبارات واسباب ذاتية وموضوعية تاريخية ومعارصة لا يتسع المجال لذكرها الآن. لقد مثلت عملية الاستفتاء على التعديلات الدستورية من لحظة عرضها كمشروع وكذا الانتخابات المحلية حتى يوم الاقتراع, وبعدها اعلان النتائج النهائية لكلتا العمليتين موسما ساخنا ارتفعت خلاله حرارة المشهد السياسي اليمني الى الحد الذي احس بدفئه البعيدين عنه (خارج اليمن) وأحرق بناره العديد ممن كانوا في قلب المشهد سواء أحزاب او افراد حيث طالت اعمال العنف التي رافقت هذا الموسم الانتخابي العشرات من رجال الامن والجيش, والمرشحين والمقترعين وجرح العشرات ايضا, واعتقد الكثير من المراقبين ان واقعتي الحيمة والرضمة والدماء التي اهرقت من رجال الامن والجيش وانصار (الاصلاح) مثلت مفترق الطريق والطلاق الذي لا رجعة فيه بين (الاصلاح والمؤتمر) فضلا عن المواجهات العديدة في عشرات المراكز والدوائر الانتخابية على امتداد اليمن و بخاصة عند فرز الاصوات واعلان نتائج الانتخابات المحلية وتزايدت الظنون والاعتقادات بأن مواجهة بهذا الحجم والحدة في انتخابات محلية عالية الحساسية وبالغة الدقة تجري لأول مرة كفيلة بأن تنتهي بأحداث تغيير جوهري في خارطة التحالفات الحزبية داخل المشهد السياسي اليمني, وبما يفضي الى تقارب فعلي بين (الاصلاح) واحزاب مجلس التنسيق الاعلى للمعارضة وفي طليعتهم الحزب الاشتراكي اليمني والوحدوي والناصري واختراق عملي مع المؤتمر الشعبي العام الحاكم, ذلك لأن الخطاب السياسي للاصلاح في مواجهة (المؤتمر) اتسم بالحدة والنقد الصريح وتحديد فئة وصفها بـ (لوبي الفتنة وطابور الفساد) اتهمها الاصلاح بـ (الشمولية والتطرف والدموية والفساد) والزج بالجيش والأمن في مواجهة مسلحة مع المواطنين لتغطية فشلها ومحاولتها لتزييف الانتخابات ومصادرة حقوق الناخبين والاستيلاء على حقوق المرشحين بالقوة, وتشويه التجربة الديمقراطية وفي المقابل كان خطاب المؤتمر الشعبي العام الحاكم اكثر حدة وصرامة حيث تضمن اتهامات صريحة للاصلاح ولعناصره في الميدان بـ (التطرف والارهاب وتزوير الانتخابات والتعدي على السلطات, ومهاجمة قوات الجيش والأمن وعناصر المؤتمر وتعمد قتلهم) وبلغت الاتهامات ذروتها عندما قال مسئول في المؤتمر الشعبي: ان الاصلاح قد تحالف مع الحزب الاشتراكي والمعارضة لتزوير الانتخابات, والتصويت ضد التعديلات الدستورية, ووصف ذلك التحالف بأنه (بين الوصولية الى السلطة, والانفصالية عن الوحدة) رغم ان المعارضة في مجلس التنسيق كانت بادرت في اليوم التالي لعملية الاقتراع بالاعلان عن الخروقات والمخالفات التي رافقت العملية الانتخابية وطالبت باعادة الانتخابات وعلمية الاستفتاء على التعديلات الدستورية باشراف هيئة محايدة. لكنها لزمت الصمت بعد ذلك ووقفت موقف المتفرج على المعركة والمواجهة التي اقتصرت خلال الايام التالية على المؤتمر الحاكم, وتجمع الاصلاح مكتفية بما ستقود اليها تلك المواجهات من نتائج سواء انتخابية أو سياسية متصلة بالعلاقة بين الاصلاح والمؤتمر, ولعل في هذا الموقف المتفرج سلبية فوتت فرصة ثمينة على المعارضة لمحاولة اقتناص الاصلاح, ليس الى حد فك ارتباطه مع حليفه التاريخي المؤتمر وانما على الاقل استمالته والاستحواذ على هواه, واغرائه واستدراجه للمستقبل, ولكن ذلك لم يتحقق, وانما قاد الى شكوك ومحاذير لدى الاصلاح تمثلت بتوليد اعتقاد لدى قيادة الاصلاح ان المعارضة وبخاصة الاشتراكيين كانوا في حالة ترقب وتربص ينتظرون تلقي الاشارة من الرئيس صالح لمواجهة المتطرفين والارهابيين في (الاصلاح) فيكونوا قد اقتنصوا الفرصة لانقاذ المؤتمر, وتقديم خدمة جليلة للرئيس صالح تمكنهم من تحقيق بعض المكاسب او على الاقل المطالب التي طالما طرحوها على الرئيس منذ نهاية عام 1994. تلك كانت هي الظنون والتكهنات التي بنيت عليها المواقف والحسابات في ثنايا المشهد السياسي (الانتخابي) اليمني خلال الثلث الأخير من فبراير الماضي ودحضتها النتائج في نهاية المطاف وأكدت محصلة الانتخابات والاستفتاء والجدل والمواجهات, ان المشهد السياسي قد كرر نفسه وذاته التي ظهرت خلال الانتخابات النيابية الثانية عام 1975 باستثناء ان الاشتراكي شارك في المشهد الانتخابي الاخير واستطاع من خلال هذه المشاركة ان يستعيد جزء من الماضي ويتنفس الصعداء في بعض المحافظات الجنوبية وبخاصة في ابين ولحج والضالع وعدن, من خلال عدد المقاعد التي حصل عليها في المجالس المحلية على مستوى المديريات والمحافظات والبالغة 440 مقعدا تمثل خيط الامل الذي يتعلق به الحزب ليردوا بصره الى مستقبل اكثر امنا مما كان عليه في الامس القريب, لكن هذا الخيط الرفيع الذي يستعيده الحزب الاشتراكي عبر الانتخابات المحلية يظل واهيا وضعيفا اذا لم تسنده سياسة براجماتية واعية ومتزنة تقوم على مبدأ الحضور والمشاركة المستمرة والتدرج في تحقيق المزيد من المكاسب عبر ممارسة الديمقراطية والمشاركة فيها وحمايتها وليس عبر الصفقات السياسية والتكتيكات المبنية على تكهنات وتقديرات بعيدة عن الحقائق, ومناورات هدفها اللعب على المتناقضات لدى الطرف الآخر (الخصوم) لأن الرهان على المتناقضات فشل مرارا خاصة عندما تتعلق المتناقضات بحالة كحالة (المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للاصلاح) اللذان يضمران عداء تاريخيا مشتركا ايديولوجيا وفكريا بل وتاريخيا للحزب الاشتراكي اليمني سواء كان حليفا او معارضا, ولهذا فإن خارطة التحالفات الحزبية داخل المشهد السياسي اليمني لم تتغير ولم يطرأ عليها أي تبدل جراء الانتخابات المحلية التي حسمت نتائجها بصفقة سياسية بين الرئيس (المؤتمر الشعبي, وقيادة الاصلاح) قبل ان تعلنها اللجنة العليا للانتخابات فاحتفظ المؤتمر بالأغلبية المريحة حوالي 70%, وتمكن الاصلاح من الحصول على ما يزيد على 26% وهي نسبة تليق به في وضعه الراهن, وحالة الانتخابات وظروفها بينما تركت النسبة المتبقية هامشا ومساحة يتوزعها الحزب الاشتراكي والمستقلون والوحدوي الناصري لإضفاء مزيد من الألوان السياسية وبغية تنميق المشهد السياسي, والحالة الديمقراطية اليمنية ذات الخصوصيات الفريدة والمتميزة عن ديمقراطيات العديد من البلدان في نادي الديمقراطيات الناشئة. إن مناخ التحول الديمقراطي والبيئة التي تحاول الديمقراطية اليمنية ان تحبو فيها تشتمل على طيف واسع من العوامل المؤثرة لا تقتصر على الصيغة الحزبية والتنوع السياسي بل ان البنى الاجتماعية التقليدية (القبلية والعشائرية) والثقافة السائدة التي يحيطها سياج الامية المتفشية في اوساط المواطنين, واستمرار سلطان الفرد, والنزعة المناطقية, والجمهورية وقصور الوعي, وغياب البرامج يجعل العملية الديمقراطية اليمنية تتكرر بمشاهدها الانتخابية وتبدو نتائجها مستنسخة من بعضها البعض, خاصة مع بقاء الوضع الاقتصادي متعثرة وتزايد حاجات الناس وبطء التنمية واستمرار تدني مستوى التعليم والمحاولات المستمرة لدى النخب السياسية والاجتماعية القائدة اجترار الماضي والارتهان لرواسبه, وعدم التحرر من منظومة القيم والمعايير التقليدية التي يجري تقييم الواقع بها ومن خلالها والتطلع الى المستقبل بحذر وتردد كبير نتيجة ذلك الارتهان وسيطرة الثقافة الماضوية التي يرى اصحابها بأن الابتعاد اكثر عم تحقق خلال السنوات العشر الماضية يعتبر خطرا ومغامرة غير محمودة العواقب. بقلم: حمود منصر _ صحفي يمني