شهدت اليمن يوم 20 فبراير2001 انتخابات المجالس المحلية في جميع المحافظات اليمنية للمرة الاولى منذ عام , 1990 كما تزامنت هذه الانتخابات مع الاستفتاء على التعديلات الدستورية. وقد توجه نحو خمسة ملايين ناخب الى صناديق الاقتراع, لانتخاب نحو سبعة آلاف عضو للمجالس المحلية, من 23 ألف مرشح بينهم 120 امرأة, وكذلك للتصويت على التعديلات الدستورية التي تتضمن تمديد ولاية مجلس النواب اليمني من أربع الى ست سنوات, و كذلك تمديد فترة ولاية رئيس الجمهورية من خمس الى سبع سنوات, وعلى نحو يفتح الباب دستوريا أمام الرئيس علي عبدالله صالح للحكم حتى عام ,2013 اذا ماأتم فترتين متتاليتين بحسب نص الدستور اليمني. وبالرغم من أن النتائج النهائية الرسمية لهذا الاقتراع المشترك (الانتخابات والاستفتاء) قد جرى الاعلان عنها وسط تبادل الاتهامات بالتزوير, وأحداث عنف دموي خلف عشرات القتلى واستنفرت أسلحة الميليشيات الحزبية والقبلية, الا انها تعتبر حلقة أخرى ايجابية في مسلسل الانتخابات اليمنية على مدى العقد الفائت, ومنذ قيام الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990. اذ من المعروف أن الشعب اليمني, ومنذ انطلاق ثورة 26 سبتمبر 1962 قد توخى من قادته ونخبته السياسية, اقامة نظام ديمقراطي يعتبر النقيض الموضوعي لكل أشكال الاستبداد والطاغوت الأمامي, غير أن هذا الهدف للنظام الجديد توارى الى الخلف, بعد بروز المشاكل والمؤامرات الخارجية ضد النظام الوليد ليتقدم عليه مفهوم حماية الثورة وتأمين بقائها, ورغم صدور العديد من الدساتير خلال المرحلة بين عامي 62ـ 1976 فإن أي منها لم يطبق لعوامل كثيرة داخلية وخارجية. ومع أن اليمن يتمتع بإرث قديم للشورى والتعددية, الا أن هذا الأرث شهد حالة انقطاع في المرجعية التاريخية اليمنية, ولذلك فإن الحديث عن الديمقراطية ومبدأ التداول السلمي للسلطة, لم يبرز على الصعيد المؤسسي والدستوري الا في السنوات الأخيرة, وبعد سلسلة من الازمات التي رافقت مسيرة النظام السياسي الحديث في اليمن. ولا شك ان تحقق الوحدة اليمنية في عام 1990 على أساس وضع نهاية لمأساة التمزق الوطني والعودة الى حقيقة أن الأرض اليمنية واحدة, وان الشعب اليمني شعب واحد, وان الكيان الوطني اليمني, قد تبلور منذ عشرات القرون, كان يتطلب بالضرورة القيام بعملية تاريخية موازية وعلى نفس القدر من الأهمية والخطورة, ونقصد بهذه العملية تحقيق الديمقراطية كرديف موضوعي للوحدة. لقد أدرك الشعب اليمني وقيادته, حقيقة أن التجربة الملموسة التي عاشها شطرا اليمن, قد كشفت بوضوح ان غياب الديمقراطية كانت هي العامل الحاسم في ازمة التطور, وان خطأ أية سياسات واخفاق أية توجيهات فيها, قد ارتبط على نحو وثيق بانعدام الديمقراطية وانتهاج سياسات تتنافى معها. وعليه فقد ترسخ الاقتناع لدى اليمنيين, نخبة وقيادة, ان الأخذ ببديل ديمقراطي يقوم على مشاركة كل القوى السياسية والاجتماعية الحية في ادارة الدولة والمجتمع, وايجاد الصيغ الاقتصادية والسياسية والقانونية التي تنظم هذه المشاركة هو الأسلوب الأمثل لتطور دولة الوحدة. أي أن خلق وضع سوى للتطور الناجح صوب مستقبل أفضل, لن يتحقق الا باطلاق الحريات الديمقراطية وايجاد صيغة حقيقة للمشاركة الشعبية, والغاء التشريعات المحرمة للعمل الحزبي, والابتعاد عن العنف في العمل السياسي والاقرار بالتنوع, وبأن حزبا واحدا أو طبقة أو تحالفا ضيقا للطبقات, لا يستطيع أن ينهض بمهام التطور وانجاز الأنبعاث الحضاري, وان الخصوصية اليمنية تتطلب ضرورة اشراك أوسع للقوى في الحياة السياسية وفي قيادة التطور, ولا يمكن أن يتم ذلك بدون الديمقراطية واطلاق الحريات السياسية وصيانة حقوق الانسان. ولقد تجسد هذا الادراك والاقتناع في تطورات سياسية اخذت طريقها الى التحقق في دولة الوحدة, تمثلت في قانون الأحزاب والمنظمات السياسية لسنة ,1991 ثم في قانون الانتخابات العامة لسنة 1991 وتعديله بالقانون الجديد للانتخابات في عام 1996 وكانت انتخابات عام 1993 البرلمانية تجربة مفيدة استلهم الشعب اليمني دروسها المستفادة في تجربة انتخابات عام 1997 البرلمانية, التي جاءت بالمجلس النيابي اليمني الحالي, والتي كانت بكل تأكيد أكثر نضجا ونجاحا من سابقتها. كما كان اجراء الانتخابات الرئاسية في 23 سبتمبر 1999 في الجمهورية اليمنية, على اساس مبدأ التعددية الحزبية والسياسية, بمثابة نقلة نوعية على صعيد ترسيخ التداول السلمي للسلطة في اليمن, وتعزيز دورالشعب في ارساء وتجذير هذه التجربة الديمقراطية التي تأخذ بتطبيق قيم العصر الراهن, في تعاملها مع استحقاقات القرن الواحد والعشرين. والجدير بالذكر ان هذه الانتخابات الرئاسية التي جرت منذ أكثر من سنتين في اليمن كانت هي الأكثر ديمقراطية من حيث أخذها بمبدأ وجود أكثر من مرشح واحد لمنصب الرئيس, ومن حيث تحديد مدة ولاية الرئيس بحيث لا تزيد على فترتين متتاليتين, وذلك مقارنة بماهو معمول به في مختلف الدساتير العربية. بل وحتى دساتير الكثير من دول العالم الثالث التي تقوم فيها انتخابات الرئاسة على اساس الاستفتاء على اسم مرشح وحيد هو الرئيس الفعلي الماسك بمقاليد السلطة في البلاد. ولا شك أن من شأن انتخابات المجالس المحلية التي جرت مؤخرا في اليمن, وبإقرار التعديلات الدستورية التي تم الاستفتاء عليها كذلك يوم 20 فبراير الماضي, تعزيز الاستقرار السياسي لدولة الوحدة اليمنية, وان كان التنافس الشديد والمسلح على مقاعد المحليات, بصرف النظر عن حدود وصلاحيات المجالس المحلية, قد دفع بتطويرات لافتة على صعيد التوازنات والتحالفات على الساحة السياسية الداخلية في الجمهورية اليمنية, خصوصا بين الأحزاب الرئيسية الثلاثة: المؤتمر الشعبي العام (وهو حزب الرئيس صالح), والتجمع اليمني للاصلاح (الاسلامي القبلي) والحزب الاشتراكي الذي يعود ليكشف ماتبقى من نفوذ وتحديدا في محافظات الجنوب والشرق, وليستعيد مكانته بعدما لحق به من آثار حرب عام 1994 الانفصالية, ومقاطعته الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 1997. فإذا كانت نتائج فرز الأصوات قد أكدت تقدم المؤتمر الشعبي العام بفارق كبير يليه التجمع اليمني للاصلاح, ثم الاشتراكي, فالواضح للذين راقبوا مسار الانتخابات, ان السلطة اليمنية قد حسمت أمرها في اتجاه تحويل حزب المؤتمر الشعبي, ليس فقط الى الحزب الحاكم, بل الحزب المسيطر وصاحب النفوذ الأقوى الذي يغنيه عن التحالفات, وذلك بعدم القبول بأقل من 70% من المقاعد بحيث تكون المجالس المحلية على صورة المجلس النيابي نفسه, وبحيث تكون سيطرة المؤتمر الشعبي العام على المجالس المحلية وفي المحافظات ليست فقط من أجل تحجيم حزب الاصلاح المسيطر على المساجد, بل من أجل أن تستخدم كذلك في تحييد واضعاف القوى العشائرية القبلية المحلية, وذلك بتكريس مراكز قوة في مواجهتها على الصعيد المحلي. وتقود مثل هذه التطورات الى اصابة المعادلة التي كانت قائمة حتى الآن على كون (الاصلاح) شريكا للمؤتمر بما يضمن استقرار النظام السياسي, باهتزاز شديد, فقد تحول التباعد الذي طرأ على علاقة هذا الحزب بحزب المؤتمر الحاكم الى خصومة طاحنة تصدرت واجهة المشهد الانتخابي دون منازع, وجرت الى صدام غير مسبوق بين الاصلاح والدولة, كما يتضح من الاشتباكات المسلحة مع قوات الأمن والجيش في محافظة صنعاء وغيرها. ولا شك انه سيأخذ خطوة أبعد اذا ماقرر الانضمام الى أحزاب المعارضة الأخرى التي تتجه الى عدم الاعتداد بنتائج الاقتراع برمته والطعن فيها. أما الحزب الاشتراكي اليمني, فقد عاد الى المشاركة في هذه الانتخابات (بعد أن كان قد قاطع الانتخابات البرلمانية العامة في عام 1997) الى المعادلة السياسية بنحو أو بآخر. ويتوقع أن ينجح ناشطوه في حشد المؤيدين في محافظات الجنوب والشرق, وعلى نحو يؤهله لموقع الشريك في تحالفات مؤثرة. كما استطاع الحزب قيادة مجلس التنسيق الأعلى للمعارضة, ويضم ثلاثة أحزاب أقل نفوذا هي الوحدوي الناصري والبعث واتحاد القوى الشعبية, حول تبني موقف واضح بالتصويت بـ (لا) على التعديلات الدستورية. ولم يخل اداء مجلس التنسيق لأحزاب المعارضة, في ضوء تطورات الحملة الانتخابية, من مؤشرات تمهد الطريق امام حوار ظل مفقودا مع (الاصلاح). ولقد بات مرجحا أن تكرس نتائج الانتخابات المحلية في الجمهورية اليمنية باكتساح (المؤتمر) الحاكم لمجالس المحليات, نوعا من الاستقطاب الذي يقوم على انفراد (المؤتمر) بالسلطة في مواجهة الأحزاب الرئيسية الأخرى بما في ذلك الاصلاح. ولا يخفى مايترتب على ذلك من حرية للحركة التي سوف يتمتع بها المؤتمر, ومن مسئوليات كبيرة تقع على كاهله بمفرده حول تقييم الاداء والمحاسبة الشعبية له على نتائج عمله وانجازاته في السلطة. ومهما يكن من أمر نتائج وتداعيات الانتخابات المحلية في اليمن, فالذي لا شك فيه, ان اليمن لا يمكن ان يعزل نفسه أو يمنع التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للاطار الاقليمي والدولي على التجربة الديمقراطية فيه, ولا مؤشرات البيئة الداخلية والخارجية الخاصة بالتطورات المستقبلية لهذه التجربة التي لا تزال في مراحلها الأولى. وفي كل الأحوال لا يمكن انكار أو تجاوز المشاكل التي تنبع من التعامل الداخلي بين القوى الحزبية والاجتماعية وتنظيمات المجتمع المدني, فالخبرة الماضية تؤكد بأن العلاقات بينها قد اكتنفها قدر كبير من الغموض والشك والبعد عن القواسم المشتركة, واحتفظت بعض الأحزاب بتكتيكاتها السياسية, ورفضت الخروج من الكهوف الأيديولوجية, التي أدت الى اصابة بعضها بالأنيميا, وعدم المقدرة على صياغة خطاب سياسي جديد يرتكز على الثوابت الوطنية, ويهيئ المناخ لمقاربات سياسية موضوعية وعملية مع الآخر. واذا كانت قد تأكدت صلاحيات ونجاحات النهج التنموي في تعميق قواعد بناء الدولة الحديثة في اليمن فإن الممارسات الديمقراطية هي التي تساعد بالضرورة على التنفيذ الفعال للخطط والأهداف الانمائية ويهيئ لها الأجواء المناسبة للانطلاق وتحقيق مردودها المنشود. ولا شك ان الانتخابات المحلية في اليمن هي بمثابة نقطة انطلاق جديدة صوب التقدم بالتجربة الديمقراطية اليمنية, وانتقالها الى مرحلة أرقى, كما انها تشكل محطة تقييمية لمحصلة الخطوات السابقة وقياس المستوى الذي وصل اليه مدى استيعاب الديمقراطية في التقاليد والممارسات السياسية خلال الأعوام العشرة التي هي عمر التجربة الديمقراطية التعددية. إن قضية الوطن اليمني اليوم, لا تعني سوى قضية بنائه وتنميته في الاساس, وهي قضية تطلب القفز على المصالح الذاتية والخاصة من جانب الجميع, وبالذات الأحزاب والتنظيمات, وتجاوز كل الشعارات والخطابات الكلامية, الى موقع الفعل والعمل والتضحية لصالح الوطن. كما أن ثمة حاجة ماسة وجوهرية يحتاج اليها المجتمع اليمني ككل - أفراداً وجماعات لضمان حقوق جميع مواطنيه ولتثبيت مبادىء العدل والمساواة بينهم, تتمثل في ضرب الفساد السياسي والاقتصادي وقهره والقضاء عليه, ولا شك أن الشعب اليمني يطمح الى عقلنة السلوك السياسي التعددي, بما يجعله أكثر حضارة وأكثر جدوى في انتاج تطبيقاته الواقعية التنموية, وبما يسهم في رفع مستوى معيشة المواطنين, كما أن المرحلة الراهنة من المسيرة الديمقراطية في اليمن تستدعي المزيد من التعاضد والتداوي من أمراض التعصب الحزبي والقبلي, الذي آن له أن يغدو صراعا سياسيا وطنيا ناضجا, لا يعتمد على أساليب البلبلة والتشكيك, أو يعول على المزايدة الممجوجة. بقلم: د. محمود مرتضى _ كاتب مصري