لتقييم التجربة الديمقراطية في اليمن من خلال مسار الانتخابات النيابية والرئاسية والمجالس البلدية يتوجب علينا في البداية الاشارة بشكل سريع ومختصر الى نشأة الديمقراطية اليمنية وطبيعة النخبة السياسية, تحديد مفاصل دعائم السلطة, ثم الانتقال بعد ذلك الى اظهار اهمية التفرقة بين فترتين زمنيتين فترة ما قبل وبعد الحرب الاهلية لصيف عام 1992 وانعكاسات مجمل هذه العناصر والاحداث على مسار الانتخابات. منذ قيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990 تم التأكيد على ركيزتين اساسيتين للدولة الجديدة وهما الوحدة والديمقراطية كوجهين لعملة واحدة. وقد جاء هذا التأكيد في نصوص دستور الوحدة وفي اتفاقيات الوحدة. وقد تأثر المشروع الديمقراطي لدولة الوحدة باختلاف التراث التاريخي للشطرين واختلاف طبيعة النخبة السياسية الحاكمة فيهما. فالشطر الجنوبي ورث من تجربة الاستعمار البريطاني مفهوم المجتمع المدني, مفهوم الدولة, ونوعا من التعددية الحزبية والتجربة البرلمانية المحدودة التي اثرت بدورها على تركيبة النخبة السياسية في الجنوب, وتبنيها الايديولوجية الاشتراكية العلمية بحسب تسميتها في الدستور الى نشأة الفكر العلماني, بالمقابل فإن الشطر الشمالي الذي ورث الحكم من النظام الامامي في 26 سبتمبر 1962 وان كان نظام الحكم مدنيا لكنه متخلف عن عصره, لم يشهد قيام مؤسسات المجتمع المدني, أو التعددية الحزبية كما شهدها الجنوب في عهد الاستعمار البريطاني. وحل محله بعد عام 1962 نظام حكم عسكري اعتمد على المؤسسة العسكرية والقبلية لاحقا ليشكلا دعامة السلطة والشرعية للحكم وتكونت النخبة السياسية الحاكمة من المؤسستين العسكرية والقبلية. من هنا نبتت التجربة الديمقراطية اليمنية في بدايتها على اسس جديدة في مجال الليبرالية السياسية وكحل وسط في مفهوم الليبرالية الاقتصادية بين نظام السوق والاقتصاد الموجه. وقد اعتقد كثيرون ان هذه الخيارات للنظام السياسي والاقتصادي لدولة الوحدة الذي كرس دستور الوحدة مبادئه كفيلا في اطار بناء الدولة الجديدة ان يؤمن له الاستمرارية وتطويره نحو الافضل. بيد انه تبين بعد ذلك ان شرعية النظام الديمقراطي لم يكن يعتمد على قوة نصوص الدستور وانما من يمتلك مصادر القوة بالسيطرة على المؤسسة العسكرية والامنية. فطالما كان الحزبان الحاكمان يسيطر كل منهما على المؤسسة العسكرية والامنية للشطرين سابقا اللذان لم يتم دمجهما مع قيام دولة الوحدة كان ذلك مصدرا لتوازن السلطات وحماية التجربة الديمقراطية وتطويرها. وأظهرت حرب صيف عام 1994 ونتائجها خسارة الحزب الاشتراكي اليمني لآلته العسكرية والأمنية لصالح الاطراف المنتصرة في الحرب وهما حزبا المؤتمر الشعبي العام وحزب التجمع اليمني للاصلاح اديا الى تغيير مفهوم الديمقراطية واختلال موازين القوى السياسية في اليمن. والمقارنة التالية بين الفترتين تستوضح عناصر التغيير ان لم يكن التحول في المسار الديمقراطي للتجربة اليمنية ذات العلاقة المباشرة بالمسارات الانتخابية المختلفة. اذا انشلغنا الآن في تحليل انعكاسات المعطيات السابقة على المسارات الانتخابية المختلفة من خلال التمييز بين مرحلة ما قبل الاقتراع ومرحلة الاقتراع وفرز النتائج سنلاحظ الآتي: في انتخابات مجلس النواب لعام 1993 ــ 1997. عناصر الاختلاف بينهما تمثلت في عدد الاحزاب والتنظيمات المشاركة فقد بلغ عددها في الانتخابات البرلمانية الاولى لعام 1993 الى 23 حزبا فاز منها في البرلمان 8 احزاب, وفي الانتخابات البرلمانية الثانية في عام 1997 بلغ عدد المشاركين في 12 حزبا فقط من اصل 15 حزبا معترفاً بها رسميا من لجنة شئون الاحزاب وقاطع الانتخابات لأول مرة ثلاثة من المصرح بها وحصلت اربعة منها على تمثيل في البرلمان ولعل اكبر الاحزاب المقاطعة وأهمها هو قرار الحزب الاشتراكي اليمني الشريك في اقامة دولة الوحدة بسبب اتهامه لسلطة الائتلاف الثنائي المشكل من المؤتمر الشعبي العام وحزب التجمع اليمني للاصلاح الى استغلالهم للمال العام والوظيفة العامة والاعلام وتضييق الهامش الديمقراطي وعدم حيادية اللجنة العليا للانتخابات في ادارتها للعملية الانتخابية. وكاد حزب الاصلاح بدوره يقرر المقاطعة للانتخابات بسبب ممارسات اللجنة العليا للانتخابات واللجان الامنية, واستغلال المؤتمر الشعبي العام لأفراد القوات المسلحة والأمن بنقل معسكراتهم من موطن انتخابي لآخر مخالفا بذلك لقانون الانتخابات, وتسخير المال العام للدعاية الانتخابية وتعبئة وسائل الاعلام الرسمية لصالحه بجانب وسائل اعلامه الحزبية. فعلى مستوى الانتخابات لمجلس النواب في عام 1993 ــ 1997 حصل المؤتمر على 145 مقعدا من اصل 301 مقعد المكون منه مجلس النواب وبنسبة 48.0%, وفي عام 1997 على 221 مقعدا بنسبة 73.9% بينما الاصلاح حصل اولا على 66 مقعدا بنسبة 22%, وثانيا على 64 مقعدا وبنسبة 21.4% والاشتراكي على 68 مقعدا بنسبة 22.5%, وثانيا لمقاطعته انتخابات ,1997 تقدم ثلاثة اعضاء منه بصفتهم كمستقلين بنسبة 1 %. وفي الانتخابات الرئاسية في سبتمبر ,1999 بعد استبعاد امين عام الحزب الاشتراكي كمرشح لمجلس التنسيق الاعلى للمعارضة بسبب عدم حصوله على تزكية 30 عضواً من مجلس النواب, فقد رشح المؤتمر والاصلاح الرئيس علي عبدالله صالح, وهو رئيس المؤتمر لخوض انتخابات الرئاسة امام مرشح آخر من حزب المؤتمر ايضا ممثلا ليحل أول رئيس لجمهورية اليمن الجنوبية المرشح نجيب قحطان الشعبي الذي حصل على 3.7% من الاصوات, مقابل 96.3% للرئيس علي عبدالله صالح, اي بمعنى آخر 100% للمؤتمر الشعبي العام!! وجاءت الانتخابات البلدية المحلية لتؤكد هذا الصعود المستمر للمؤتمر الشعبي العام حين اظهرت النتائج الأولية للفائزين بعضوية مجالس المحافظات حصول مرشحي المؤتمر الشعبي العام من بين 380 مقعدا حصوله على 254 مقعدا, وللاصلاح على 79 مقعدا, والاشتراكي 16 مقعدا والمستقلين على 31 مقعدا. واقتناعا من الناخبين بتغير قواعد اللعبة الديمقراطية وعدم توفر عناصر النزاهة في الانتخابات تظهر تراجع نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات ففي حين بلغت نسبة المشاركة من بين عدد المسجلين في برلمانيات 1993 نسبة 84.7% تراجعت في 1997 الى نسبة 60.1%, لتبلغ في الانتخابات الرئاسية نسبة 66%, ويقال إن هذا الرقم الرسمي لا يعكس حقيقة المشاركة التي لم تتجاوز ما بين 30 الى 40% من المقيدين في سجلات الناخبين. والواقع أن الخلافات حول مشروع التعديلات الدستورية لم يقتصر على مستوى الخلاف بين احزاب المعارضة والحكومة بل شمل ايضا معارضة بعض الشخصيات المستقلة الحقوقية مثل كاتب هذه السطور. فحزب الاصلاح مصنف كحزب معارض من خارج الاحزاب المنضوية تحت مجلس التنسيق الاعلى للمعارضة, وهو ان تضامن مع احزاب المعارضة في المجلس ضد طريقة تنظيم وسير الانتخابات المحلية, الا انه في مجال مشروع التعديلات الدستورية اقر اغلبية اعضائه الممثلين في مجلس النواب مشروع التعديلات الدستورية وصوتوا لصالح المشروع في جلسة المجلس بتاريخ 19 نوفمبر ,2000 فقد وافق مشروع التعديلات 276 عضوا يمثلون 92% من اجمالي اعضاء المجلس البالغ عددهم 301 عضو وبنسبة 97% من عدد النواب الحضور الذين شاركوا في جلسة التصويت وعددهم 286 عضوا. بلغ عدد الرافضين للتعديلات 9 اعضاء, وامتناع عضو واحد عن التصويت. وبحسب الدستور يتطلب الموافقة على التعديلات بأغلبية ثلاثة ارباع عدد اعضاء المجلس أي (226) صوتا. والتعديلات الاخيرة بحصولها على الموافقة من قبل 276 عضوا حصلت على زيادة 50 صوتا عن العدد المطلوب دستوريا. بالمقارنة بتعديلات دستور 1994 بعد الحرب مباشرة حصلت تعديلات 1994 على 252 صوتا بنسبة 84% وبزيادة 26 صوتا فقط عن الاغلبية المطلوبة. المشكلة هنا ذات شقين, الأول موافقة النواب على التعديلات بأغلبية كبيرة, لم يواكبها موافقة مشابهة من قواعد حزب الاصلاح وحتى من قبل افراد كثيرين من حزب المؤتمر الشعبي العام التي اكتفت مع موقف بقية احزاب المعارضة وقواعدها. فالشعور الاجماعي ان التعديلات رفضت من قبل الناخبين بأغلبية كبيرة, ولكن اللجنة العليا للانتخابات تلاعبت في اعلان نتائج الاستفتاء بعد ان اكدت الجنة في البداية في مؤتمر صحفي لرئيس قطاع الاعلام وان نسبة الاقبال على الاقتراع في الاستفتاء على التعديلات الدستورية وانتخابات المجالس المحلية التي شهدها اليمن بلغت 85% وفقا للتقارير المرفوعة من اللجان الانتخابية في الميدان, مما يعني ان هذه النسبة من اجمالي قوائم الناخبين البالغ عددهم 5.6 ملايين ناخب وناخبة تمثل 4.7 ملايين ناخب, بينما النتائج شبه النهائية التي اعلنت حتى صباح يوم الاربعاء 28 فبراير اظهرت عدد الذين ادلوا بأصواتهم 2.5 مليون صوت فقط, مما يجعل هناك فارق 2.3 مليون صوت من اجمالي عدد المقترعين حسب التصريح السابق. ولا يعرف اين ذهبت هذه الاصوات التي تقترب من نصف الرقم المعلن؟ واكتفت اللجنة العليا للانتخابات بإعطاء تفاصيل توزيع عدد الاصوات للذين ادلوا بأصواتهم على التعديلات الدستورية التي حددتها اللجنة بـ 2.5 مليون صوت. حيث بلغت الموافقة بنعم للتعديل بـ 1.8 مليون وبنسبة 73.36% من اجمالي المقترعين, وعدد الاصوات الرافضة بـ 5.2 ملايين لتعلن اللجنة وبهذة النتيجة تكون التعديلات الدستورية قد نجحت بالاغلبية المطلوبة!! على ضوء هذه النتائج يمكن تسجيل الملاحظات التالية: اختلاف كبير بنسبة المشاركة الشعبية بين الاستفتاء على دستور الوحدة في 15 ــ 16 مايو 1991 الذي بلغ 72.2% من عدد المسجلين, مقابل 36.44% في الاستفتاء الحالي, نسبة من ايدوا الدستور بنعم في عام 1991 بلغت 98.3% مقارنة بنتيجة 73.63% في الاستفتاء على التعديلات. عدد الاصوات الرافضة للدستور في عام 1991 بلغت 1.5% مقابل 22% في الاستفتاء الحالي. هناك مفارقة كبيرة في الاستفتاء على الدستور تهم اعلان النتائج في غضون 48 ساعة, بينما اعلان نتائج الاستفتاء على التعديلات اخذ ثمانية ايام لاعلان النتائج فمع استمرار ظلال الشك حول مصير 41% من الاصوات التي اكدت اللجنة في البداية نسبة المشاركة في الاستفتاء بـ 85% من اجمالي المسجلين البالغ عددهم 5.6 ملايين ناخب, لهذا طالب بعض القانونيين ضرورة اعادة فرز الاصوات الخاصة بالاستفتاء على التعديلات الدستورية من خلال تشكيل لجنة تجمع جميع الاحزاب (الحزب الحاكم والمعارضة) وممثلون عن المستقلين, وعن اللجنة العليا للانتخابات للتأكد من النتائج المعلنة التي تم فرزها من جانب اللجنة العليا وحدها وهي بطبيعتها موالية للحزب الحاكم. وتجربة ما حدث في فلوريدا في الانتخابات الرئاسية الامريكية تبين اهمية احتساب صوت كل مواطن لأنه قد يشكل عددا قليلا من الاصوات ترجيح كفة اتجاه معين مقابل الاتجاه الآخر. كما تم رفع قضية دستورية امام الدائرة الدستورية في المحكمة العليا لإعلان عدم دستورية مشروع التعديلات من قبل كاتب هذه السطور ودعوى اخرى رفعها عدد من الزملاء المحامين ضد اللجنة العليا للانتخابات. بقلم: د. محمد علي السقاف _ استاذ القانون الدولي ـ جامعة صنعاء