(المسموح والممنوع) قضية فكرية وسياسية قديمة, ففي بعض العصور كان التفكير الحر تهمة تستحق الحرق, وكانت الكتب رجسا من عمل الشيطان, وكان الفلاسفة هدفا للحكام والكهنة. وقد حدث تطور كبير في الفكر الانساني وارتفعت شعارات مثل: عصر الديمقراطية, وعصر الجماهير . .واخيرا عصر المعلوماتية وبينما اصدرت بعض الدول مثل الولايات المتحدة قوانين تنظم حق الحصول على المعلومات وتداولها .. استمرت المعركة في كثير من الدول حول ما يذاع وما يبقى سرا مكتوما. احيانا, كانت المعركة حول حرية الصحافة او حرية الاعلام فتلك اوسع الوسائل ذيوعا وانتشارا ونقلا للمعرفة. واحيانا, كانت المعركة سجالا في البرلمانات فاطراف العملية الديمقراطية يتجاذبون ثوب المعرفة .. وما يبقى مستورا منها او محل محاسبة برلمانية. احيانا ايضا يكون البحث العلمي والمدى الذي يصل اليه هو ميدان المعركة. وفي كل الاحوال يكون المحور هو المسموح والممنوع .. الحكومات والرأي العام .. الحرية والتعبير. في هذه الدائرة يأتي حديث الوثائق وتحتفظ بعض الحكومات بما تراه يستحق السرية ربما لبعض الوقت او لكل الوقت, طبقا لما يسمونه اسرار الدولة العليا, او ما يسمى الامن القومي. وطبقا لذلك تذيع حكومات مثل الحكومة الامريكية او البريطانية واخيرا الاسرائيلية اسرار ما جرى منذ عشرين او ثلاثين او اربعين عاما طبقا لاهمية الوثيقة. وطبقا لذلك نعرف باثر رجعي ما جرى في حروب كبرى كالحرب العالمية الثانية او في حروب اصغر كالحرب الكورية او الحروب العربية ـ الاسرائيلية نعرف من تآمر؟ ومن اصاب؟ ومن كذب؟ ومن فعل كذا او كذا؟ الوثائق لها اهميتها ولكن في اي حدود وماهو مفهوم الوثيقة؟ تثار القضية الآن في مصر, وقد انتهى مجلس الوزراء من اعداد مشروع قانون سوف يناقشه مجلس الشعب. وربما كان الحافز لذلك هو كثرة ما اذيع من معلومات متضاربة عن ثورة يوليو حتى بات الصراع السياسي القائم بين فرق سياسية مختلفة ممتدا بأثر رجعي ومنعكسا على تشويه التاريخ. ايضا, ربما كان الحافز دخول عدد من القادة العسكريين السابقين حلبة الاعلام والنشر كشهود رؤية وشهود عصر يدينون الرؤساء واحدا بعد الآخر, وربما يذيعون ما تعتبره السلطة سرا ينبغي الاحتفاظ به. من هذا المنطلق جاء المشروع الذي اظن انه سوف يثير جدلا شديدا .. فهو يتعرض لنوعين من الوثائق . وثائق عكس التاريخ .. ووثائق تمس ما اسماه المشروع (السياسات العليا للدولة او امنها القومي). والتعريفات كما هي العادة فضفاضة تسمح لاي صحفي او مؤلف ان يدخل السجن (فتلك هي عقوبة المخالفة بالاضافة للغرامة في بعض الاحوال). من التعريفات تعتبر وثيقة كل مادة ايا كان شكلها او كيفية صنعها مدونا او مسجلا او مصورا عليها بيانات او معلومات (او صور تتناول تاريخ مصر السياسي والاقتصادي والاجتماعي وما يتصل به في جميع العصور). ومن التعريفات اعتبار الوثيقة (اي مستند رسمي للدولة له صفة سرية يتعلق بسياساتها العليا اوبأمنها القومي, او يكون من شأن نشره او اذاعته الاضرار بأمن البلاد او بمركزها الحربي او السياسي او الدبلوماسي او الاجتماعي او الاقتصادي). وهكذا تمضي العبارات الفضفاضة لتجعل الكثير مما نفعله نحن الصحفيين خاضعا للتجريم والتحريم فاذا نشر احدنا محضرا لمجلس الوزراء بات ذلك متعلقا بالسياسات العليا واذا نشر نتيجة بحث اجتماعي حول الفقر بات في ذلك (ماسا بالمركز السياسي او الاقتصادي للبلاد). خلال مناقشة قانون الصحافة منذ سنوات كنا نطالب الافراج عن المعلومات, كل المعلومات فيما عدا ما يمس الامن القومي بمعناه العسكري, وكذا نقول ان ترسانة القوانين التي تنظم اعمال الجيش والمخابرات بل قانون الخدمة المدنية تضع محظورات لامبرر لها .. كما تطلب المزيد من الشفافية فاذا بالقانون الجديد يسير في اتجاه عكسي واذا بالخطر يتسع والعقوبات تتراوح بين الغرامة والسجن. هل يمر مشروع القانون؟ سوف يمر, ولكنه ــ وكما قلت ــ سوف يثير جدلا واسعا .. والأمل ان ينتهي الجدل لتعديلات ايجابية تزيد مساحة المسموح وتقلل مساحة الممنوع. انه حق المعرفة بات من الصعب مصادرته .. وهي الديمقراطية لا تتم بغير تدفق في المعلومات وشفافية في اعمال الحكومة, فالرأي العام هو الاصل والحكومة هي الفرع .. وليس العكس.