اعترف وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في تصريح ادلى به في الطائرة التي اقلته الى القاهرة, محطته الأولى في الجولة التي قام بها في المنطقة انه قد يجد صعوبة في اقناع العرب بأن العراق وليس اسرائيل اخطر المشاكل في المنطقة, وقبل بدء جولته بأيام قليلة اضطر الى الخوض في مقارنة اكثر دقة, هي هذه المرة بين العراق والولايات المتحدة فوجد ان الامر بحاجة الى (حث الدول العربية على عدم اعتبار واشنطن مصدر المشكلة, بل بغداد) حسب تعبير باول الذي دافع عن الوجود العسكري الامريكي في المنطقة, قائلا انه (لطمأنة العرب) وان هذا الوجود (حفظ الأمن في المنطقة على مدى عشر سنوات) متوعدا بإبقاء العراق تحت الحصار وبشن هجمات عسكرية جديدة عليه. وأكثر ما يلفت في تصريحات باول الممهدة لجولته قوله ان الهدف من الوجود العسكري الامريكي في المنطقة (وأحد اسباب مشاركة امريكا في حرب الخليج لم يكن فقط لاخراج القوات العراقية من الكويت بل لخلق شعور جديد وبالأمن في المنطقة, وخلال السنوات العشر الماضية تمتعوا بهذا الأمن). هذه السلسلة من تصريحات باول تبدأ بدعوة العرب الى التخلي عن اعتبار اسرائيل مشكلة بالنسبة لهم وتمر بتحريضهم على مواجهة العراق باعتباره هو المشكلة التي يستوجب التصدي لها وجود عسكري امريكي في المنطقة, وتنتهي بالاحتياط الضمني الى احتمال حل المشكلة العراقية, وانعكاس ذلك على الوجود العسكري الامريكي, عندها يعترف الجنرال باول بأن اخراج القوات العربية من الكويت لم يكن الهدف الوحيد الذي من اجله جاءت القوات الامريكية الى الخليج. أما معرفة الاسباب الاخرى فتطلب معلومات اكثر من التي ادلى بها باول وابعد من العمل على (خلق شعور جديد بالأمن في المنطقة) ومتابعة ما افصح عنه باول عن المراجعة التي تجريها الادارة الامريكية لجميع الخيارات في سياستها الراهنة. علما ان احد ثوابت هذه السياسة, وكما كشف مساعدو بوش الابن ابان الحملة الانتخابية يقوم على ان المنطقة العربية, ولا سيما النفطية, هي من اختصاص النفوذ الامريكي وهي محظورة على القوى الكبرى الاخرى, لذلك اعطيت الغارات الامريكية والبريطانية الاخيرة على بغداد هدفا مزدوجا: ضرب العراق ومن يعنيهم الأمر من العرب المتعاطفين مع بغداد, وتوجيه رسالة الى الصين التي اتهمتها الادارة الامريكية بتزويد العراق بمساعدات تقنية في مجال الدفاع الجوي. أما خبايا السياسة الامريكية لدى ادارة بوش الابن فموضوع تكهنات واجتهادات وتساؤلات لم تقدم جولة كولن باول اجابات شافية لها. ولكن جلاء ما غمض لن يتأتي من واشنطن وحدها بل ايضاً من رصد الاجواء العربية المتأثرة بالطبع بالموجة الامريكية الجديدة. وسوف تسلط القمة العربية العادية المقررة الشهر المقبل, سواء عقدت أو أرجئت, ضوءاً ساطعاً على مجريات الاحداث سيما وان اجواءها المرجحة, قبل جولة باول, تميل الى مواجهة التحدي الاسرائيلي الذي زاده وصول شارون الى رأس السلطة خطورة, والى تعميق الانفتاح على العراق الذي اخذ بالاتساع عربيا ودوليا مما احرج واشنطن وبعض الممانعين العرب, ولعل في أولوية اهداف جولة وزير الخارجية الامريكية الاولى في المنطقة تعديل هذا المناخ العربي, وتقديم بعض المسكنات فيما يتعلق بالوضع الفلسطيني والعراقي معاً. لذلك عمد الوزير باول الى التحدث بلهجات متباينة الحدة وبصيغ شهدت بعض التعديلات الشكلية. ففي حين أكد مطلع جولته ان الصراع العربي الاسرائيلي له اهمية ثانية بالنسبة الى واشنطن بالمقارنة مع الوضع العراقي عاد ونفى أن تكون ادارة بوش تعتبر العراق اولوية اهم من الصراع العربي الاسرائيلي, وقال (انها تحاول النظر الى المنطقة كلها باعتبارها تمثل اولوية). وكشف انه بحث المسألة العراقية مع شارون. واستدرك قائلاً (في الوقت الراهن لا اطلب أي مساعدة من اسرائيل) كما حاول اتخاذ موقف متوازن أو اجراء عملية مقايضة عندما دعا بعد لقائه شارون الفلسطينيين الى وقف اعمال العنف وطالب بعد لقائه عرفات برفع الحصار الاسرائيلي المفروض على الضفة الغربية وقطاع غزة في اسرع وقت ممكن. لكنه حافظ على الموقف الذي ينسف كل مظاهر التوازن بتأكيده للمسئولين الاسرائيليين صلابة العلاقات الامريكية ــ الاسرائيلية. وفي الاطار ذاته ذكرت الصحف الاسرائيلية ان باول حمل الى الاسرائيليين جملة مطالب امريكية ترمي الى التخفيف من المعاناة اليومية للفلسطينيين وذلك بديلاً للطلب الفلسطيني بوجوب ان يحمل معه الى المنطقة مشروعاً للتسوية. وأشارت الصحف الاسرائيلية الى ان القضية الاشد الحاحا بالنسبة لباول هي الوضع الاقتصادي في مناطق السلطة الفلسطينية و خطر انهيار السلطة الفلسطينية جراء الخطوات الاسرائيلية لأن الولايات المتحدة تخشى ان يؤدي انهيار هذه السلطة و تفككها الى تدويل الازمة. وفي الموضوع العراقي روح كولن باول في محطات الجولة عن كل مكنوناته: فالعراق (لا يهدد الولايات المتحدة فقط وانما هذه المنطقة واطفال مصر والكويت والسعودية) وواشنطن (ليست بصدد تخفيف العقوبات في هذه المرحلة). وحذر من ان واشنطن ستستخدم القوة ضد العراق (عند الضرورة) ودافع عن الغارات الجوية على بغداد مؤخرا على الرغم من اعترافه بأنها جعلت مهمته صعبة. وبعد ان كشف بأن مهمته في المنطقة التوصل الى توافق اقليمي حيال اعادة تنشيط العقوبات المفروضة على العراق والتوصل الى سبل افضل لاحتواء هذا البلد قال انه لن يدع (الشق التفاوضي) بالنسبة للعقوبات يطغى على ما نحن على استعداد للقيام به على الصعيد العسكري واذا كان ذلك سيجعل مهمتي اكثر صعوبة, حسنا فالأمور تسير هكذا). تصريحات وتصريحات تتلون ولا تتناقض بغية الاخلال في شعاب الاطراف العربية المطلوب اعادة ضبطها وجذبها الى بيت الطاعة. قال باول: (علينا ان نعيد النظر فيما نقوم به لأن هناك اعتقادا على الاقل في بعض المجتمعات العربية بأننا نؤذي شعب العراق ولا نضر بالنظام). ووصف الانتقادات العربية وغير العربية للغارات على العراق بأنها بمثابة مطرقة تضرب على رأس الولايات المتحدة وآمل ان تؤدي الى مشوراته مع العرب في نهاية المطاف الى تعديل العقوبات حتى (يمكننا ان نزيل هذه المطرقة التي تستخدم ضدنا على افتراض اننا نضر الشعب العراقي). قد يحلو لبعض المعجبين ان يصفوا تصريحات باول بالجرأة والشفافية وحتى الاعتدال في مقابل التطرف الذي يوصف به غيره من اركان الادارة الامريكية ولا سيما نائب الرئيس ووزير الدفاع الا ان احدا لا يقول بسياستين تصدران عن البيت الابيض وانما يذهب بعض المتابعين الى وصف باول بأنه الاكفأ في تسويق التطرف والى انه يحمل استعداد البيت الابيض لمساومة يوافق فيها على تخفيف وحتى رفع العقوبات الاقتصادية بناء على طلب بعض الاطراف العربية مقابل نيل موافقتهم على مواصلة الضربات العسكرية للعراق وربما بوتيرة اقوى. ومثل هذه المساومة, وفي التعبئة الامريكية ضد العراق, عدا عن الاثمان الغالية التي ستفرض على الشريك العربي فيها, فإنها تحتفظ بحق تدمير العراق كدولة وتحويله من وطن الى مخيم لاجئين. ويبدو مما رشح خلال محادثات باول مع الاطراف العربية انه واجه صعوبات لا يستهان بها قبل ان يتوصل الى نتائج مرضية, لذلك أقر ان رد الفعل العربي على الغارات الامريكية البريطانية الاخيرة على بغداد كان اقوى مما توقعه والعبرة ان تبقى ردة الفعل هذه على قوتها وان تعم كافة الاقطار العربية وتترجم موقفا موحدا فاعلا في العراق وفي فلسطين وفي مواجهة احتمال تحريك واشنطن احتياطها الاسرائيلي. والمعلومات التي كشفتها الصحف الاسرائيلية عشية جولة باول عن هواجس القيادة العسكرية الصهيونية التي ستنقلها الى الوزير الجنرال ألمحت الى احتمال استئذان شارون ضيفه بتنفيذ مغامرة عسكرية, على ان يكون اكثر انضباطا في السابق عندما حصل على مثل هذا الاذن في العام 1982. إن شارون سيبقي الاحتياطي الممتاز لدى الادارة الامريكية توظفه لانجاح سعي باول الى (اقناع العرب بأن العراق وليس اسرائيل هو اخطر المشاكل في المنطقة). بقلم: سامي العياش _ كاتب لبناني