اصدر معهد (هيرتيج فاونديشين) المحسوب على الحزب الجمهوري دراسة استراتيجية, استشرف فيها مختلف القضايا التي من المنتظر أن تواجهها الإدارة الأمريكية الجديدة, بالإضافة إلى قراءة (أمريكية) للنشاط السياسي في مختلف مواقع التوتر في العالم, ومن هذه المناطق منطقة الخليج والشرق الأوسط, وقد رأينا استعراض ما ورد في هذه القراءة الأمريكية. ترى الدراسة انه ينبغي على أمريكا أن تقلص دورها إلى حدود دنيا في مفاوضات السلام العربية الإسرائيلية, وذلك لدفع الجانبين إلى التفاوض فيما بينهم لا التفاوض مع واشنطن, مستشهدة بان كامب ديفيد الأولى وأوسلو جاءتا دون أي تدخل امريكي, وان يقتصر الدور الأمريكي على كسر الجمود إذا ما حدث بين الجانبين وفقط عندما يطلبان ذلك. مستخلصة بان سلام الإجبار والضغط لا يفيد وانه على الولايات المتحدة عدم فرض رأيها في ذلك. وتؤكد بان المفاوضات وسيلة وليست غاية في حد ذاتها, مثلما تعاملت إدارة كلينتون مع ذلك, إلا أنها تعترف أن ما تم في الماضي عمل على تخفيف حدة الصراع, إلا أن أمن إسرائيل وانظمة الحكم العربية المعتدلة الموالية للغرب مازال في خطر, فالهم الأكبر لامريكا في كيفية إحراز تقدم في المفاوضات دون أن يشكل ذلك تهديدا لامن إسرائيل. المسار الفلسطيني ترى الدراسة ان الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون كان يواصل الضغط على حلفاء أمريكا (الإسرائيليين) دون أن يمارس الأسلوب نفسه مع الفلسطينيين من اجل تقديم تنازلات, رغم أن الفلسطينيين فشلوا في الوفاء بوعودهم حسب اتفاقية أوسلو المبرمة عام 1993 بل وما تلا ذلك من اتفاقات, وقد كانت المفاوضات في الماضي تتوقف لفشل الفلسطينيين في الوفاء بالتزاماتهم, مذكرة بان إسرائيل حليف حميم وعلى أمريكا أن تمنع عن هذا الحليف الضغط لتقديم تنازلات تهدد امنها على المدى البعيد. لهذا فان هناك مبالغة في تقدير دور إدارة كلينتون في إدارة الصراع على المسار الفلسطيني الإسرائيلي, رغم أن كلينتون كان حاضرا أثناء حفلة توقيع الاتفاقيات عام 1993 وغيرها إلا انه من المعروف أن هذه الاتفاقيات جرت بعيدا عن البيت الأبيض وأنها كانت ثنائية فلسطينية إسرائيلية, غير متعلقة بدور كلينتون أو مرتبطة به. بل أن نشاط الإدارة الأمريكية زاد بالضغط على إسرائيل من اجل القفز عن المشكلة السياسية مما أدى إلى توقيع إسرائيل في يناير عام 1997 على بروتوكول الخليل الذي كان أحد بنوده انسحاب إسرائيلي من معظم المدينة المتبقية لإسرائيل في الضفة الغربية. وتزامن ذلك مع مطالب إسرائيلية بتقيد السلطة الفلسطينية بمحاربة الإرهاب وتجميد الانسحابات الإسرائيلية من الضفة الغربية إلا أن ضغط إدارة كلينتون جاء عكسيا على إسرائيل. أما السلطة فقد نشرت أعداد شرطتها المسلحين التي تزيد عما كان متفقا عليه داخل الخليل. وبالإضافة إلى ذلك فشلت السلطة الفلسطينية في اعتقال ومطاردة (الإرهابيين) وتسليمهم, أو تعديل الميثاق الفلسطيني الداعي إلى تدمير إسرائيل, وذلك حسب زعم المعهد الأمريكي. وكذلك ضغط الإدارة نفسها على إسرائيل لتوقيع واي ريفر في اكتوبر لعام ,1998 ثم أوقفت إسرائيل تنفيذ الاتفاق لاخفاق السلطة عن الوفاء بالتزاماتها الأمنية. على أن كلينتون رفع ضغطه قليلا عن خليفة نتانياهو, ايهود باراك لأن باراك يتبع أسلوبا يميزه عن سلفه بأنه اقل مواجهة على الرغم من انه لا يختلف كثيرا في تشدده في القضايا التي كان يقف عندها نتانياهو واستطاع رئيس الوزراء الإسرائيلي باراك أن يقيم شبكة علاقات افضل مع الفلسطينيين وخصوصا ياسر عرفات, وهذا ما جعله ينجح في مفاوضاته من اجل إبرام اتفاق مؤقت آخر عرف بشرم الشيخ مع السلطة في يونيو من عام 1999 الاتفاق الذي دعا إلى توقع اتفاق إطار لقضايا الوضع النهائي حتى 15 فبراير من عام 2000 تجهيزا للتسوية الشاملة التي كانت من المفترض أن تكون في منتصف سبتمبر من العام نفسه. ويستمر المعهد الأمريكي المحسوب على الحزب الجمهوري في تحامله على الفلسطينيين حيث يأخذ على السلطة الفلسطينية النقاط الآتية: * عرفات اخفق في ضرب حماس والمنظمات الإرهابية الإسلامية. * ولم يسلم (الإرهابيين) إلى إسرائيل. * واوقف مرات عديدة التعاون الامني. * قتل اسرائيليين على يد (ارهابيين) فلسطينيين منذ عام 1993 اكثر مما قتل طيلة العقد الماضي. المسار السوري ترى الدراسة انه من المحتمل إحداث اختراق على هذا المسار, وان يجري الضغط على الإسرائيليين من قبل الإدارة الأمريكية للسعي من اجل التوصل إلى السلام, وتشير الدراسة في ذلك إلى ما تم من محادثات سورية إسرائيلية في ديسمبر من عام 1999 بعد فترة من الجمود منذ عام 1996 بسبب الخلافات على مرتفعات الجولان, حيث تتوقع الدراسة أن تضغط الإدارة الأمريكية على إسرائيل من اجل تقديم التنازلات لسوريا الأمر الذي سيضعف أمن إسرائيل على جبهة جديدة, من خلال إغراء كل من الجانبين بتوقيع عرض لزيادة المساعدات الأمريكية لكلا البلدين, وفي المقابل ذلك ستتواجد قوات أمريكية لحفظ السلام في هذه المرتفعات. وتصف الدراسة هذه القوات بالقوية وبنحو فرقة 5000 جندي امريكي مما سيعني أن الجيش الأمريكي سيواجه عبئا ثقيلا, بالإضافة إلى ما ستستنزفه هذه القوات من اموال تدفع من ميزانية الدفاع الأمريكية, بل أن الدراسة تخمن أن يدفع تواجد القوات في المنطقة إلى أحداث توتر في العلاقات الإسرائيلية الأمريكية. ويحذر التقرير أن ذلك سيعرض أمن كل من أمريكيا وإسرائيل للخطر. ومن هنا تؤكد الدراسة بأنه لن ترتاح إدارة بوش من عبء الأخطاء التي وقعت بها الإدارة الأمريكية السابقة. أما لماذا ترى الدراسة أن على أمريكا رفض تواجد قوات لها في الجولان فلان هذه القوات ستواجه بيئة شديدة العداء بحيث تصبح هذه القوات أهدافا عسكرية في حال نشوب قتال, وبالإضافة إلى أن هذه القوات ستكون هدفا (للإرهابيين) القادمين من لبنان أو أولئك المختبئين في سوريا. وتشير الدراسة إلى ان سوريا دعمت حزب الله في هجومه على قوات حفظ السلام الأمريكية في لبنان في عامي 1983 ــ 1984. وينصح المعهد الأمريكي إدارة بوش بالاجراءات التالية: * استبعاد قوات حفظ السلام الأمريكية في الجولان لاجل غير محدود. * البحث عن بدائل لنشر هذه القوات. * التقليل من المخاطر العسكرية في إعادة الجولان لسوريا. * إعادة الجولان لسوريا حق إسرائيلي مقصور على اسرائيل. * إذا ارادت إسرائيل الاعادة فبدون شرط وجود قوات أمريكية. * هناك العديد من الدول ترغب في تقديم هذه الخدمة, إذا كان ذلك ضروريا. المشكلة العراقية لا ترى الدراسة أن المستقبل القريب يشير إلى غياب نظام الرئيس صدام حسين في العراق, ولكنها ادعت انه يهدد مصالح أمريكا في المنطقة, خصوصا وان فيها 55% من احتياطي النفط العالمي. قالت الدراسة: ان العراق مازال يواصل جهوده لتفتيت التحالف) و(عملت تكتيكاته من الخداع والتقهقر) على تقويض جهود لجنة ( الاونسكوم) و (سجل نصرا عام 1998 بطرده لمفتشي اللجنة من العراق) وهو (مازال يواصل ـ حسب زعم الدراسة ـ الجهود السرية لصنع وتطوير الصواريخ), ازاء كل ذلك ولم تفعل الإدارة الأمريكية السابقة شيئا, بل أنها اكتفت باعانة المعارضة العراقية بمساعدات مكتبية, بالرغم من قانون (تحرير العراق) الذي سمح لهذه الإدارة بتحويل 97 مليون دولار من المساعدات للمعارضة, بالإضافة إلى المعدات. وفي ردها على سؤال حول هدف الإبقاء على العقوبات الاقتصادية على العراق تجيب الدراسة أن واشنطن لا تستطيع تحمل رفع بقية العقوبات لان العراق لم ينصع للقرارات الدولية. وتزعم دراسة المعهد الأمريكي أن: * العراق اصبح اكثر قوة بعد عام 1995م. واليوم هو اقوى من أي وقت مضى منذ عام 1991م. * الجيش العراقي اقوى قوة برية عسكرية محلية في منطقة الخليج. * الجيش العراقي في حالة نهوض. * عدوانية العراق تتعاظم, ويحاول اسقاط الطائرات الأمريكية التي طيرت 28 ألف طلعة جوية في الجنوب والشمال. * بغداد اخفت امدادات غاز الخردل, ونوعين من غاز الاعصاب, وعددا من أنواع العوامل البيولوجية, منها الجمرة وسموم التوكسين. * العراق نجح في اضعاف العقوبات الاقتصادية الدولية, ولجنة الاونسكوم. * الإبقاء على العقوبات طالما بقى الرئيس العراقي في السلطة, وبرعاية الأمم المتحدة. * صادرات النفط العراقية الآن أصبحت عند مستويات ما قبل الحرب تقريبا. * يعتمد العراق على الشرطة السرية في حكمه. * إذا سمح للعراق باستئناف صادراته النفطية, فان قبضة الرئيس العراقي على السلطة وتهديده لجيرانه سوف يتعززان. * إدارة كلينتون اهملت حليفتها تركيا, وفشلت في تقديم الدعم اللازم للمعارضة. * لم تمنع واشنطن في حينه من تصاعد التوتر بين الفصيلين الكرديين اكبر المعارضين للنظام العراقي. * ما فعله كلينتون شن الضربات الجوية الرمزية على العراق طوال فترة تواجده في البيت الأبيض. * تطوير استراتيجية اشد هجومية لطرد النظام من السلطة, وضرب العراق ضربا موجعا إذا ما نشبت أزمة. إيران ترى الدراسة ان إيران أيضا ستبقى خطرا على المصالح الأمريكية في المنطقة, فخطابات الرئيس محمد خاتمي الودية لم ترافقها أعمال ملموسة تبرهن على رغبة إيران في وقف أعمالها العدائية, فهو يواجه معارضة شديدة يقودها المتشددون بقيادة علي خامنئي, الذين يرون أن بامكان إيران المضي في سياستها بالتزامن مع التعامل مع الغرب. حتى لو كانت لدى خاتمي الرغبة الصادقة في تهدئة الأمور مع الغرب, وما زالت تعارض عملية التسوية في المنطقة. أما التحدي الأكبر هو اختبار قدرة خاتمي على التغيير الحقيقي, ووقف النشاطات المهددة للمصالح الأمريكية. على واشنطن إلا تكف عن مواجهة النشاطات العدائية لايران, هذا هو الاستخلاص الصادر عن الدراسة. أما لماذا لا تخفف واشنطن من العقوبات التي تفرضها على إيران فتجيب الدراسة عن ذلك بالقول: أن التوتر في العلاقات الإيرانية الأمريكية نابع من علاقة إيران الخارجية, وتستخف الدراسة بدعوة خاتمي لحوار الشعوب وتقول بل الذي يجب أن يكون حوار الحكومات, وليس الحوار الدافىء بين الشعوب. وتقدم الدراسة عددا من النصائح والمعلومات للرئيس الأمريكي وهي: * خاتمي يعرف أن إيران تستطيع أن تحسن علاقاتها العامة دون أن تتخلى عن دعمها (للارهاب). * إيران تعزز من دعمها العسكري (للارهاب) ضد جيرانها, وضد البلدان الغربية. * إيران متورطة في تفجير أبراج الخبر السكنية الذي أدى إلى مقتل 19 عسكريا أمريكيا. * تحتفظ إيران ببرامج سرية للحصول على أسلحة الدمار الشامل, سواء نووية أو كيماوية أو بيولوجية. * تكدس كميات كبيرة من الغازات السامة, وتطور الأسلحة البيولوجية. * تخلت إدارة كلينتون عن اتخاذ إجراءات عقابية ضد الشركات الفرنسية والروسية والماليزية التي دخلت في صفقات استثمار قدرها مليار دولار مع إيران في اكتوبر لعام 1997م. * المحافظة على التواجد الأمريكي في المنطقة, لتأمين الانسياب الآمن للنفط من منطقة الخليج بالإضافة إلى ردع إيران والعراق. المتطرفون الإسلاميون وتعتبر الدراسة إدارة كلينتون نشطة في إقامتها لشبكة علاقات واسعة مع المتطرفين الجزائريين مثل جبهة الانقاذ الإسلامي وشككت الدراسة في جدوى هذه المحاولات لاقناع المتطرفين بالعدول عن ممارساتهم الارهابية, بل أنها ستشجع الإرهابيين والراديكاليين على القفز على السلطة في الجزائر, أو أنها ستقوم بإضعاف ثقة العلمانيين بانفسهم! والادارة الأمريكية دعت إلى إجراء حوار بعيدا عن العنف في الجزائر بين الإرهابيين والحكم العسكري فيه. وتفند الدراسة خطأ الإدارة الأمريكية بأن (جبهة الإنقاذ) لن تستطيع السيطرة على أعمال الإرهاب. وفيما عدا السودان ترى الدراسة ان التطرف في تراجع مشيرة إلى أن مصر نجحت منذ العام 1992 في سياستها الصارمة تجاه المتطرفين. وفي ردها على إمكانية اتهام الولايات المتحدة بمعاداة الإسلام إذا ما عارضت (الإرهاب) الإسلامي, تنفي الدراسة ذلك على اعتبار أن جميع المسلمين ضحايا رئيسيين للمتطرفين المستبدين لأنهم على استعداد لإرهاب أبناء بلدهم هم وليس أمريكا وحدها, مشيرة إلى أن أمريكا كانت قد تعاونت مع كل من باكستان والسعودية التي تعد دولا أصولية. وتطالب الدراسة بضرورة احتواء التطرف الإسلامي الذي يهدد العلمانية في المنطقة, ويرى التقرير أن من انظمة الحكم التي مازالت تواجه خطر التطرف الإسلامي هي الجزائر ومصر والأردن والمغرب وباكستان وتونس. منوهة بضرورة اتخاذ التدابير من اجل الحد من ظهور أمثال أسامة بن لادن كأبطال جهاد ضد العالم الغربي. وتنصح الدراسة الادارة الامريكية باتباع الخطوات التالية: * الإرهابيون الإسلاميون أقلية بين 900 مليون مسلم في العالم. * يشكل هؤلاء خطرا على أنظمة الحكم العلمانية في المنطقة, اكثر مما هو خطر على الغرب. * استهدف هؤلاء الأمريكيين مرات عديدة. * يجب احتواء الإرهابيين ومعاقبتهم. * الإرهاب خطر على المصالح الأمريكية في المنطقة وعلى السلام فيها. * يجب قطع الاتصالات مع جبهة الانقاذ في الجزائر والجماعات الإسلامية المتطرفة. * هذه الاتصالات تضعف أنظمة الحكم العلمانية. * تشجيع إجراء اصلاحات في السوق الحر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا, بما في ذلك تطوير منطقة تجارة حرة للاتحاد الأوروبي وشمال إفريقيا. عمان ــ مكتب البيان: