أكد ضيف الله شميله السفير اليمني لدى الدولة ان سخونة الانتخابات المحلية والتنافس المحموم بين الاحزاب والقوى السياسية هو دليل على حيوية الشعب اليمني وايمانه بالمسيرة الديمقراطية وهو ايضا مؤشر على مصداقية العمل السياسي الديمقراطي باليمن. وقال شميله في حديث لـ (الملف السياسي) انه اذا كانت التجربة قد غلبت الحماس الزائد لدى الاحزاب على الروّية في الكثير من المواقف وأدت في العديد منها الى التصعيد فإن المزيد من ممارسة الديمقراطية كفيل بتعديل المناهج وتصويب الرؤية وتغليب العقل السياسي على العواطف المشبوبة. واوضح بأن الخطاب السياسي في اليمن هو أميل الى الحوار من الملاسنة وأقرب الى التوافق على المصالح العليا للوطن منه الى المكاسب الحزبية والشخصية, اما المكايدات الحزبية فهي عملية معروفة ومكشوفة وليس لها قدمان تقف عليهما. واشار السفير اليمني لدى الدولة الى ان مستقبل الديمقراطية في اليمن هو مستقبل واعد لانها كانت خيارا حرا ولم تكن خيارا مفروضا كما انها ارتبطت بالوحدة المباركة لليمن وولدت من المعاناة التي خلفها التشطير في نفوس الناس فتلازمت الديمقراطية مع الوحدة. وفيما يلي نص الحوار: * ما تقييمك للانتخابات المحلية والتعديلات الدستورية التي اجريت مؤخرا في اليمن؟ والتي صاحبها بعض الحوادث واعمال العنف؟ ـ بدون شك فإن الحيوية التي تميزت بها الانتخابات المحلية والاستفتاء على التعديلات الدستورية تدل على حيوية المجتمع والشعب اليمني وايمانه بالمسيرة الديمقراطية واندفاعه لممارسة حقوقه السياسية ورغبته في المشاركة في ادارة شئونه بواسطة ممثليه المنتخبين وهذه من علائم الوعي ودلائل النضج السياسي, وليس التنافس بيد الاحزاب سوى الوجه الآخر للعملية الديمقراطية ومهما بلغت حرارة ذلك التنافس فهو في التقييم الاخير مؤشر على مصداقية العمل السياسي الديمقراطي في بلدنا وعلى جدية العملية التمثيلية, واليمن بذلك يقدم تجربة رائدة تجاوزت الكثير من التجارب العربية التي لم تكن (الديمقراطية) فيها سوى ديكور زائد عن اللزوم للمشهد السياسي العام. اما العنف الذي اشرتم اليه في السؤال فلم يكن سوى تفصيلة صغيرة في مشهد عظيم لذلك فإن على المراقب الا تعميه الشجرة عن رؤية الغابة, وكما اشار الرئيس علي عبدالله صالح فإنه ما من ممارسة ديمقراطية واسعة في اي بلد تخلو من مثل هذه الحوادث والاحداث وان التعبئة الحزبية الخاطئة والمبالغة في التشنج والحريصة على الفوز بأي ثمن تتحمل نصيبها من المسئولية في ذلك. * كيف ينظر المحللون والمراقبون السياسيون الى التجربة الديمقراطية في اليمن من خلال مسار الانتخابات النيابية والرئاسية والمجالس البلدية؟ ـ يعتبر المراقبون والمحللون السياسيون اليمن احدى القلاع الديمقراطية الواعدة والصلبة في جزيرة العرب وعلى مستوى الوطن العربي الكبير, ذلك ان الخيار الديمقراطي في بلادنا التي عرفت الشورى منذ عهد ملكتها العظيمة بلقيس يعد خيارا لا رجعة فيه ولا تراجع عنه, والقيادة السياسية تؤكد ذلك باستمرار وفق مقولة الرئيس (لا علاج لعيوب الديمقراطية سوى بالمزيد من الديمقراطية). لقد اتسعت اليمن بوحدتها كثيرا ولكنها اتسعت بالديمقراطية اكثر, وليس المشهد الانتخابي سوى وجه من وجوه الديمقراطية حيث يتعزز بناء الانسان الحر القادر على التفكير بدون حجر عليه والقادر على التعبير بدون رقيب او حسيب والقادر على البناء والانتاج من موقع المواطنة الحقة والمشاركة المشروعة والفرص المتساوية واحترام الرأي الاخر والنزول على خيار الاغلبية دون تعصب او الغاء او استحواذ. لقد عرفت الجمهورية اليمنية الانتخابات البرلمانية والرئاسية والمحلية وانتظمت المسيرة الديمقراطية دون خوف او احجام وهذا ما يجعل المراقبين والمحللين يقدرون ويثمنون عاليا هذه التجربة في بلد عانى الكثير من الحكم الشمولي وغياب الحريات السياسية وآن له ان ينطلق اليوم الى رحاب العصر. * هل صحيح ان خلافات المعارضة اليمنية والحكومة حول التعديلات الدستورية وبعض الاجراءات الانتخابية لعبت دورا في التصعيد الذي تم خلال الانتخابات والحوادث التي جرت؟ ــ الاجتهادات ولا اقول الاختلافات بالمعنى السلبي هي احد تجليات التعددية ومن اكبر مبرراتها ولولا ذلك لما كان هنالك معنى للحياة السياسية. وعلى كل حال فإن الاحزاب تبسط رؤيتها وحجمها للرأي العام الذي تقرر اغلبيته اختياراتها وتمنح تفويضها للعمل بناء على تلك الرؤية, وتلك الاختيارات. ولما كان ارضاء جميع الناس غاية لاتدرك ولما كانت اي عملية اجتماعية كبيرة لا تخلو من ثغرات فان عجلة الاجتهادات ستظل تدور وتعطي اكلها وتفعل فعلها في الرأي العام. ومن الواضح ان الاحزاب شأنها شأن عامة الناس تتعلم من تجاربها واذا كانت التجربة قد غلّبت الحماس الزائد على الرؤية في الكثير من المواقف وادت في العديد منها الى التصعيد فان المزيد من ممارسة الديمقراطية كفيل بتعديل المناهج وتصويب الرؤية وتغليب العقل السياسي على العواطف المشبوبة. * عشر سنوات من عمر الوحدة اليمنية وتجربة التعددية الحزبية وحرية الصحافة هل أدت الى عقلنة الخطاب السياسي للاحزاب وتجاوز مفاهيم التخوين والاقصاء والغاء الآخر؟ ـ الكثير مما يقال وينشر وينتشر في الخارج لا يجري تمحيصه بدقه ومن ذلك الاشارة المتكررة الى مفاهيم التخوين والاقصاء والغاء الاخر. المشهد السياسي في الجمهورية اليمنية يقول بعكس ذلك تماما فلا تخوين ولا اقصاء ولا الغاء للآخر فالكل يقفون على قدم المساواة في ممارسة الديمقراطية والحياة السياسية ولكنهم لا يحصدون نتائج متساوية وتلك من طبائع الامور وحقائق الحياة السياسية واذا كان البعض يشتكي حين يكتشف حجمه السياسي فليراجع برامجه وقدرته على التواصل مع الناس فحين يكون صندوق الانتخابات هو الحكم فلا مجال للشكوى. اما المكايدات الحزبية فهي عملية معروفة ومكشوفة وليس لها قدمان تقف عليهما. وعلى العموم فإن الخطاب السياسي في اليمن هو أميل الى الحوار من المُلاسنة واقرب الى التوافق على المصالح العليا للوطن منه الى المكاسب الحزبية والشخصية وقد لاحظنا عقب الانتخابات المحلية الاخيرة كيف سلّم الجميع بالنتائج واستسلموا الرأي الشعب وهذا من دلائل نضوج العقل السياسي الذي سينعكس بدوره على عقلنة الخطاب السياسي. * كيف يمكن قراءة المشهد السياسي اليمني بتناقضاته وتعقيداته في ظل التصادم وعدم الانسجام بين كل من المؤسسة القبلية والعسكرية ومؤسسات المجتمع المدني وتأثير ذلك على الصراع السياسي وآلياته؟ ـ ليس هناك من اساس للقول بوجود تصادم بين المؤسسة العسكرية والقبائل ومؤسسات المجتمع المدني, ولا ادري من أين يأتي البعض بمثل هذه المقولات الفجة والمغلوطة ثم يبنون عليها تحليلات ما انزل الله بها من سلطان. القوات المسلحة في اليمن هي للوطن بأكمله بمدنه وقراه واريافه ولذلك جرى منع العمل الحزبي في اوساطها تدعيما لدورها الوطني غير المنحاز, وقد اثبتت الايام والاحداث والممارسات ان المؤسسة العسكرية كانت الدرع الواقية لامن الوطن ووحدته وخياراته السياسية في التعددية والديمقراطية ولم ولن تكون طرفا او خصما او ضد الاّ لاولئك الذين يهددون امن الوطن ووحدته وسلامه الاجتماعي. اما القبائل اليمنية فليست مؤسسة بالمعنى الذي قصده السؤال وانما هي النبع الكبير للشعب اليمني ومجرى تطورها هو مجرى تطور عموم الشعب واغلبية ابناء القوات المسلحة يأتون من هذا النبع الكبير وللقبائل مواقف وطنية مشهودة وصلاتها بالمجتمع المدني حميمة ومتشابكة لذلك فان التفاعل السياسي ولا أقول (الصراع) يشمل الجميع واي نظرة متوازنة الى المشهد السياسي وآلياته تؤكد ذلك بوضوح. * ما تأثير التطورات السياسية الجارية باليمن على المحيط الاقليمي؟ ـ الديمقراطية والتعددية والمشاركة الشعبية وغير ذلك من التطورات السياسية هي امور في الدرجة الاولى تخص الشعب المعني بها وهي كما قيل لا تستورد ولا تصدر وحين يتم استيرادها او تصديرها فانها تكون كمن يزرع على شاطىء البحر وتولد عقيمة تشوه اكثر مما تعمر ولليمن تجربة تستحق الدراسة في الافكار المستوردة. التجربة الديمقراطية اليمنية الحالية ولدت من التربة اليمنية وصاغها العقل اليمني ومارسها الانسان اليمني وكفلها الدستور والقوانين المرعبة, وكانت القيادة السياسية هي السباقة الى استنباتها ورعايتها والحث على ممارستها, لذلك فانها تبدو نبتة طبيعية تنمو كل يوم, وقد احترمت جميع دول الجوار هذا الخيار اليمني ونحن لا نطمح الى ان نقلد احدا ولا نطلب ان يقلدنا احد, ذلك ان عوامل التطور الطبيعي تفعل فعلها في المجتمعات والمعاناة هي اساس الاختيارات. * ما هو مستقبل الديمقراطية في اليمن في ظل الخريطة السياسية الحالية؟ ـ في تقديري ان مستقبل الديمقراطية في اليمن هو مستقبل واعد لانها كانت خيارا حرا ولم تكن خيارا مفروضا, كما انها ارتبطت بالوحدة المباركة لوطننا وولدت من المعاناة التي خلفها التشطير في نفوس الناس فتلازمت الديمقراطية مع الوحدة تلازم السبب بالمسبب وكما قلت آنفا فان اليمن اتسع بالوحدة كثيرا واتسع بالديمقراطية اكثر. وقد اعطت الانتخابات المحلية الاخيرة مؤشرات نحو تركيز الحياة السياسية بدلا من تشرذمها بكثرة الاحزاب غير الجماهيرية, وقد كان الرئيس علي عبدالله صالح محقا حين قال ان حزب المؤتمر يقف في الوسط وعلى يمنيه تجمع الاصلاح وعلى يساره الحزب الاشتراكي. لذلك يتوقع ان تشهد الحياة السياسية اندماجات بين ذوي البرامج المتشابهة واصحاب النزعات المشتركة اما عن رؤية دول الجوار فكما اوضحت سابقا فانهم يحترمون ويقدرون خيارات الشعب اليمني وذلك ما لمسناه بوضوح. اجرى الحوار ـ صالح القاضي