أجرى (الملف السياسي) حواراً مع شخصيتين فلسطينيتين حول زيارة كولن باول وطبيعتها الاستكشافية بشأن مسيرة التسوية وأبرز الخطوط العريضة لاستراتيجية الادارة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط. في المحور الأول تحدث هاني المصري وكيل وزارة الاعلام, وفي المحور الثاني تحدثت الدكتورة حنان عشراوي التي عادت هذا الاسبوع من زيارة للولايات المتحدة الأمريكية اجرت خلالها لقاءات متنوعة مع شخصيات في الادارة الأمريكية الجديدة وفي الكونجرس ومجلس الشيوخ ومؤسسات فكرية وإعلامية أمريكية وشخصيات عربية أمريكية أيضاً. أكد هاني المصري وكيل وزارة الاعلام ان جولة كولن باول وزير الخارجية الأمريكي لمنطقة الشرق الاوسط ذات طابع استكشافي للمواقف العربية المستجدة بشأن مسيرة التسوية وكذا مستقبل النظام العراقي, وقال ان التصريح الذي ادلى به وزير الخارجية الأمريكي في عمّان وبعد اللقاءات التي اجراها مع الرئيس عرفات ورئيس الوزراء المنتخب في إسرائيل ارييل شارون والذي قال فيه ان المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية ليس من المحتمل ان تستأنف قريباً تعطي صورة اقرب الى الدقة عن الحصيلة المتواضعة لجولته الاولى ربما يؤكد انها جولة استكشافية تمهيدية تهدف اساسا الى تأكيد التزام الادارة الأمريكية الجديدة بعملية السلام وحرصها على بقائها حية رغم الازمة العاصفة التي تشهدها منذ خمسة اشهر. وأوضح المصري ان الجولة مؤشر واضح على ان ادارة بوش لا تزال بصدد بلورة موقفها بشأن الدور الذي ستقوم به على ضوء فحص مواقف واستعداد الاطراف المدنية مباشرة واستكمال دراسة خبرة مفاوضات التسوية على المسارات كافة وعلى ضوء الفشل المدوي الذي حصدته ادارة كلينتون في قمة جنيف وقمة كامب ديفيد الثانية وما لحقها من مفاوضات انتهت على عدم التوقيع على اتفاق دائم ولا إعلان مبادىء ولا اتفاقية اطار ولا حتى ورقة تفاهم تحدد نقاط الاتفاق والخلاف!! وأضاف ان مسارعة ادارة بوش الجديدة بالاعلان عن ان مقترحات كلينتون لم تعد مقترحات رئاسية أمريكية دليل كاف على انها تريد دراسة ملف المفاوضات ويداها حرة غير مقيدة بشيء وإذا كان الالتزام بعملية السلام غير مطروح للنقاش باعتباره احد الثوابت الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة فإن أي طريق يجب خوضه لإحراز السلام وحصيلة المفاوضات والاتفاقات والدور الأمريكي في كل مرحلة بدءاً من اتفاق أوسلو وحتى مفاوضات طابا قيد البحث لاستخلاص العبر والدروس وبلورة مصالح السياسة الأمريكية الجديدة. وأشار المصري الى انه (بالتأكيد ان ادارة بوش ليست بحاجة إلى فترة زمنية طويلة تستغرق عدة اشهر لبلورة سياستها الشرق أوسطية خاصة ونحن في عصر الكمبيوتر والانترنت والثبات الاستراتيجي المستند على المؤسسة فيما يخص السياسات الأمريكية الكبرى ومبدأ الاستمرارية الذي يميز السياسة الأمريكية لا يجعل ما تخرج به ادارة بوش بحاجة الى وقت طويل ولن يكون مفاجأة أو امراً مختلفاً كلياً بل سيندرج في سياق ما هو معروف ولكن بعد ان يأخذ اللمسات الخاصة التي لا بد ان تميز اية ادارة جديدة خاصة ان ادارة بوش الابن تتسلم مهامها في ظل ازمة عنيفة تشهدها منطقتنا وهي ازمة مرشحة للتصاعد الى حد انها مرشحة باندلاع حرب اقليمية اذا لم يتم محاصرتها واحتواؤها تمهيدا لإنهائها وخاصة ان الاحتمالات المرعبة تفوق الاحتمالات الجيدة أي احتمالات الحرب تسابق احتمالات السلام بعد اعتلاء شارون سدة الحكومة الإسرائيلية كثمرة انقلاب سياسي إسرائيلي على عملية السلام رغم كل ما حققتها الاخيرة لإسرائيل. وتابع المصري ان الادارة الأمريكية قد تفكر أو هي تفكر فعلا في الطلب من العرب اعطاءها الفرصة. ودلل المصري على ذلك بحديث كولن باول بعد لقائه مع شارون انه حكيم ومستعد لتحمل المسئوليات الملقاة على عاتقه بعد تشكيل حكومته وكذلك اعلان ادارة بوش انها ستتعامل مع القضية الفلسطينية من منظور اقلمي شامل وليس كقضية بحد ذاتها وميلها الواضح لإيقاف ما تسميه العنف الفلسطيني قبل استئاف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية خلال اعتبار العنف الإسرائيلي مبررا وأخلاقيا لأنه من قبيل الدفاع عن النفس. وأوضح المصري ان حديث باول الايجابي عن رفع الحصار الإسرائيلي بأسرع وقت لا يجب ان يطمس انحيازه للرؤية الإسرائيلية عن الاحداث مرة من خلال وضع عنف الجلاد والضحية, الاحتلال والانتفاضة في سلة واحدة دون اعتراف بالحقائق الجارية على الارض والتي تؤكد ان الاحتلال والاستيطان والعدوان الإسرائيلي هو المولد الدائم للمقاومة الفلسطينية الشرعية ما دام الاحتلال الإسرائيلي قائماً. وألمح المصري الى انه لا يمكن القفز على حقيقة ان كولن باول جاء إلى المنطقة وعينه على ما يجري في الخليج وهدفه الرئيسي اعادة بناء التحالف الدولي ضد العراق وتفعيل الحصار والعقوبات كرد فعل على ما تراه الادارة الأمريكية من بوادر تشكيل تحالف عربي جديد في المنطقة كانت ولا تزال دافعته الانتفاضة ويتشكل حيث يعتبر النظام العربي ان التهديد الذي ينتظره يأتي من إسرائيل لا من العراق. واعتبر ان هذا السبب يفسر لماذا اسرعت الادارة الأمريكية بضرب العراق دون حاجة او مبرر يستدعي الاقدام على مثل هذه الخطوة المبكرة كما يفسر لماذا قام وزير الخارجية الأمريكي بجولته بسرعة عشية انعقاد القمة العربية وقبل انتهاء شارون من تشكيل حكومته التي لا يمكن الا ان تكون متشددة سواء كانت طوارىء واسعة ام حكومة متطرفة ضيقة. أما الدكتورة حنان عشراوي عضو المجلس التشريعي الامين العام للمبادرة العالمية للديمقراطية (مفتاح) فقالت ان الوضع في الولايات المتحدة متشعب وأوضحت ان الادارة الجديدة ما زالت تتحسس مواقعها ومواقفها وتحاول صياغة سياسة خارجية جديدة تجاه منطقة الشرق الاوسط على ضوء المرحلة التي سبقتها وهي مرحلة تولي الديمقراطية لفترتين ادت الى نوع من التراخي وانخفاض في مصداقيته وتأثير الولايات المتحدة في العالم الخارجي على ضوء ضعف وزارة الخارجية في تلك الفترة من خلال وجود مادلين أولبرايت الوزيرة أو كريستوفر وغيرهما وأضافت د. عشراوي قائلة: هناك خلل واضح في اداء وزارة الخارجية الأمريكية كذلك هناك خلل واضح فيما يسمى بعملية السلام وعدم ايصالها الى نتائج ايجابية بل وصول الأمور إلى مثل هذا التدهور الحاصل وهناك فشل في السياسة التي استخدمت في المنطقة وهي سياسة الاحتواء المزدوج والشامل وقضية العراق والخليج العربي. وأشارت د. عشراوي الى ان الادارة الأمريكية كانت تحاول الاستماع وكان ذلك هدف زيارة كولن باول للمنطقة للالتقاء والاستماع للاطراف المعنية لتشخيص مكامن الخلل في السياسة السابقة لمحاولة بلورة سياسة جديدة. واعتبرت ان هذه الادارة تريد اولا الا تحصر علاقاتها في المنطقة ومع الجانب الفلسطيني والعربي من خلال عملية السلام فقط فهي تريد علاقات ثنائية, وثانياً ان الادارة الجديدة برئاسة جورج بوش الابن ترى ان الادارة السابقة ركزت كثيرا على التحالف الاستراتيجي بينها وبين إسرائيل وأخضعت مصالح الولايات المتحدة في العالم العربي لأولويات إسرائيلية ونظرت للمنطقة من منظور إسرائيلي ضيق وما هو لصالح إسرائيل على حساب المصالح الأمريكية وعلاقاتها مع الدول العربية خاصة الخليجية منها. ونوهت عشراوي إلى ان هذه الادارة الجديدة تشعر ان الفشل الذي منيت به الولايات المتحدة لا بد من علاجه من خلال منظور اعم واشمل للمنطقة ومن خلال اعادة نوع من العلاقات ذات المصداقية مع الدول الحليفة لها رأت ان اهتمام الادارة السابقة لعملية السلام كان بشكل دون مضمون ادى الى اضعاف محاولة صنع السلام وهي الآن لا تستخدم عمليا مصطلح عملية السلام لكن صنع السلام أو البحث عن السلام لأن قضية مفهوم التقدم بالسلام هو مفهوم شكلي أي ان هناك لقاءات وعملية معينة لكن مع عدم التركيز على المضمون وارتباط المستوى الفني بالتنفيذي والتصرف على ارض الواقع وهذا الذي ادى الى هذا الانفصام. وذكرت عشراوي ان الادارة الجديدة ترفض حتى طريق السلام وترفض تخصيص مبعوث خاص لعملية السلام بل هي تحاول اعادة صنع السلام الى المؤسسة السياسية واعادت عملية صنع السلام الى الاشراف المباشر من وزير الخارجية واتصال مباشر مع الرئيس الأمريكي. وأوضحت عشراوي ان هناك محاولة للنظر للحلفاء في المنطقة, اذ هناك انظمة حليفة للولايات المتحدة قد شعرت باهتزاز مكانتها ومصداقيتها على ضوء ما تفعله إسرائيل في الشعب الفلسطيني من السياسة القمعية والقتل المتعمد والحصار والاغتيالات وجميعها ادت الى تضامن شعبي عربي, وبناء عليه فإن اهمال الرأي العام العربي والفلسطيني وشخصنة العملية السياسية ومحاولة تحويلها كأداة بيد إسرائيل اضعفت مكانة الولايات المتحدة ومصداقيتها في المنطقة. وقالت عشراوي: لكن فترة السنوات العشر الماضية احدثت متغيرات فلا تستطيع الادارة الأمريكية العودة الى التحالف العربي لضرب العراق وهذا ما حاول بوش وباول ان يفعلاه بالقول إن اعادة احياء التحالف مطلوب لكن كيف يمكن ذلك, انه على ضوء أولاً ان هناك انحلالا في هذا التحالف ــ واختراقاً لسياسة الحصار ضد العراق ــ وتعاطفاً دولياً وعربياً مع معاناة الشعب العراقي وهناك عدم ثقة في الولايات المتحدة لدى الرأي العام العربي الذي لمس التمايز الأمريكي الكامل تجاه إسرائيل في الوقت الذي وقفت أمريكا تشاهد القمع الإسرائيلي الذي يمارس ضد شعبنا الفلسطيني دون تدخل أو ردع. ودعت الدكتورة عشراوي الفلسطينيين اولا والعرب ثانيا إلى التدخل في التأثير على وضع السياسة الأمريكية واكدت ان مصدر القوة هو ارادة الشعب الفلسطيني الحية التي ترفض القمع والاستكانة وان هناك مكمن قوة آخر وأساسياً هو العمق العربي بمعنى ان مصالح الولايات المتحدة تتضرر نتيجة لمواقفها تجاه القضية الفلسطينية. وقالت عشراوي: هذا يعني انه لابد لنا من القيام بواجباتنا داخليا تجاه تصويب الوضع الداخلي الفلسطيني, وأضافت: هناك هجمة شرسة على القيادة والشعب والقضية الفلسطينية بشكل متكامل وثانياً هناك الوضع العربي وأكدت على ضرورة ايجاد حوار عربي حقيقي لإعادة القضية الفلسطينية الى جوهر مفهوم الأمن القومي العربي ليس عن طريق الشعارات بل عن طريق تفهم ان مصالح هذه الدول العربية تتضرر نتيجة القضية الفلسطينية والممارسات الإسرائيلية وغياب التدخل والردع العربي خاصة في المحافل الدولية وتحديداً الولايات المتحدة من اجل التأثير على وضع القرار الأمريكي الذي لم يحدث بين يوم وليلة ولا يمكن ان يكون هناك اي مفاجآت في السياسة الأمريكية لأن التحالف الاستراتيجي موجود والتميز موجود كذلك.