وانتهت معركة الاستفتاء والانتخابات واشرق الصباح وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح, ولم يبق للناس سوى لملمة الجراح, وحصد النتائج, واستخلاص العبر, والاعداد لمعارك المستقبل. رغم كل ما جرى لا يمنع ان نشهد ان المعركة التي مرت كانت من اهم المعارك الديمقراطية التي خاضها الشعب اليمني في تاريخه الحديث, وقد لا أكون مجازفا اذا قلت انها شكلت فاصلا بين زمن وزمن, وثقافة وثقافة, بين زمن كانت فيه الانظمة المتسلطة تصنع ما تريد والشعب خاضع مستسلم, وزمن اصبح للشعب فيه ارادة, وللقوى السياسية المعارضة مكان ووجود وصوت, وبين ثقافة من يؤمر فيطيع, وتسلب حقوقه فيبكي في صمت وحين يقهر ويغلب على امره يترك الوطن ويغترب, وبين ثقافة مواطن نمى وعيه, واستوعب حقه, وانتظمت صفوفه, وقرر المقاومة والنضال. معركة الانتخابات المحلية التي مرت معركة دخلت كل قرية يمنية ان لم يكن كل بيت, وأحس المواطن كما لم يحس من قبل انه يخوض معركة تخصه مباشرة. وبذلك شكلت وعيا سياسيا انتشر كالهشيم على طول الساحة اليمنية وعرضها.وادرك المواطنون ماذا تعني الانتخابات وصناديق الاقتراع, ورأوا بام اعينهم الدور السيىء لتزييف ارادة الناس, وادرك الشعب ان هناك لونا جديدا من النضال غير استخدام السلاح وغير الاستسلام وهو النضال السلمي والديمقراطي من خلال صناديق الاقتراع ... وبمرور الأيام وممارسة النضال السلمي سوف يدرك الشعب اهمية الوسائل السلمية الاخرى كالمسيرات, والاعتصامات, والاضراب والعصيان المدني, وهي الوسائل التي تعطل قدرة الدبابة على الحركة, وتلجم الرصاصة في فوهة البندقية وقد اسقطت هذه الوسائل ثلاثة انظمة عسكرية في السودان الشقيق جارنا الاقرب. السؤال الذي يطرح نفسه ــ بعد انتهاء المعركة بخيرها وشرها ــ هو ما هي العبر التي يمكن للقوى السياسية ان تستخلصها مما حدث لتكون دليلا لصناعة مستقبل افضل؟ ولنبدأ بالنخبة الحاكمة والمؤتمر الشعبي العام. خرج المؤتمر الشعبي العام ــ الحزب الحاكم او حزب الحاكم ــ من المعركة بنصيب الاسد, فقد حصد اغلبية مقاعد المجالس المحلية, ونال الموافقة على التعديلات التراجعية للدستور, ولم يعد سرا كيف تم له ذلك, المهم الآن هو كيف سيتعامل المؤتمر الشعبي والنخبة الحاكمة مع النتائج الحقيقية التي يعرفونها جيدا. هل سيعتبرونها مؤشرا يتطلب تغيير المنهج الخاطىء الذي ساروا عليه مدركين فشل الاعتماد على الاجهزة الرسمية التي ثبت فشلها سواء كانت اعلامية او امنية او ادارية, ومدركين ان المال ليس كل شيء, وهل ادركوا خطورة زج الجيش في العملية الانتخابية والذي حول العملية الانتخابية من تنافس بين مواطنين الى صراع بين المواطنين والجيش وكما اشار الى ذلك الاخ رئيس الجمهورية في مؤتمره الصحفي, انه ليس من مصلحة النظام ولا الديمقراطية ولا الوطن ما يمكن ان تحدثه التراكمات في نفسية الجنود حين يكلفون بالادلاء بشهادات مزورة, او حين يقومون باضافة صناديق مشبوهة بعد الاطفاء المتعمد للكهرباء, او عند الاستيلاء بالقوة على الصناديق ونقلها من مكان الى مكان بعيدا عن انظار المرشحين والمراقبين عنهم, وكذلك الحال عند نقل الوحدات للتصويت تحت اشراف الضباط في اكثر من مركز واكثر من منطقة. ان شعور الجندي انه يزور, ويضلل, ويرتكب عملا مشينا في حق وطنه تحت وطأة الحاجة او الخوف سوف يحوله اما الى مرتزق يبيع نفسه لمن يدفع اكثر, او الى جبان مسلوب الشجاعة والكرامة, او يدفعه الضيق والصراع بين قيمه وما يؤمر به الى ارتكاب حماقات لا يحمد عقباها, حقا ليس هناك من نكبة يصاب بها شعب اكبر من ان يتحول حراس سيادته, وامنه, واستقلاله, ودستوره الى مجموعة من المزورين. هل آن الأوان لاقتناع النخب الحاكمة ان تعتمد في بقائها وتنافسها على حزب سياسي فعال له قضية وطنية ناضل من اجلها, ومشروع حضاري يطمح الى تحقيقه, لقد آن للنخبة الحاكمة في اليمن ان تعيد النظر في دور المؤتمر الشعبي الذي تحول الى مجموعة من الموظفين اصحاب المصالح الذين لاقناعه تشدهم الى النظام, ولا مبادىء تحفزهم على النضال, يدعون عند الحاجة للقيام بما تسميه القبائل بـ (القافى) ثم يذهب كل لحال سبيله ما عدا ادارة الشئون المالية التي لا يغمض لها جفن, ولقد تابعت ما قاله الاخ رئيس الجمهورية في مؤتمره الصحفي بتاريخ 1 مارس 2001م حول المؤتمر الشعبي وان حزب لا يعتمد في وجوده على رئيسه ودلل على ذلك بأن في عضوية المؤتمر نخبة لن تقبل الالتحاق باي حزب آخر سوى حزبها حزب المؤتمر وتساءل الرئيس والا فأين ستذهب هذه النخبة؟ ولو تتبع الاخ الرئيس تجارب الاحزاب التي صنعتها السلطة لعرف اين يمكن ان تذهب هذه النخبة ابتداء من الاتحاد الاشتراكي في مصر. وحزب احمد سيكوتوري فيلسوف افريقيا الذي لم يصل جثمانه الى القبر حتى كان حزبه قد سبقه. وكذلك احزاب السلطة السابقة في اوروبا الشرقية وامريكا اللاتينية قد يجادل البعض فيضرب مثلا بالحزب الاشتراكي اليمني الذي ظل بعد انتهاء قياداته وخروجه من السلطة هؤلاء البعض لا يدركون الفارق بين المؤتمر الشعبي الذي صنعته السلطة, وبين الحزب الاشتراكي اليمني الذي صنع السلطة واقام الدولة. على اي حال تجربة الانتخابات الرئاسية التي لم تجد جمهورا يملأ صناديقها سوى اللجان المشرفة, وتجربة الاستفتاء على التعديلات والانتخابات المحلية التي تم تجاوزها بصعوبة بفعل الجيش والامن والخروقات المكشوفة . الى جانب ظاهرة نمو الوعي الشعبي, وتراجع ثقافة الرعوى, ووجود مؤسسات حزبية قوية وفعالة, كلها علامات واضحة تجعل النخبة امام خيارات ثلاثة: 1ــ العودة الى نظام استبدادي واضح القسمات لامكياج له وبذلك يدخل النظام النفق المظلم الذي دخلته الجزائر. 2ــ الاتجاه الى مزيد من تقوية الاجهزة الامنية والحد من الهامش الديمقراطي وعدم السماح بوجود قوى سياسية منظمة وفعالة حتى لو كان المؤتمر الشعبي وحينها لكل فعل رد فعل, وسيظل الصراع ليس بين الاحزاب المتنافسة وانما بين اجهزة السلطة والاحزاب خارجها. 3ــ اما الخيار الثالث ــ الذي اتمنى من اعماق قلبي ان تتجه اليه النخبة الحاكمة فهو اعادة بناء المؤتمر الشعبي ليكون حزبا حقيقيا يعمل بين الجماهير يتلمس هموم المواطنين ويدافع عن حقوقهم, ويقف بقوة ضد الفساد والمفسدين, ويتبنى ابتداء من رئيسه وحى آخر عضو في قاعدته مشروعا لبناء الدولة الحديثة ويكون الحزب شريكا حقيقيا للنخبة الحاكمة في صناعة القرار لاظلالها, ولاموظفا لديها, وحينها سوف يعيد المؤتمر الشعبي تجربة المؤتمر الهندي الذي ظل في الحكم بارادة الجماهير خمسين عاما لم يحتج يوما للتزوير او التضليل, او شراء الضمائر, او الضحك على الدقون اخيرا لنا مع المعارضة وقفة لكي يكون للحديث قيمة.