طوال الاشهر القليلة التي سبقت يوم الاقتراع في الانتخابات المحلية اليمنية (20 فبراير الماضي), ظل الاعلام الرسمي يصور هذا اليوم عيداً للديمقراطية.. حتى فوجئ الرأي العام المحلي والدولي ـ خلال الساعات الاولى للاقتراع ـ بوفرة الاخطاء الفنية التي نجمت عن قصور واضح في اداء اللجنة العليا للانتخابات.. عدا الخروقات التي اقترفتها مرجعيات حزبية وقبلية وعسكرية وناخبون عاديون.. وقد تم تتويج ذلك كله بعدد من الحوادث المؤسفة التي راح ضحيتها عدد من القتلى والجرحى, من الناخبين والمرشحين ورجال الشرطة واعضاء اللجان الانتخابية في عدد من مناطق البلاد, قدرت بعض الاوساط شبه الرسمية عددهم بنحو 48 قتيلا و 82 جريحا, في مشهد تجاوز في دراميته كل المشاهد الانتخابية اليمنية السابقة. فالمعروف ان جميع العمليات الانتخابية ـ منذ قيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990م ـ تعمدت بالدم والدم الاخر, بدلا عن ثنائية الرأي والرأي الاخر السائدة في الممارسة الديمقراطية.. ومما لا شك فيه ان اليمن مازال يحبو بصعوبة شديدة على رصيف الديمقراطية, وهو قد يختار الجمرة بدلا عن التمرة في بدء الطريق, غير انه سيقدر على التمييز بينهما بوضوح بالغ اذا استطاع التخلص من الاسباب والعوامل التاريخية التي تعيقه عن التطور الديمقراطي في شتى مناحي حياته. ولعل من هذه الاسباب التي تدعو دائما الى اقتران العملية الانتخابية بأعمال العنف اكتظاظ الساحة اليمنية بالسلاح الذي يتم تداوله جهارا نهارا من دون رقيب ولا حسيب, وفي اسواق مفتوحة في مناطق يمنية عدة. وحسب تصريح لوزير الداخلية ـ قبل ثلاثة اعوام ـ فإن عدد قطع السلاح المتوسط والخفيف المتوافر في حوزة ابناء القبائل اليمنية يتجاوز, الخمسين مليونا, يحوزها القسم الاعظم من سكان البلاد الذين لا يتجاوز عددهم 18 مليونا معظمهم من النساء. اضافة الى ذلك, فإن الامية الابجدية مستشرية على نحو خطير في المجتمع اليمني, اذ تقدر المعلومات الرسمية ـ وكذا الاحصائيات الصادرة عن المنظمات الدولية العاملة في اليمن ـ نسبة الامية في البلاد بأكثر من 70% في اوساط الذكور 85% لدى الاناث.. ناهيك عن الامية الثقافية والحقوقية, فالجهل بأبسط الحقوق القانونية والسياسية لا يسيطر على عامة الناس هناك فحسب, انما يصيب قطاعا غير محدود من المتعلمين ايضا. والى جانب انتشار السلاح واستفحال الامية, ثمة الفساد السياسي والولاء القبلي المطلق وكلاهما يسيئان الى الممارسة الديمقراطية ـ وبضمنها العملية الانتخابية ـ في اليمن. ان الحل الامثل لوقف نزيف الدماء من اوردة الممارسة الديمقراطية هو بالمزيد من ضخ الدماء في شرايين الوعي الديمقراطي, بالرغم من انه حل بعيد الامد وشائك المدى في اليمن!