مع مقتل لوران كابيلا الرئيس الكونغولي تبرز تساؤلات كثيرة عن مستقبل الصراع, ليس في الكونغو فحسب بل في منطقة البحيرات العظمى والذي له تأثير بَيّنْ على مستقبل القارة السمراء. وليس من الخطأ ربط مستقبل القارة بأتون البحيرات العظمى, فهذا الاتون يقذف حممه الى كل ما حوله, والهاربون من جحيمه هم لاجئون للدول المجاورة حينا والغربية اخرى. وعملية الهروب والنزوح واللجوء تترتب عليها نتائج وخيمة متعددة منها انسانية واقتصادية وبيئية. فهي تحدث تبدلات في الخريطة البشرية في القارة الافريقية, وتشكل عناصر اخرى لنشوب صراعات من نوع آخر, كما انها تستخدم كورقة ضاغطة في كل مفاوضات سياسية. ورغم ان منطقة البحيرات العظمى ليست الوحيدة التي تعد بؤرة للصراع لكنها الاخطر, واذا اضيف اليها الصراع الاثيوبي الاريتري, وسيراليون, والسودان, وصراع الغرب على ثروات افريقيا, وصراع اسرائيل مع العرب على مياه افريقيا نجد ان القارة السمراء تشكل قنبلة متفجرة في كل حين. افريقيا بثرواتها التي مازال نصفها على الاقل بكرا لم تمسسه يد, كانت وما زالت مسرحا لصراعات الغرب والشرق, ففي السابق تصارع على جسدها السوفييت والامريكيون, واليوم يتنافس عليها الاوروبيون والامريكيون فضلا عن كثير من قادتها الذين نخر الفساد هياكلهم الادارية واصبحوا محض لصوص بدلا من ساسة. ولابد ان ننظر اذن الى هذه الصراعات من منطلق المصالح المتنازع عليها والتي تعد من جانب الارث الاستعماري المتنازع عليه, ومن جانب آخر المستقبل الاقتصادي الواعد لاقتصادات واسواق الغرب. مقتل كابيلا اذن يثير التساؤلات حول مصير هذه الصراعات, والسبب يكمن في ان كابيلا استطاع باطاحته لنظام موبوتو من تأسيس نظام جديد لقيادة الصراع, وقد استطاع مع مبيكي من تحريك قضية مساواة البيض والسود واعادة توزيع الاراضي بالمساواة بين الافارقة بدون عنصرية. وتعد هذه حسنة لكابيلا الراحل, اقضت مضجع بريطانيا بالذات, فقد كان البيض من حملة جنسيتها يمتلكون 87 % من الاراضي الافريقية والتي تمتد على مساحة كل الجزء الممتد تحت الصحراء الافريقية. ورغم ان كابيلا كان رجل امريكا ومثله مبيكي, لكنه كان يملك زمام امور كثيرة, ربما جعل مقتله يفلتها, وهو ربما ايضا جعل كابيلا الابن يندفع الى الحضن الغربي, فما ان دفن والده حتى دخل فرنسا من بوابتها الواسعة واردفها بالولايات المتحدة التي لم تفوت هذه الفرصة وعقدت له تصالحا مع عدو أبيه كاجامي. ولا يمكن القول ان السلام غير مرغوب فيه اذا كان كابيلا او داعموه الغربيون يفكرون فعلا بالسلام لاستقرار القارة السمراء, لكن الامر يبدو كأنه ترتيب لدور ستلعبه البحيرات العظمى وهو يضع احتمالات لاتفاقات سرية بدأت بالضغط على كابيلا فقتلته واستدرجت الابن الذي يعرف الجميع انه اقل صلابة من ابيه. فهل تشهد القارة الافريقية تنسيقا امريكيا ــ فرنسيا لوضع الصراعات الدائرة وانقاذ القارة من مستقبل مقطوع الاطراف ومليء بالديون والامراض وجغرافية تتغير كلما ارتفعت ألسنة الحروب؟ ذلك امر ان وقع سيغير منحى الصراع ويغير الاستراتيجيات والمصالح, وهو امر تخبرنا التجارب والتاريخ انه غير ممكن, فلا يمكن للاوروبيين الاتفاق مع الامريكيين على تقاسم الثروات والادوار, او لنقل تقسيم القارة الى مناطق نفوذ بمعاهدة تشبه سايكس بيكو. فالاستعمار الحديث يفرد هيمنته بشكل اقل علانية مما سبق وبشراسة اكبر, والنفوذ والهيمنة الامريكية لا يحتملان المشاركة, انها اذن قضية القرن الحادي والعشرين بكل مافيها من دموية وشراسة ومنافع, فيا لافريقيا واجيالها المشردة والجائعه والمريضه والمعاقة, وياله من مستقبل اسود !. المحررة