انتخابات المجالس البلدية التي تمت في اليمن في العشرين من فبراير الماضي جرت في أجواء تنافس سياسي محموم بين القوى السياسية المختلفة ورافقتها بعض أعمال العنف في بعض المراكز الانتخابية تم على اثرها تبادل الاتهامات بين الحزب الحاكم والمؤتمر الشعبي العام وأحزاب المعارضة, لا سيما حزب التجمع اليمني للاصلاح الذي يعد من أبرزها وأكثرها تأثيرا في الساحة السياسية اليمنية. والواقع ان العنف الذي اتسمت به الانتخابات قد عكس الى حد ما سوء ادارة العملية الانتخابية من قبل اللجنة العليا للانتخابات التي تعرضت لنقد الجميع بما فيهم الرئيس اليمني علي عبدالله صالح الذي وجه انتقادات شديدة اليها بسبب قصور ادائها وتخبطها, ناهيك عن ان ظاهرة انتشار السلاح في اوساط الناس بشكل كثيف وسيادة الولاءات القبلية على الولاءات الحزبية قد مثلت أرضية خصبة لحوادث العنف المؤسفة التي جرت,وكشفت ايضا ضعف مؤسسات المجتمع المدني وضآلة دورها السياسي والاجتماعي الامر الذي يعكس صورة المشهد السياسي اليمني بكل تعقيداته وتناقضاته. ولا شك ان الانتخابات المحلية في اليمن هي خطوة صائبة على الطريق وهي استكمال لتجربة الانتخابات النيابية والرئاسية التي بدأتها اليمن منذ عقد من الزمان عندما أخذت بالنهج الديمقراطي والتعددية الحزبية التي تزامنت مع تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990. وفي مجمل القول فإن مسئولية حماية الديمقراطية اليمنية ودعمها وتعزيز خطاها ليست مسئولية الحكومة فحسب بل هي مسئولية وطنية تعنى بها كل الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وكل فئات المجتمع, وإذا كانت الديمقراطية تواجه بعض العثرات اليوم من انتخابات لأخرى فإنها في نهاية المطاف ترسخ لتقاليد وسلوك ديمقراطي وتصنع ثقافة تحتكم الى صندوق الانتخابات وتحترم الرأي والرأي الآخر وتؤسس لوعي مجتمعي مدني يتجاوز مفاهيم التعصب القبلي والمناطقي والجهوي انطلاقا الى آفاق رحبة. إن الواقع اليمني له خصوصيته التاريخية والجغرافية والاجتماعية لذا فإن تجربته الديمقراطية التي تأخذ بنظام التعددية السياسية والحزبية تعتمل وفق معطيات هذا البلد العربي وظروفه الأمر الذي يستوجب من كل الاحزاب السياسية التفاعل الايجابي والنشط مع التجربة وكذا عقلية الخطاب السياسي والاعلامي بما يتواءم مع الظروف الذاتية والموضوعية ويراعي المناخ السياسي العام.