الجدل السياسي الدائر في اليمن هو من بعض الوجوه دليل حيوية. وبغض النظر عن نتائج الانتخابات أو الاستفتاء الأخيرين فإن ما يسترعي الانتباه أن القضايا الأساسية مطروحة للبحث, وهذه هي الخطوة الأولى على طريق طويل لتحقيق الأهداف الكبيرة في الظروف الصعبة التي تمر بها اليمن والمنطقة كلها, وفي الانفتاح على مستقبل لابد أن تظلله رايات الديمقراطية والتقدم. ووسط هذا الجدل الدائر تحدث الرئيس علي عبدالله صالح عما يثار حول نجله وطموحاته السياسية. وقال الرئيس اليمني إنه لا يخطط لكي يرث ابنه حكم اليمن, ولكن من حق الابن أن يمارس حقوقه السياسية كأي مواطن يمني. والقضية لا تقتصر على اليمن فقط, فهي مثارة في أكثر من قطر عربي. واذا كانت لا تناقش علناً في ليبيا أو العراق على سبيل المثال, فإن ابن الرئيس المصري مبارك وقف بنفسه في ندوة كبيرة بمعرض الكتاب الأخير بالقاهرة ليؤكد إنه لا يطمع في أي منصب تنفيذي, وأنه يكتفي بدوره في الخدمة العامة ومن خلال موقعه في أمانة الحزب الوطني الحاكم. ولاشك أن خلافة الرئيس السوري لوالده الراحل الكبير قد وضعت القضية في بؤرة الضوء, ولكن الذي لاشك فيه أن الظروف في سوريا الشقيقة تختلف, والمثال السوري ليس قابلاً للتعميم, وما يدور من أحاديث حول هذه القضية في صنعاء وغيرها من عواصم الجمهوريات العربية يعني أن جهداً كبيراً ينبغي أن يبذل لبناء الديمقراطية الحقيقية وتدعيم الحياة الحزبية, والانتقال الى الشرعية الدستورية , وإقرار مبدأ التبادلية في الحكم والحق في الاختلاف ضمن ثوابت الأمة التي تقررها بالتوافق والتراضي. وما يجري في صنعاء وغيرها من العواصم العربية يشير الى أن الطريق ما زال طويلاً لتحقيق ذلك . صحيح أننا قطعنا خطوات ولكنها لا تكفي لننتقل من مجتمع القبلية الى الدولة الحديثة, ومن الارادة الفردية الى حكم المؤسسات, ومن الانشغال بالماضي الى اقتحام المستقبل, ومن حروب طواحين الهواء الى القتال الحقيقي من أجل التقدم والعدالة وحقوق الانسان. والمشكلة أننا في عصر لا ينتظر أحداً, ولا يحجز أماكن في المستقبل إلا لمن يستحقها, ولا يفتح أبواب التقدم إلا لمن يملك مفاتيحها.. أي من يملك العلم والحرية ويقيم بهما الدولة الحديثة.. دولة المواطن الحر والمؤسسات القوية واحترام الآخرين. .. وأهلاً بكل خطوة على هذا الطريق.