حول جولة (كولن باول) للشرق الأوسط, أجرى (الملف السياسي) تحقيقاً في ثلاث عواصم سياسية وأوروبية للاطلاع على مختلف آراء عدد من الخبراء في السياسة والشئون العسكرية الدولية نستكشف من خلاله اسباب واسرار المهمة الصعبة لوزير خارجية امريكا الجديد. بسؤال الدكتور (جوزيف دارني) خبير الشئون الامريكية في لاهاي عن جولة (كولن باول) في الشرق الأوسط وهل سيكون لخارجية امريكا في عهد بوش الابن سياسة متميزة تنهي المشكلة العراقية, قال: لا أعتقد ان الخارجية الامريكية في عهد بوش ستكون لها سياسة متميزة لإنهاء مشكلة العراق, لكن توجد مؤشرات بأنها ذات خصوصية ناحية منطقة الخليج عامة, لأن وزير الخارجية الحالي كولن باول ـ رجلاً عسكرياً سابقاً ــ كان يشغل رئيس الأركان ابان حرب الخليج, وكان له دور بارز في قوات التحالف العسكرية, ولديه ارث سيكولوجي حيث ذاق حلاوة النصر, وهو لا يريد التنازل عنه, والآن في منصبه السياسي الحالي يريد أن يكون له دور في ايقاظ تحالف جديد سياسي فقط, وأعتقد ان قدراته السياسية أقل منها عسكرياً, فوزير الخارجية الأمريكية الجديد امامه مهمة صعبة, حيث انه يريد تحقيق اهداف كثيرة في وقت قصير, وفي مرحلة شائكة شديدة الحساسية تمر بها منطقة الشرق الأوسط. وحول أهداف جولته في الشرق الأوسط بشكل محدد, أضاف: بداية يريد كولن باول تعطيل مبادرات لكثير من الدول العربية التي لها توجهات نحو الانفتاح السياسي والاقتصادي على العراق, وفرض موجة من التأثير السياسي المسبق على القمة العربية التي ستنعقد قربياً, والأمر الذي لا يمكن تجاهله هو تقديم فروض الطاعة لإسرائيل, ومحاولة إبراز دور سياسي مختلف عن دور الادارة الامريكية السياسية السابقة, ففي الماضي بذل الرئيس الأمريكي السابق كلينتون جهودا مكثفة, وكثيراً من المباحثات لتحقيق السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين, خاصة خلال قمة كامب ديفيد الفاشلة, والانتفاضة الدامية, وانه قبل خروجه من البيت الأبيض بوقت قصير, كان على قناعة تامة بأهمية تحقيق السلام, خاصة يقظته لأهمية المناطق المقدسة بالنسبة للعرب, وهذا قد ورد على لسان احد اعوان كلينتون في الحكومة الامريكية السابقة. إلا ان حكومة الرئيس الجديد بوش, لا تولي اهتماماً كثيراً بآراء ومبررات سابقة, كما انها تتجاهل تماماً المقترحات الامريكية التي تركها كلينتون قبل رحيله من البيت الابيض, وقال بوش إن الفلسطينيين والاسرائيليين يمكنهم اللجوء لواشنطن في حالة اذا ما رأت كافة الاطراف امكانية استفادتها من واشنطن, وان الجدية في تحقيق السلام قائمة, لكن الحكومة الامريكية الجديدة لن تحاول مرة اخرى جمع الاطراف طالما انها لا تريد, وهذا هو التوجه الجديد للبيت الابيض, اضافة الى ان الخارجية الامريكية تحت قيادة وزيرها الجديد كولن باول, اكدت بوضوح هذه التوجهات, واضاف باول ان الحكومة الجديدة لن تتصرف بتلقائية تجاه الصراع الاسرائيلي الفلسطيني, مشيرا الى ان كل دول المنطقة شأنها شأن اسرائيل وفلسطين لها ذات الحق في الاستفادة بالمساعدات الامريكية وذات الاهتمام, وان هذا اطار الاهداف القومية الامريكية. وأشارت التوجهات الجديدة الى الأهمية الكبيرة للبترول, في منطقة الخليج, لذلك ليس من الغريب ان كولن باول يقوم الآن بزيارة منطقة الشرق الاوسط والدول المنتجة للنفط في الخليج, والتي يضعها على جدول الأهمية في أولويات اجندته, ثم زيارتها المهمة للحليف العسكري الاستراتيجي, مصر والأردن, فماذا نفهم من ذلك؟ نستفيد بأن المصالح الامريكية هي اولا.. ثم اولا.. ثم أولا.. وانا ازعم ان الحكومات العربية تعرف ذلك ايضا, ولكنها لا تتعامل من منطلق هذا المنطق, ثم ان وزير الخارجية الامريكي كولن باول عليه مهمة اخرى وهي التوضيح لحلفاء امريكا مبررات الضربة الامريكية, خاصة بعد ان تكشفت بعض اسرار من مكالمات تليفونية ساخنة بينه وبين ارييل شارون؟ وسألته عن حقيقة ما تردد مؤخراً فيما اطلق عليه (بورقة شارون) وان امريكا تلعب بها لمقايضة دول عربية وسوريا بشكل خاص, في مقابل تحجيم الانفتاح على العراق, بادرني موضحا: سؤالك هذا يفسر أهم اسباب عودة الملف العراقي لواجهة الاحداث, فهو كان امراً متوقعاً مع قدوم بوش الابن الرئيس الامريكي الجديد للبيت الابيض, فمن الناحية السياسية لا توجد قضية ساخنة في العالم كله يمكن لبوش ان يضع يده عليها ليقول للعالم كله من خلالها انا هنا غير العراق, وهذا في حد ذاته هدف, أما الهدف الثاني فهو تأكيد التواجد الامريكي وبسط يدها بمساعدة حليفتها التاريخية بريطانيا على صنابير النفط في الخليج, وهو الحلم القديم الذي ارتبط خلال العقد الأخير بمبررات حماية منطقة الخليج من العراق في الواجهة, وهي الامور التي تسعى امريكا لتأكيدها منذ حرب الخليج الثانية التي انتهت بتحرير الكويت بعد الاعتداء العراقي عليها. أما (رومانو كاليري) الباحث الامريكي في قضايا الشرق الأوسط, فقال عن بعض الاسباب الاستراتيجية لزيارة كولن باول للشرق الأوسط: نعم.. توجد اسباب استراتيجية محسوبة, وهو ما نطلق عليه (بالشكل أو الجسم الحقيقي), و(الظل) من ناحية اخرى, فمنذ قدوم الرئيس خاتمي على رأس الحكومة الايرانية وإعلانه رغبة بلاده في اعادة الحوار مع الغرب, وبدايته لمرحلة غزل سياسي مع امريكا لتضميد جراح الماضي, لم تسفر نوايا خاتمي المعتدلة عن نتائج ترضي امريكا, ومصر تخرج منها اصوات قومية بعضها من اليسار والاسلاميين من وقت لآخر تزعج الأذن الامريكية, وبصفة خاصة تصريحات وزير خارجيتها عمرو موسى الذي بادر في مرات عديدة بجرأة في ادانة اسرائيل وتوجيه لوم غير مباشر للادارة الامريكية, هذه نماذج لجسد القضية تريد امريكا بها توصيل رسائل استراتيجية اهمها أن: ــ تحذر مصر عن بعد عن طريق كيل الضربات للعراق, على الرغم من معارضة مصر استمرار العقوبات على العراق والضربات الجوية, وتجهض أي تطوير للاسلحة العراقية, حتى لا تكون هناك اي قوة اخرى في المنطقة العربية تتفوق على اسرائيل, التي توجد بها مخازن اسلحة امريكية متطورة. ــ تقول لإيران الطائرات الامريكية تصل لحدود اراضيكم, وتحذرها ايضا من مجرد التفكير في اللعب في ساحة الخليج. ــ توجيه رسائل عامة لأي دولة تفكر في مساعدة الفلسطينيين ضد اسرائيل, خاصة وان اللوبي اليهودي (ايباك) تحرك بإيعاز من شارون, للضغط على الادارة السياسية الامريكية الجديدة يشكون من خطر اعادة تسليح العراق, واستعادة الجيش لقوته من جديد, استناداً على إعلان العراق انه سيواصل دعمه للكفاح الفلسطيني ضد اسرائيل. ــ معاقبة العراق لأنها الدولة العربية الوحيدة حتى الآن التي تقدم مساعدات لها فاعلية للفلسطينيين في الاراضي المحتلة, في الوقت الذي تقف فيه الدول العربية الأخرى على اعتاب تقديم الوعود. أما الظلال فهي كما ذكرت لك من قبل اشياء ظاهرية منها: ــ العقبات التي يضعها العراق أمام فريق التفتيش الدولي على الأسلحة الكيماوية وأسلحة الدمار الشامل داخل أراضيه. ــ حماية الخليج من التهديدات العراقية واستخدام ابن صدام حسين (عدي) كذريعة. هل كانت الضربات الجوية الأمريكية للعراق بالفعل تمهيداً لزيارة كولن باول للشرق الأوسط؟ ــ إن مواقف معظم الدول العربية جاءت متفقة على ان هذا الوقت بالذات غير مناسب تماماً للافعال الامريكية البريطانية فوق العراق الذي يلقى تعاطفاً في الشارع العربي الذي يرى يومياً شهداء العمليات العسكرية الاسرائيلية, الأمر الذي يساهم في زيادة الكراهية لأمريكا واسرائيل, ويدعم في الوقت نفسه صدام حسين, الذي اصبح يجيد اللعب بالورقة الفلسطينية, وهذا يعيد للاذهان موقف التحالف العراقي الفلسطيني عام 90 على الرغم من وجود مؤشرات في حينه بأن صدام لا يستطيع العمل بحرية وتحقيق مآربه في الكويت, كما انه طوال السنوات الماضية لم يستجب لقرارات الامم المتحدة, على الرغم ان الوضع في مجلس الامن لا يزال متشدداً ازاءه دون اي مرونة. ولا يمكن اغفال ان واشنطن هي عمود الادارة المحرك الذي يقف وراء مجلس الامن, واسرائيل ايضاً التي لا تنفذ قرارات مجلس الامن, لا تنال عقوبات من اي دولة عضو سواء امريكا أو غيرها على هذا التمرد, وأيضا امريكا هي المحرك وراء حمايتها. حول حقيقة شعور امريكا بمقاومة عسكرية عراقية جوية قوية, يقول الخبير العسكري (كاردي بورج): اكدت التقارير العسكرية ان الطيارين الامريكان اصيبوا بالذعر خلال الاشهر الاخيرة في جولاتهم الاستطلاعية الجوية فوق الاراضي العراقية, خاصة المناطق المحظور فيها الطيران, وان (البنتاجون) اعطى تعليمات لهم ان يلتزموا الحذر والاعتدال, حتى لو اعترضتهم طائرات عسكرية عراقية, وأضافت ان اوكرانيا هربت صواريخ (اس.ايه 6) لديها القدرة على اسقاط الطائرات الامريكية (اف16), وهو الأمر الذي انعكس على التصريحات العراقية السياسية وتهديداتها التي أكدت ثقة صدام في ردع الطائرات الامريكية والبريطانية, لذلك فإن العقوبات المفروضة على العراق وعمليات التفتيش على الاسلحة, ومقاطعة العراق قد انهارت بشدة اكثر من اي وقت مضى خلال السنوات العشر الاخيرة. وعلى الجانب الآخر يتضح ان السياسة الامريكية المعادية للعراق ايضا اصبحت متآكلة وتنهار, ولم يتبق منها الا عمليات التهديد العسكرية من اجل محاصرة الرئيس العراقي صدام حسين شخصياً, لكن لا يمكن انكار ان الشعب العراقي هو الذي يدفع الثمن الاكبر. ومن المؤكد ان تنفيذ العراق والتزامه بمنطقة الحظر الجوي فوق الشمال والجنوب, وافساحه المجال للطيران البريطاني والامريكي للقيام بجولاته الاستطلاعية اصبح من الصعب جدا الآن تحقيقه مع تراجع التزام العراق, لذلك فإن قدوم رئيس جديد للولايات المتحدة الامريكية من عدمه ليس مؤثراً كما يعتقد الكثيرون, فقرار الضربات العسكرية الأخيرة كان قرار (البنتاجون) لإنقاذ سمعة الجيش الامريكي وقوته من الانهيار, وإثبات ان اليد الطولى لأمريكا لا تزال قائمة. الصواريخ العراقية المضادة للطائرات انطلقت بكثافة شديدة خلال شهر يناير الماضي تجاه الطائرات الامريكية البريطانية, اكثر مما اطلق خلال عام 2000 كاملاً, وقد اكد جنرال عسكري على مستوى عال هو رئيس الاركان الامريكي ومدير العمليات العسكرية (نيو بولد) ان التقنية والقدرة العسكرية زادت لدى العراق, مشيرا الى ان القوات العسكرية العراقية استفادت خبرة خلال السنوات العشر الماضية من الضربات. وأكد (البنتاجون) ان لديه معلومات تفيد ان الجيش العراقي قد اقام شبكة اتصالات بكابلات الألياف الزجاجية تحت الأرض, ساعدت على رفع اداء الدفاع الجوي. وان الضربات الاخيرة كانت تهدف لضرب هذه الشبكة لإبطال فاعليتها, وقطع وسائل الاتصالات التلفونية الحديثة وتدميرها, وإيقاف عملية استكمال بنائها. والهجمات الجوية التي نفذتها امريكا وبريطانيا تمت بعدد 50 طائرة امريكية منها 43 فقط التي ألقت القنابل, وعدد 4 طائرات بريطانية كانت لديها رسومات فنية وصور التقطتها طائرات استطلاع والأقمار الصناعية, بأوامر صريحة من جورج بوش الابن, الذي اعطى اشارة الى عدم الاستهانة به. أجرى الحوارات في لاهاي, بروكسل وبون: د. سعيد السبكي