لا أعرف لماذا تذكرت هذا السؤال وأنا أستمع لوزير الخارجية الأمريكي كولن باول وهو يكذب ويتبجح علناً في بدء جولته بالقاهرة قائلا: (إن العراق يشكل خطراً على أطفال مصر والسعودية والكويت والمنطقة). هذا الوزير ــ الذي استبشر به الكثيرون خيراً نظراً لما قيل عنه من استقامة شخصيته, وانحداره من وسط ظل يتعرض للاضطهاد وما زال في أمريكا ــ ضُبط يكذب في وضح النهار, فالحقيقة المعروفة هي أن النظام العراقي الذي ارتكب خطيئة كبرى بغزو الكويت, لم يعد له من حول ولا قوة, فإذا كان هذا النظام غير قادر على بسط سيطرته على كل البلاد, وتمرح الطائرات الغربية في سمائه كالغربان, فكيف يهدد أطفال الآخرين؟ ما لم يقله باول ــ وهنا قمة البجاحة ــ ان العراق ربما يشكل خطراً على أطفال المستوطنين الإسرائيليين في المستقبل, إذا أتيح له أن يعاد تأهيله ويسترد عافيته في إطار عربي حقيقي. وهنا تبدو المفارقة, ان كل ما يحدث للعراق طوال السنوات الماضية وربما المقبلة كان مصلحة إسرائيلية بحتة, لذلك لم يكن غريباً أن يعرض شارون على واشنطن شراكة استراتيجية لضرب العراق, رغم أن المخابرات الأمريكية ارتكبت خطأ فاحشاً حين اعترفت بأن العراق لا يملك وغير قادر على انتاج أسلحة الدمار الشامل. وحسناً فعل وزير الخارجية المصري عمرو موسى حينما رد على باول بأن العراق لا يشكل خطراً على مصر, وقبله تحدث الرئيس مبارك بأن بغداد لا تهدد أحداً فهي ليست دولة عظمى.. هذا تطور جيد في الموقف العربي. لكن كارثة الموقف الأمريكي اضافة للصلف والبلطجة وغرور القوة, هي الغباء.. فعندما يبدي باول دهشته من رد الفعل المصري والعربي الرافض للعدوان الأمريكي الأخير على العراق, فذلك منتهى الغباء من الأجهزة الأمريكية التي تدعي رصدها لكل كبيرة وصغيرة في أي مكان بالعالم.. فكيف لم تُقدم هذه الأجهزة لباول قبل زيارته تقريراً عن حالة العداء العربي المستحكم لكل السياسات الأمريكية؟ وهل باول لم يشاهد المظاهرات الجماهيرية العربية التي أصبح حرق العلم الأمريكي وبجانبه الإسرائيلي إحدى هواياتها اليومية؟ أن يقول باول إن العراق يشكل تهديداً للأطفال العرب فهذه بجاحة, وأن يؤكد عدم مجيئه لإصدار أوامر لقادة المنطقة, فالنفي غالباً دليل إثبات يؤكد ما يحدث من جنون القوة الأمريكية, وأن يُبدي دهشته من رد الفعل الرسمي العربي فذلك هو الغباء, أما عندما يؤكد أنه لن يقدم اعتذاراً لأحد فهنا قمة البلطجة. وإذا أردنا أن نتصور مستقبل المنطقة في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة مضافاً إليها صعود الإرهابي أرييل شارون لسدة الحكم في إسرائيل, علينا أن نفكر ملياً كيف نواجه البلطجة والغباوة وجنون القوة الأمريكية حينما تؤكد زواجها الكاثوليكي بالإرهابي التوراتي في تل أبيب. تلك هي المعادلة الجديدة في المنطقة.. فماذا نحن فاعلون؟!