يبدو هذا المقال وكأنه رد فعل لمذكرة التفاهم بين الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق والمؤتمر الوطني الشعبي بزعامة حسن الترابي, ولكنه في الحقيقة كان يدور في ذهني منذ فترة طويلة, وقد اثاره اليوم خبر يقول ان صندوق الامم المتحدة لرعاية الطفولة (يونيسيف) قد تسلم من الجيش الشعبي اكثر من 2800 من الاطفال المجندين الذين تتراوح اعمارهم بين 8 اعوام و18 عاما, (صحيفة الحياة 28/2/2001) شعرت بكثير من الحزن والاسى لان الحركة والجيش القائمين بهذا الامر يدعوان لسودان جديد, ومن هنا كانت بداية تداعيات هذا المقال بسؤال هل استطاعت الحركة الشعبية والجيش الشعبي تخويف وابتزاز كل القوى الشمالية الحليفة والمعادية لها؟ لماذا يسعى الجميع لكسب ود الحركة والسكوت عن كل تجاوزات أو ايجاد التبريرات الواهية لتحسين كل مواقفها؟ هل نعتبر هذا جزءا من التدليل المفرط للاخوة الجنوبيين ام ان قوة الحركة المفترضة تفترض عدم اغضابها؟ لذلك اصبحت الحركة الشعبية لتحرير السودان استثناء في الساحة السياسية ولا ينطبق عليها ما يسري على الاخرين, صحيح, نشبت معركة بين قرنق والصادق المهدي ولكنها غرقت في التاريخ والسجال ولم تحلل الحركة. رغم ان حدث اتفاقية التفاهم هو الاخير في سلسلة من سلوكيات الحركة السياسية هو الاخير في دلالات كثيرة, فقد كان رد فعل القوى المتحالفة مع قرنق والحركة غريبا فقد لزموا الصمت, بينما صبت نيران الهجوم على المهدي وحزب الامة عقب لقاء المهدي والترابي في جنيف, رغم ان الاحتمال أقرب لمثل هذا اللقاء اكثر من ان تأتي من اقصى اليسار والثورية المسلحة للالتقاء بالمؤتمر الشعبي أو الجبهة الاسلامية, اخشى ان يكون حلفاء الحركة من القوى السياسية الشمالية يمارسون الاخلاقية المزدوجة في التعامل مع الحدث الواحد أو حسب التعبير الشائع: الكيل بمكيالين, حتى اللحظة لم تصدر اي بيان لا اقول يدين بل يقيّم هذه الخطوة, وهناك تهرب واضح من اتخاذ موقف قد يتسبب في اغضاب قرنق والحركة, لذلك فضل الحلفاء السكوت دون ان يكونوا راضين. تظهر طريقة اخراج الاتفاق نفسها كيف يتعامل قرنق مع حلفائه, فهو لا يعبر عن كبير احترام لهم, ان لم اقل يحتقرهم, فهو لم يخبرهم بما يريد ان يفعل وحتى اللحظة لم يجتمع معهم ليشرح موقفه وكأنه يعتبر ذلك امرا غير هام فهو ضامن تأييدهم, فقد علمه تاريخ التعامل طوال عمر التحالف, انهم لم يستطيعوا نقده أو مخالفته, ظلت الحركة تلتقي مع الحكومة السودانية رغم انها فصيل معارض, وصدرت فتوى تقول ان وضعية الحركة تختلف عن بقية الفصائل, ولكن الحركة لم تشترط أو تفرض حضور بقية الحلفاء لقاءات الايجاد مثلا, وهذه وضعية شاذة قبلت بها المعارضة ورضيت تجزئة القضية السودانية وفي النهاية ماتت الايجاد دون ان تفعل ولكن ترسخ موقف الحركة الامتيازي وليس المتميز. فالحركة يسمح لها بما يعتبر محرما أو جريمة للاخرين, لذلك ليس غريبا ان يتجاهل قرنق حلفاءه وان يتجنبوا هم مواجهته. لماذا يتعامل قرنق والحركة مع حلفائه بهذه الطريقة؟ لا اعتقد ان في الامر انتهازية ولكنه حساب دقيق لميزان القوى فهو يرى نفسه ويعرف ذلك الحلفاء والاعداء ـ لذلك تتفاوض معه الحكومة ويوقع معه الترابي مذكرة التفاهم ـ انه القوة السياسية الوحيدة الفعالة لانه يملك السلاح بالاضافة لظنه انه يملك ايديولوجية أو برنامجاً, بينما الاخرون ليس لديهم ما يقدمونه, كانت الفترة الماضية تتسم بالعنف المتبادل ومن هنا ارتفعت اسهم قرنق, حاولت بعض الفصائل مجاراة الحركة الشعبية والجيش الشعبي, لذلك كانت مودة المعسكرات, وتبارت الفصائل في إنشاء المعسكرات وصرفت عليها الاموال الطائلة ولكنها تبخرت في الهواء الساخن للصراع السياسي, وقد عبر قرنق عن ان العمل العسكري وحده غير قادر على اسقاط النظام, لابد من الانتفاضة الشعبية والعمل الجماهيري, وبقي الجميع في حالة انبهار بالبندقية لانها تعفى من العمل الجماهيري الدؤوب والصعب, وضاع المال والوقت والجهد ولم تحقق البندقية اي هدف وظل العمل الجماهيري مهملا تماما, ووجدنا انفسنا في الفراغ السياسي الحالي, صمتت البندقية ولم نحرك الشعب, وقرنق هو المستفيد الوحيد من الوضع الحالي, إذ يغطي باستمرار الانطباع بحتمية استمرار القتال. شهدت الحركة الشعبية انقسامات عديدة مما يدل على عجز القيادة والتنظيم على حل الصراعات ديمقراطيا داخل الحركة, والسؤال الديمقراطي هام جدا فيما يتعلق بتاريخ وتطور الحركة, فكثيراً ما تعتبر الديمقراطية نقيضا أو على الاقل عقبة للثورة الحقيقية لذلك لم تكن من هموم الحركة ان تطور فهمها للديمقراطية ولم تعطها موقعا يماثل التوزيع المتساوي للثروة والسلطة مثلا, لان هذا التوزيع يمكن ان يتم بطريقة غير ديمقراطية, مثلما حدث في اتفاقية اديس ابابا ,1972 ولم استغرب غياب التركيز على الديمقراطية فقد ضمت الحركة عددا من دعاة ومنظري النظم الشمولية في السودان, وقد لعب بعضهم دورا اساسيا في ترسيخ نظام النميري الشمولي فمن الطبيعي ان يلعبوا هذا الدور داخل الحركة ومارسوا هوايتهم في عبادة الفرد من خلال الاعلاء من شخصية قرنق وتقديم صورة تمثله كقائد عبقري وملهم وتجعله فوق النقد والتحليل, وروج هؤلاء إلى لما يشبه معاداة السامية باليهود, اذ صار اي نقد لقرنق أو الحركة يعرض المرء لتهمة العنصرية والرجعية, وبالتالي سكت الكثيرون خشية من حملات التشهير والتخويف, وهناك ترسانة من التهم ضد كل من تسول له نفسه وينتقد دكتور جون والتي صارت مرادفة للقب مولانا أو السيد في سياق آخر, وهكذا خلقوا طائفة جديدة رغم كل الادعاءات. هناك سؤال محوري وهو: هل تمتلك الحركة الشعبية ايديولوجية متكاملة؟ الاجابة قطعا لا, اذ توجد شعارات كبيرة مثل السودان الجديد ولكن لم يتعب اي سياسي أو باحث في الحركة الشعبية نفسه لكي يجعل من هذا الشعار مقولة أو مجموعة مقولات لتكون نظرية أو ايديولوجية تعالج التنمية, الديمقراطية, الوحدة الوطنية, الاشتراكية, الثقافات, العلاقة مع الاخر... الخ, ولكن مثل هذه الايديولوجية أو النظرية غائبة لان الحركة لم تستطع تكوين رؤية قومية شاملة لمواجهة مشكلات الوطن, كان السؤال الذي طرحته على قرنق اكثر من مرة هل يريد من الحركة ان تكون قومية أم تظل اقليمية؟ هناك من يتهرب من السؤال بالقول بوجود عناصر غير جنوبية داخل الحركة, ولكن هذا الوضع لا يعدو كونه ديكورا لا يمثل حقيقة وجود عناصر شمالية في الحركة, ويشبه اعطاء وزارات في الحكومات الوطنية لبعض الشخصيات الجنوبية دون شروط قبولها بين جماهيرها وبالتالي لم تكن لها شعبية واضحة وظلت غير مؤثرة, وهذا ما يحدث تماما بالنسبة لوجود افراد شماليين يمثلون انفسهم فقط داخل الحركة. عند الحديث عن التغيير والتحول لبناء سودان جديد, يبرز التساؤل ما هي القوى الاجتماعية التي ستقوم بهذه المهمة؟ هل هي القوى الحديثة التي يمثلها المثقفون والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني بأجمعها؟ هل تتكون الحركة الشعبية اصلا من قوى حديثة ام تحكم تكوينها القوى التقليدية القبلية؟ وهل يمكن بناء السودان الجديد بواسطة قوى قديمة وتقليدية؟ لقد كان من الممكن ان تحول الحركة الشعبية هذه القوى من خلال الوعي والمعرفة إلى اخرى حديثة في تفكيرها حتى وان كانت اصولها الاجتماعية تقليدية, ولكن لان الحركة عسكرية ومقاتلة لم تجد الفرصة للارتقاء بعضويتها نظريا واهتمت بالتدريب والقدرات العسكرية, فالحركة مازالت مطالبة ـ ان كانت تملك رؤية ـ ان تعمل على تطوير وتعميم مفهوم السودان الجديد بعيدا عن الشعاراتية والغوغائية والكسل الذهني, ولكن ثمن هذه الخطوة هو التحول اكثر إلى العمل السياسي وهذه مهمة صعبة, رغم وجود اصوات جنوبية عديدة بدأت في الفترة الاخيرة تضيق ذرعا بهذه الحرب اللامجدية, وقد تخشى الحركة الشعبية الانتخابات والديمقراطية عموما فهي لا ترتكز على جماهير واسعة وقد تنتمي إلى ما يسمى الاحزاب الكيفية اي ذات الفعالية والدينامية باعداد قليلة وبالتالي تظهر اكبر من وزنها الحقيقي. هذا المقال يهدف إلى الدعوة إلى المراجعة والنقد الذاتي ضمن كل القوى السياسية السودانية والحركة الشعبية مطالبة قبل غيرها واكثر من الاخرين بالتوقف قليلا وعقد مؤتمر عام لتقييم كل المستجدات التي حدثت في السودان وفي الاقليم وداخل الحركة نفسها, ولا يكفي الحديث عن المنشقين والمرتدين لشرح اختلاف وخروج هذا العدد من الاعضاء المهمين, اذ لا يمكن ان يكون العيب فيهم فقط, وقد يكون بينهم انتهازيون ولكن ليس كلهم, نرجو بالفعل ان تظهر الحركة الشعبية ما يجعلها تبدو حقيقة حركة قومية وحديثة في نفس الوقت وهذا يعني ان تكون جزءا من حركة مشروع الثورة الوطنية الديمقراطية والذي انطلق منذ نهاية الاربعينيات وليس في عام 1983 مع منجستو الحركة, مثل هذه النظرة والموقف يجعلان الحركة داخل مجرى التاريخ وتكون رائدة في مستقبل لا يبنى بالشعارات بعد التجارب المريرة التي عاشها الوطن.