يسمونها الأتون المشتعل, ومناجم الذهب والالماس, وهو لتنوعها الجغرافي والبيئي والاجتماعي والعرقي بقيت حتى اليوم وقودا مستمرا لاحقاد وعداءات تاريخية, مثلما بقيت مسرحا للصراعات التي تؤججها مصالح القوى الاقليمية الراغبة في تغيير خريطة التوازن الاقليمي. اطارات الصراع في القارة الافريقية كثيرة ومتعددة ترسمها الاستراتيجيات والمصالح الغربية, وهي اهم اطراف الصراع في القارة الافريقية, بل يمكن القول بشكل مؤكد انها احد اهم اسباب ضياع افريقيا والمحرض على حروبها. هذا الصراع على المصالح هو عنصر مهم في ترتيبات وتوازنات اقليمية ودولية معينة تتعارض مع بعضها فيدفع الشعب الافريقي حياته وثرواته ثمنا لها. وابرز اطراف الصراع الذي يمكن عده عاملا خارجيا, الولايات المتحدة الامريكية التي تبدو اليوم اقوى من ذي قبل في تحويل القارة من (مهمة جدا) الى (مصلحة استراتيجية مهمة جدا) وهي بهذا التحول فرشت على الارض السمراء أدواتها, ووضعت خططها وامسكت بتلابيب مرتكزات مهمة في القارة اقتصاديا وسياسيا. والمعروف ان القارة الافريقية من اثرى البقاع في العالم, فارضها وماؤها ومعادنها ما زالت الاهم بالنسبة للغرب الذي لم يخرج منها كما يظن الكثيرون, فما زالت افريقيا مثقلة بارثه الاستعماري وبديونه ودوره الخفي في اذكاء الصراعات الداخلية, انها ورقة في مهب رياح العولمة وصراع التوازنات الدولية. كيف ننظر للصراع الافريقي؟ ماهي اطره وعناصره ودوافعه, وما الاستراتيجيات والمصالح والاهداف الغربية, وما تأثير هذه العناصر بجملتها على مستقبل القارة, ماذا يؤشر مقتل كابيلا وصراع البحيرات العظمى, وماذا يؤشر حجم الديون الافريقية للغرب .. واية سيناريوهات يمكن ان تظهر في المستقبل القريب؟ ليس خافيا ان المتغيرات الدولية الجديدة التي سارت باتجاه العولمة الامريكية افرزت اعادة توجيه السياسة الامريكية نحو افريقيا ومثلها اوروبا, بعد ان انتهت الحرب الباردة. ورغم ان هذه السياسات التي تتصارع على مسرح افريقيا هدفها التنافس الحاد على الموارد الطبيعية والثروات الافريقية, الا انها لا تخلو من اهداف استراتيجية لموقع القارة الاستراتيجي ولارتباطها ببؤر دولية للصراعات العربية الاسرائيلية من جهة, والصراعات الايديولوجية من جهة اخرى. لقد بقيت القارة مثلا حتى بعد انتهاء الحرب الباردة بؤرة للتنافس بين المعسكرين الشرقي والغربي, ويمكن على سبيل المثال ان نذكر ان لوران كابيلا الرئيس الكونغولي المقتول ظل يحمل المبادىء الماركسية لمدة تزيد على ثلاثين عاما من حياته, وكان اول مؤيد لرئيس الوزراء الكونغولي الاشتراكي باتريس لومومبا, والمعروف ان لكابيلا الراحل دورا في قيادة الصراع في قلب الأتون الافريقي المشتعل. اوروبا ايضا بتحولاتها الجديدة غيرت ادواتها في الهيمنة على ما تعدها حتى اليوم (شريكة قديمة). ولعل كلمة شريك تأخذنا الى جولة كلينتون عام 1998 التي أعلن فيها (شراكته لافريقيا) رغم انه زار ست دول افريقية فقط, وهذه الجولة هي التي جعلت فرنسا تذكر الافارقة والعالم (بشراكتها) لافريقيا. وقبل الدخول في طبيعة واهداف هذه الشراكات لابد لنا من المرور باسباب الصراعات الافريقية التي ستقودنا الى هذه الاهداف وبالتالي للاستراتيجيات الغربية في افريقيا. اندلعت الصراعات في افريقيا منذ مطلع السبعينيات, وتؤشر التقارير الدولية الى اندلاع اكثر من ثلاثين حربا عام , 1970 دار اغلبيتها داخل الدول الافريقية بمعنى (حروب داخلية), ودار الباقي بين الدول الافريقية المتجاورة فاختلفت اسبابها ولعل اهمها كان الحدود, الثروات, او التغييرات البيئية والاقليمية التي احدثتها هجرة الافارقة من بلدان الصراع للبلدان المجاورة مسببة انقلابات في بنية وهياكل دول اللجوء. اسفرت الصراعات المسلحة عن كثير من الوفيات وتشريد قرابة عشرة ملايين شخص, مقوضة جهود افريقيا الرامية لتحقيق السلام والاستقرار والارتقاء بالاقتصاد او بمعنى ادق انتشاله على الامد الطويل. واسباب هذه الصراعات تختلف بين الدول الافريقية, لاختلاف الحالة الاجتماعية والاقتصادية وتاريخ الدول وأوضاعها الجغرافية, وبالطبع فان لكل دولة مراحل مختلفة للتنمية الاقتصادية وانماطا مختلفة من التفاعل الداخلي والاقليمي والدولي ومجموعة مختلفة من السياسات العامة, ويظهر هذا التنوع والتعقيد في مصادر الصراع بشكل خاص في وسط افريقيا او ما يسمى بالبحيرات العظمى وبشكل عام في القارة برمتها. مصادر الصراع كما تشخصها الدراسات الكثيرة والمتنوعة بشكل رئيسي تنقسم الى اثنين: * مصادر داخلية. * ومصادر خارجية. ورغم التنوع والاختلاف الا انه يربط بينهما عدد من التجارب والمواضيع المشتركة. عوامل الصراع لا يمكن النظر الى عوامل او مصادر الصراع الداخلية دون النظر الى ما يربطه بالعوامل او العناصر الخارجية, فقد بدأت الصراعات الافريقية اصلا منذ قسمت الدولة الاستعمارية افريقيا بشكل تعسفي الى دول وجماعات كثيرة بمؤتمر برلين الشهير عام 1885. وبهذا التقسيم التعسفي ضمت شعوبا ومناطق لا علاقة لبعضها ببعض, وفي الستينيات من القرن الماضي ورثت الدول حديثة العهد بالاستقلال في افريقيا هذه الحدود الاستعمارية مواجهة التحدي الذي شكلته هذه التركة لسلامتها الاقليمية ووحدتها الوطنية. أفرزت هذه التحديات مؤسسات وقوانين وضعتها الدول الاستعمارية قصد بها استغلال الانقسامات المحلية وليس ازالتها, واضيف الى ذلك وفي احيان غير قليلة احتكارات الساسة الافارقة واداراتهم وقمع التعددية السياسية, والفساد واساءة استعمال السلطة, ليؤثر ذلك كله على نمو بذور الصراع وتعقيد المشاكل بين الافارقة وصعوبة ان لم نقل استحالة الوصول الى حلول. ورغم اعتراف الافارقة عام 1963 بالحدود الموروثة من الدول الاستعمارية وقبولها بها, غير ان ذلك لم يساعدها في التغلب على مشكلة صياغة هوية وطنية حقيقية من بين المجتمعات المحلية المختلفة والمتنافسة, وادى طابع العلاقات التي اوجدتها الدول الاستعمارية الى تحريفات طويلة الاجل في اقتصاد افريقيا السياسي. وبشكل محدد يمكن القول ان: * العوامل الخارجية للصراع اتسمت بالمنافسة بين المعسكرين خلال الحرب الباردة وبذل جهود لاضعاف حكومات افريقيا, ورغم ان التدخل الخارجي بعد الحرب الباردة قد قل لكنه لم يختلف, وفي اطار العوامل الخارجية يدور تنافس حاد بين شركات اجنبية على الموارد الطبيعية في افريقيا, ويشير المحللون الى انه في هذه المنافسة يكون لهذه الشركات دور قوي في اثارة الصراع او زيادة حدته او اطفاء فتيله, وفي احيان غير قليلة تتدخل الدول الافريقية نفسها بعضها في بعض بحكم اعتبارات اقليمية او تاريخية او عرقية, رغم وجود جهود لحفظ السلام وتخفيف حدة الصراعات ونزع فتيلها نادرا ما تنجح بنسبة متوسطة. اما العوامل الداخلية, فبعد انقضاء ما يزيد على 35 عاما على تحقيق بلدان افريقية لاستقلالها يتزايد ادراك سكان افريقيا لوجود اسباب للصراعات الدائرة غير الدور الاستعماري, ومن هذه الاسباب استبداد عدد من الحكام بالسلطة الحكومية واحتفاظهم بها واستبعاد اشخاص آخرين عن المشاركة في توليها. وتنطوي هذه السياسة للحكام الافارقة على مخاطر كبيرة وخطر اكبر فهي تؤجج الصراع بين الاعراق والتجمعات السياسية والاحزاب التي تقوم اساسا على قاعدة عرقية او اقليمية, فالمعروف ان لكل دولة افريقية اعراق متعددة, ويجعل هذا التعدد نشوب الصراع اكثر احتمالا وفي حالات كثيرة تتخذ العرقية طابعا سياسيا وتصبح عاملا في المشهد السياسي اشد عنفا, وفي حالات متطرفة قد تشعر الجماعات المتنافسة ان امنها وبقاءها لن يضمن الا عن طريق الاستيلاء على سلطة الدولة وفي هذه الحالة يصبح الصراع حتميا. وبالطبع يأتي هنا دور الدول الغربية التي تزود الاطراف المتنازعة بالسلاح وتدعمها بالمال, فيتحول الصراع من صراع سياسي الى صراع مسلح تظهر آثاره في المجازر التي تحدث والتشريد الذي يلحق بالسكان والامراض التي تنتشر والتدهور الاقتصادي. * تلحق بهذين العاملين عوامل اقتصادية, فالصراعات المسلحة تؤدي للتدمير الاقتصادي والعسكري, وتشير الدراسات الى ان كثيرين سيستفيدون من الاضطراب الذي تسببه الصراعات لذلك قد تكون لديهم مصلحة في اطالة امد الصراع, ويتصدر تجار الاسلحة الدوليون ولاعبو الادوار الرئيسية قائمة المستفيدين من الصراعات في افريقيا, فهم هنا يسيطرون على مناجم الألماس والمواد الخام والاخشاب واستغلالها بالاتفاق او المقايضة مع الاطراف المتحاربة: السلاح بالثروة. * وهناك عوامل اخرى تعد مصدرا للصراع تنتج عن حالات ومناطق دون اقليمية معينة, واغلبها في افريقيا الوسطى, وتشمل التنافس على موارد الارض والمياه الشحيحة في المناطق كثيفة السكان, او التنافس على النفط, او تردي البيئة, وهذه كلها تنتجها موجات التبشير التي سببتها الحروب. تدخل أجنبي ويذكر تقرير لمنظمة (watch) ــ ووتش ـ ان عددا من الدول الاوروبية لم تلتزم بقرارات مجلس الأمن الدولي او القرارات الاوروبية الداخلية والخاصة بحظر وتصدير السلاح لمناطق الصراع في العالم ومنها افريقيا. ولم ينكر احد من هذه الدول ان المصالح الاقتصادية تكون في حالات كثيرة الدافع وراء هذه المخالفات, فعلى سبيل المثال لا الحصر تكشف عبر وسائل الاعلام تورط وزير خارجية بريطانيا مع عسكريين سابقين لديهم مؤسسات اقتصادية في تجارة الاسلحة ببيع اسلحة لسيراليون التي لم يبق من اهلها سوى 15 الف شخص وسيطرت القوات الدولية على جل الارض التي تشاهد كثيرا وقد تحولت الى مناجم لجنود القوات الدولية او الدول الاوروبية. وقد فضحت وسائل الاعلام الغربية نفسها قضية الدبابات الايطالية التي بيعت لافريقيا, وكذلك الدبابات البلجيكية التي كانت في طريقها لاريتريا, عدا عن تورط الولايات المتحدة نفسها في اكثر من مكان وبالذات في ساحات المنافسة مع الغرب. يضاف الى ذلك ان القبائل الافريقية التي اصبحت تملك كميات هائلة من الاسلحة والذخيرة لديها استعداد لدخول اي نوع من الحروب دون هدف سياسي بل مقابل الكسب المالي. ونجد مع ذلك ان معظم البلاد الافريقية تفتقر لجيش نظامي موحد ينتمي لحكومة قوية, وتعتمد البنية العسكرية على فصائل عسكرية وميليشيات منقسمة على نفسها داخليا ومتمردة على الحكومة في نفس الوقت, كما لا توجد قوات دفاعية استراتيجية, وهكذا فان هذه الحروب تستنزف القارة مع استمراريتها وانتقالها من طرف لآخر, وتخرب الاقتصاد وتهدد الطاقات الشعبية وتنشر مزيدا من الجوع والفقر والمرض وتقضي على بوادر التنمية. ويكفي القول ان هناك 16 دولة افريقية تعاني من نقص الاغذية ومن الامراض بسبب الحروب والصراعات, و 40 % من مواطني جنوب افريقيا يعانون من الجوع, وتهدد المجاعات والصراعات 4.13 مليون مواطن في 7 دول شرق افريقية يعيش حوالي 50% منهم في اثيوبيا التي انخرطت في حربها الحدودية مع اريتريا منذ عام 1998 وهكذا نجد ان معظم البلدان الافريقية تفتقر للأمن القومي الذي يحققه الاستقرار الداخلي والكفاية الاقتصادية وهي منتفية في معظم البلدان الافريقية الامر الذي جعلها عرضة للتدخلات الخارجية في سيادتها. لهيب عبد الخالق