تعد التدخلات الاجنبية احد مؤججات الصراع داخل القارة الافريقية, وتتجلى حدة الصراع بين متنافسين رئيسيين بعد انتهاء الحرب الباردة تصاعد مطلع التسعينيات هما فرنسا وامريكا. وكان هدف هذا الصراع كما هو واضح للجميع التنافس على الاسواق والثروات الافريقية, فافريقيا سوق واعد قوامها 700 مليون مستهلك يمثلون خمس سكان العالم. هذه المنافسة اخذت شكل الصراع حتى بات الغربيون يسألون بعضهم البعض عمن يريد حرق اصابعه وعيونهم تنظر الى الثروات المكنونة في باطن الارض الافريقية والصراعات الدامية. وحتى وقت ليس ببعيد, وقبيل انهيار الاتحاد السوفييتي اوشك القطبان العالميان للحرب الباردة ان يعلنا عن ازمة دولية بسبب واحدة من صراعات القارة, فقد كان الصراع في حينه بين القوتين العظميين لاثبات الوجود والنفوذ والهيمنة. اما وقد اختلفت موازين القوة وهيمنت امريكا على مقاليد القوى برزت اطراف اخرى تنافسها على ثروات القارة ومواطن النفوذ فيها. وتذكر التقارير ان المجابهة اخذت وجها حادا وصريحا في عام 1995 بين فرنسا وامريكا ومؤشراتها تبديل بعض الدول الفرانكفونية لسياساتها كتبديل اللغة الفرنسية الى الانجليزية مما يؤشر الى انحراف الولاء السياسي الافريقي. موازين القوى الجديدة في القارة الافريقية بدت اواخر التسعينيات تميل لصالح الادارة الامريكية, وتؤشر مارينا سيسارو خبيرة الشئون الافريقية في معهد كادينجي ذلك بقولها: (ان الفرنسيين لم يعودوا قادرين او مستعدين لدفع الثمن اللازم لابقاء البلدان الافريقية الناطقة بالفرنسية ضمن دائرة نفوذهم, فما هي الاستراتيجيات الفرنسية والامريكية وايهما انفذ)؟. فرنسا .. تاريخ استعماري ومصالح بعد انتهاء الحرب الباردة اتجهت فرنسا مع شقيقاتها الاوروبيات الى اعادة رسم اولويات استراتيجيتها لصالح البناء الاوروبي, فاهملت الدولة الفرنسية سياساتها في افريقيا, وهذه عززت من فرص التغلغل الامريكي في القارة السمراء وساعدت على تطور العلاقات الى ما اسماها كلينتون عام 1998 بعلاقات الشراكة. شعرت فرنسا بالخطر من تنامي النفوذ الامريكي في القارة الافريقية فاتجهت الى تطوير سياساتها تجاه افريقيا من خلال عدة محاور رئيسية منها: * دعم التيار الفرانكفوني في العالم ومحاولة انشاء تجمع افريقي قوي يضم كل الدول الناطقة بالفرنسية. * وحيث ان هذا الدعم لا يعزز استعادتها لدورها فقط انطلقت الى خارج الفرانكفونية ايضا فلم تعد تركز تجاه الاسواق التي لها فيها موروث ثقافي ولغوي وامتدت الى دول افريقية اخرى. * تجنبت فرنسا المواقف المعادية فلم تتدخل الى جانب الولايات المتحدة الامريكية في اتخاذ مواقف سياسية معادية لبعض الدول الافريقية لكي لا تضر بمصالحها الاقتصادية في الاسواق الافريقية. * ابتعدت ايضا عن الصراع المباشر مع الولايات المتحدة, ولم تمانع في التعاون معها في الاسواق الافريقية لانها وحدها لا تستطيع ان تتحمل اعباء مساعدة الدول الافريقية في التنمية الاقتصادية ولكي تضمن ايضا عدم استعداء امريكا في مناطق نفوذها. * حاولت استقطاب الدول الافريقية بعيدا عن الولايات المتحدة مثلما حدث في انعقاد القمة الفرنسية الافريقية عام 1998 ومؤتمر وزراء الدول الافريقية وفرنسا عام 1999 الذي بحث قضايا الامن والتنمية في افريقيا وحل النزاعات في دول القارة. * يلاحظ ان السياسة الفرنسية الجديدة ركزت على النخب الحاكمة التي ترى ان الامن والاستقرار مدخل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية, وهي عكس السياسة الامريكية التي تعطي اولوية للفئة الاقتصادية العليا التي ترى ان التنمية الاقتصادية والاجتماعية هي المدخل للامن والاستقرار. * توجهت فرنسا مثل كل القوى الاقتصادية الغربية المتنافسة في الاسواق الافريقية الى احداث تغييرات في التوجهات الحالية للدول الافريقية فهدفت الى اعادة ترتيب عملية التكامل الاقتصادي بين هذه الدول والتحول نحو اقامة اقتصاد افريقي بطريقة مختلفة. ويرى كثير من المحللين ان فرنسا ستظل لها اليد الطولى في الاسواق الافريقية بسبب موروثها الثقافي واللغوي وسيطرتها على منظمة الفرانكفونيين وعلاقاتها مع الطبقات الحاكمة في معظم هذه الدول, اضافة الى ان فرنسا تعتبر اكبر مانح للمعونات الاقتصادية في افريقيا كما تمتلك اكبر استثمارات اجنبية في القارة السمراء اذ تبلغ 30% من المساعدات المقدمة وهي تتفوق على ما تقدمه امريكا ويصل الى 6% من مساعدات بكثير. التحرك الأمريكي: أهداف وسياسات بعد انتهاء الحرب الباردة وبالذات في مطلع السبعينيات ادركت الولايات المتحدة انها اهملت لفترة طويلة القارة الافريقية, فعملت على اعادة تقويم وترتيب منظومة مصالحها واولوياتها القومية في القارة الافريقية. ورغم تباين الاتجاهات الامريكية المطروحه في هذا الشأن الا ان دوائر صنع القرار الامريكي رأت انها ملتزمه بنشر (القيم والمبادىء الامريكية) بطرح رؤية امريكية جديدة تجاه افريقيا ترمي الى دمج القارة في منظومة الاقتصاد العالمي وتحويل قناعاتها الايديولوجية صوب مبادىء الفلسفة الليبرالية. ويمكن القول هنا ان المتغيرات الدولية الجديدة سارت باتجاه العولمة الامريكية فأفضت الى اعادة توجيه السياسة الامريكية نحو افريقيا من خلال التركيز على دبلوماسية التجارة كاداة للاختراق اضافة الى دعم قادة افارقة جدد, وقد اتضحت بشكل اساسي ملامح هذه السياسة في عام 1998 حيث سعت ادارة الرئيس السابق كلينتون الى تأسيس شراكة امريكية افريقية جديدة. اما اهداف التوجه الامريكي الجديد في افريقيا فهي وفق دراسات كثيرة: * دفع عملية الاندماج الافريقي في الاقتصاد العالمي, ولتحقيق ذلك تعمل امريكا على سياسة النمو والفرص الذي يستند الى انهاء مرحلة تلقي المساعدات المالية واحلالها بالتبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات الامريكية. كما تدعم مفاهيم (التحول الديمقراطي وفقا للمفهوم الامريكي) لاسيما في المناطق الاستراتيجية بالنسبة لمصالحها كما تعمل على منع الصراعات وانهاء حروب التطهير العرقي. * حماية المصالح الحيوية الامريكية لاعتبارات امنية ولوجستية واقتصادية. تطمح الاهداف الامريكية للوصول الى المصالح وفق استراتيجيات امنية واقتصادية تعد ثوابتها في الاستراتيجية الامريكية بشكل عام. ففي المجال الامني تطمح الى تحقيق الاستقرار والسيطرة الامنية في منطقتين على جانب كبير من الاهمية وهما منطقة البحيرات العظمى ومنطقة القرن الافريقي الكبير مع الاعتماد على قيادات افريقية جديدة تتسم بولائها الواضح للولايات المتحدة. ويتضح ذلك من سعي كلينتون عام 1998 لتعزيز شراكة امريكا مع ست دول في البحيرات العظمى, ولا يخفى ان هذه السياسة ستسعى ايضا لمحاصرة النظم الافريقية المعادية لامريكا مثل السودان وليبيا. وفي مجال الاقتصاد, فنقرأ من خلال تقرير صدر في منتصف عام 1997 بعنوان (تعزيز العلاقات الاقتصادية للولايات المتحدة مع افريقيا) اعده فريق من الخبراء في مجلس العلاقات الخارجية, سبل تحقيق الاهداف الامريكية التي تتركز في: ــ تشجيع الدول الافريقية على انتهاج سياسات اقتصادية ناجحة تحقق نمط التنمية المستدامة بما يخلق في النهاية فرصا افضل للتجارة والاستثمارات الامريكية في القارة. ــ اطلاق قانون (النمو والفرص) الذي وافق عليه الكونجرس في اطار تحقيق الرؤية الامريكية الجديدة حول افريقيا وهو يعد منافسا لاتفاقية لومي المبرمة بين دول الاتحاد الاوروبي ومنطقتي الكاريبي والباسيفيكي. ــ سياسة المساعدات الامريكية تجاه افريقيا, فامريكا وفق رؤيتها الجديدة ترفع شعار التجارة بدلا من المساعدات وهي لا تخفض المساعدات الامريكية المقدمة للقارة لكنها تركز على مبدأ المساعدة لدعم جهود الاصلاح الاقتصادي والسياسي. ــ الاستفادة من التجمعات الاقتصادية الاقليمية في افريقيا مثل جماعة تنمية الجنوب الافريقي (السادك) والجماعة الاقتصادية لغرب افريقيا (الاكواس). وهكذا عملت امريكا على تشكيل قوات تدخل في افريقيا لمواجهة الازمات رغم معارضتها للتدخل المباشر في الازمات, كما ركزت على قضايا الاسلام السياسي لتقضي على كل عوائق يمكن ان تواجه تحقيق اهدافها. بقي ان نشير الى ان افريقيا اصبحت جزءا من المصالح القومية للولايات المتحدة وتحولت الى اهمية استراتيجية رغم ان حصة السوق الامريكية في التجارة مع افريقيا لا تمثل سوى 7.6% وهي تأتي بعد فرنسا 30% واليابان 2.7 %.